مفكرو الأمس في مخاض الانقلابات

مدونات - نابليون وفيكتور هيجو

رغم أن الملوك سقطوا قبله تترا، بل منهم من سقطت رأسه تحت المقصلة وهو ينظر، إلا أن الملك لويس فيليب لم يتعظ بعد إرجاع الملكية إلى فرنسا الثائرة منذ القرن الثامن عشر. ظن ملك الفقراء أن الأمر قد استتب له وأن الشعب قد أعياه عدم الاستقرار واستسلم لقدره البئيس، فأطلق أجهزة الفساد تنهب في الشعب وفي مُقدراته حتى وضعوا له رسما كاريكاتوريا يتناسب مع صورته في مخيال الشعب الفقير: ملك ضخم يجلس على عرش كبير يصعد إلى فمه المترع مِصعد يحمل خيرات الدولة وطعام الفقراء والمساكين بدون توقف.

 

ولقد قام وزيره في الداخلية بتنظيم الشرطة وضبط الجند ووضع تكتيكات يقظة لقمع أي تحرك شعبي محتمل وأطلق العيون في المنتديات والنوادي الخاصة ومنع التجمعات العمالية وضيق على الصحافة المستقلة.. وأبعد ابن أخ الإمبراطور نابليون إلى أمريكا خوفا من تكرار المحاولة الانقلابية على الملك لويس.

 

كل ذلك لم يكن كافيا ليتجنب المصير المحتوم، حيث لم يمهله القدر أكثر من خمسة أيام فقط، بين 21 فبراير 1848 و25 من نفس الشهر، سقطت خلالها الملكية وهرب لويس فيليب ونُصّبت حكومة مؤقتة قامت بتنظيم انتخابات رئاسية، الأولى في تاريخ فرنسا فاز فيها الأمير نابليون الذي كان منفيا خارج فرنسا. في نفس الوقت انتقلت عدوى الثورة الفرنسية، الموسومة بثورة 25 فبراير 1848، إلى كل أرجاء أوربا حتى وضعوا للانتفاضات الشعبية تسمية: ربيع الشعوب.

 

الخطأ التاريخي الذي أرّق برودون وخطه بحسرة في كتابه، هو نفس الخطأ الذي اعترف به يانيس فاروفاكيس: مكاني الحقيقي ليس في هذا المكتب وإنما في ذلك الميدان بين المناضلين

بعد أربع سنوات من رئاسة لويس نابليون انقلب الرئيس على الجمهورية الثانية وحل برلمانها وأعلن عن قيام الإمبراطورية الثانية بإزاء تفويض شعبي جاء على إثر استفتاء شارك فيه الشعب الذي كان في غالبيته العظمى أميّا وفقيرا، دغدغت مخيالها الشعبي بروباغندا قوية قامت بها جمعيات نابليونية على خلفية شعار كبير ومحفز: القضاء على الفقر.

 

كان هذا السبب الأول لرجوع الاستبدادية بقوة وإسقاط الجمهورية الديمقراطية الناشئة حينها، والسبب الثاني كان في الطبقة السياسية التي لم تكن في مستوى المرحلة التاريخية، رغم أن فيها مفكرين كبار من طينة الأديب دو لامارتين، والاشتراكي فكتور هيجو، والفوضوي برودون، واللبرالي دو توكفيل، وتلاميذ سان سيمون المفكر والاقتصادي، والاجتماعي أوغيست كونت، والمؤرخ ميشليه، واللغوي إميل ليتري.. وغيرهم كثير ممن تُدرّس أفكارهم لطلبة العلوم السياسية والاجتماعية والفلسفة والآداب ويُنظَـر إليهم حتى اليوم بانبهار كبير.
 

وهم نفس المفكرين الذين تهكــّم عليهم كارل ماركس في كتابه عن انقلاب نابليون نشره في مطلع سنة 1852 وبدأه بمقولة شهيرة لهيجل والتي عدلها ماركس كالتالي: التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة. سنتجنب ما قاله ماركس عنهم، وهو الذي استفاد كثيرا من تجارب فرنسا "الفاشلة" ليبني نظريته الشيوعية، وسنحكي بعض ما قالوا هم عن أنفسهم وكيف ضاعت الثورة من بين أيديهم من طرف رواد الثورة المضادة.

  undefined

 

تسابق المفكرون إلى عضوية المجلس التأسيسي بعد ثورة 25 فبراير 1848 لكي يضعوا أسس جمهوريتهم التي حلموا بها ونظّروا لها في كتاباتهم السابقة ومقالاتهم الصحفية بعد الثورة أو من خلال خطاباتهم التي ألقوها من على منصة المجلس التأسيسي. في الوقت الذي كانوا يتجادلون في دستورهم الجديد وفي الضوابط القانونية التي تحمي جمهوريتهم من الملكيات المتربصة ومن أصحاب السلاح الذين نزلوا إلى الشارع تحت ذريعة الحفاظ على الأمن.. كانت الثورة المضادة تعيد بناء صفوفها ومجموعاتها واقتربت من طبقة كانت قبل الثورة أشد أعدائها، وهم طبقة العمال.

 

عندما كان مفكرو الثورة ينظرون إلى ما وراء فرنسا، كان خصومهم يحيكون الخطط لاسترجاع مواقعهم داخل فرنسا. هكذا قال دو لامارتين فوق منصة المجلس التأسيسي: لا نتدخل في شؤون أوربا، لكن عندما ينهض الوطنيون ويدخلون ضمن العائلة الديمقراطية ويطلبون منا الدعم من أجل الحفاظ على الحقوق وبناء المؤسسات ستكون فرنسا هناك.. فرنسا الجمهورية ليست فقط الوطن، بل هي في المستقبل جندي المبادئ الديمقراطية. ذلك كان طموحهم الذي سيتبدد على أرض الواقع المرير الذي يتحكم فيه مطلب آني لم يولوه ما يستحق من العناية وهو المسألة الاجتماعية.

 
قام صاحب ملحمة البؤساء، فكتور هيجو، بتحذير أعضاء المجلس التأسيسي من مغبة تجاهل المسألة الاجتماعية فقال: أيها النُـواب إن المعضلة هي داخل الشعب. المسألة الحقيقية، هي قلق الشعب وقلق أريافٍ تشكوا من قلة العمال ومدن فيها عمال كثيرون بدون شغل، في عامل ليس له إلا غرفة بدون نافذة، في صناعة ينقصها العمل، في طفل يمشي حافيا، في بنت تعيسة دفعها البؤس إلى بيع عرضها، في عجوز بدون مأوى، في غياب العناية الاجتماعية التي تسببت في إنكار العناية الإلهية، المسألة في الذين يعانون البرد والجوع… احترسوا! فعلى بابكم شران: حرب أهلية أو حرب العبيد (العمال).

  

فيكتور هيجو (مواقع التواصل)فيكتور هيجو (مواقع التواصل)

 
كان أحد المفكرين الاشتراكيين، لويس بلان، قد كتب في كتاب أصدره منذ سنة 1839، مشروعا تحت مسمى "الأوراش الاجتماعية" التي ترعاها الدولة من خلال تنظيم الحرفيين والعمال ودعمهم بالحد الأدنى للعيش الكريم ثم بفتح المجال لهم للإبداع والتطوير الذاتي، وحاول ذلك المفكر تنزيل مشروعه عندما دخل إلى الحكومة المؤقتة بعد الثورة، لكن عبقرية خصومه ذهبت إلى تجنيد هؤلاء العمال العاطلين، الذين ارتفع عددهم من 6000 عاطل إلى 117 ألف عاطل في مدة 45 يوما فقط، من خلال تقديم ريع قار لهم من ميزانية الدولة مقابل خدمات تافهة تقررها وزارة الأشغال العمومية. وكان الهدف الحقيقي، كما قال لويس بلان: هو تجنيد البروليتاريا التي يتحملون إطعامها وتنظيمها بمنهجية عسكرية من أجل تكوين جيش موجه ضد الاشتراكيين في وقت الحاجة.

 

هؤلاء العمال والعاطلون وجدوا من يوجههم ضد المجلس التأسيسي فقاموا باحتلاله بطريقة منظمة بحيث لم يعلم المجاورون لمقر المجلس بباريس ماذا يجري داخله خلال اليوم 15 من ماي، وقع ذلك أمام ذهول أعضاء التأسيسية الذين لم يفهموا ماذا يقع أمام أعينهم. يحكي دو توكفيل صاحب كتاب الديمقراطية في أمريكا قائلا: وصلت كما العادة إلى المجلس دون أدنى علم بما سيحصل ذلك اليوم، وما أثار انتباهي لما حان وقت الجلسة هو وجود 20 ألف رجل كانوا قد ملؤوا المجلس عن آخره دون أن يحدثوا صوتا ينبئ عن وجودهم في خارج القاعة.. رأيت بينهم رجالا مخمورين لكن غالبيتهم يبدو عليها أثر التهييج وحالتهم البئيسة التي تملأ المكان بروائح كريهة من العرق وغيره. ولما منعوا السير العادي للجلسة قام رؤساء النوادي باحتلال المنصة ووقف رجل ليخاطب الجموع، وكان رجلا في حالة مزرية وكأنه مريض أو خرج لتوه من قنوات التصريف. تساءلت من الرجل؟ فقيل لي إنه بلانكي.

 

لما كان أوجوست بلانكي الاشتراكي، الذي سيصبح أيقونة التيار الفوضوي، يخاطب العمال من داخل التأسيسية المحتلة كان يجلس نائب اشتراكي آخر ورائد من رواد الفوضوية الفرنسية، إنه جوزيف برودون الذي استفزه هذا الموقف كثيرا وعبر عن أخطائه منذ تفجر الثورة وحتى دخوله إلى المجلس التأسيسي فقال: لا يا سيدي لم أكن في شهر يونيو جبانا، بل كنت كما الكثيرين غبيا. لقد ضيعت، بسبب البلادة البرلمانية، واجبي التمثيلي. كنت هنا لكي أرصد، لكني لم أر شيئا؛ كنت هنا لكي أنبه إلى الخطر، لكني لم أصرخ! كنت كما الكلب الذي لا ينبح عندما يحضر العدو. كان يجب عليّ، أنا منتخب الشعب وصحافي البروليتاريا، أن لا أترك هذه الكتلة البشرية بدون قيادة وبدون توجيه. كان ذلك أفضل من أن أعيش الكآبة في مكاتبكم البرلمانية. ولقد عملت جاهدا منذ ذلك التاريخ على التكفير عن خطأي الذي يتعذر إصلاحه.

 

الخطأ التاريخي الذي أرّق برودون وخطه بحسرة في كتابه اعترافات ثائر لسنة 1851، هو نفس الخطأ الذي اعترف به يانيس فاروفاكيس، وزير المالية في حكومة تحالف سيريزا اليونانية: مكاني الحقيقي ليس في هذا المكتب وإنما في ذلك الميدان بين المناضلين، ثم استقال من منصبه سنة 2015 والتحق بطليعة الحركات الاجتماعية. وهو نفس الخطأ الذي وقعت فيه الثورة المصرية والتونسية وغيرها من الحركات الاجتماعية القديمة والحديثة والقادمة، لأنه بين التخطيط على الورق والتخطيط على الأرض بون شاسع، وبين التبرك بالسنن الربانية والسلوك في المجتمع على ضوئها تحدي كبير ومُمانع، إلا على من تعلم فقه القومة بشروطها وأخلاقها وأوقاتها القدرية والكونية.