مذكرات طالب عربي في قبو

blogs طالب

ها أنا ذا أخرج من القبو العفن هذا، كضب يطل من جحره بحثا عن طعام في صحراء قاحلة. أنا طالب جامعي في العشرين من عمري أرتدي معطفا رديئا به ثقوب أحاول إخفاءها كلما مررت قرب امرأة جميلة أتظاهر حينها وأوهمها بأنني شاب محترم، ولكيلا تقول في قرارة نفسها أنني مجرم هارب لتوه من سجن، وأنا ابن قروي فقير، تكالبت علي الأيام فلم أعد أستطيع ارتياد الجامعة، فقد غدوت مفلسا وانطوائيا جدا أخشى أن أقابل وجوه المارة الكدرة وأحاسيسي باتت مبعثرة، لا أفلح في أن أتكهن بمواضع الألم فلتجدني أحيانا كثيرة ضائعا في سراديب أعماقي التي تزداد قتامة.

 

أقضي نصف يومي بحثا عن طعام أسد به رمق جوعي أو النوم، فالنوم أقل استهلاكا يوفر علي القليل من طاقتي تجنبا للعياء الشديد. الآن والشمس على وشك المغيب وأنا لم أكل شيئا منذ البارحة، أحس بأمعائي تصدر أصواتا لعينة وأزيزا من شدة الجوع لكن أدعى أنني لا أكترث إليها لعلي أخدعها.

كل يوم أزداد شحوبا وامتقع لون وجهي بفعل البواعث النفسية التي تخالجني وبؤسي الذي أتمرغ فيه فعوض أن أذهب للدراسة وكلي آمال أتكور بمكاني منهك القوى أصارع الموت

أكتري بيتا في منزل قديم تملئه الشقوق وجدرانه آيلة للسقوط، به دهاليز مظلمة وفي غاية القذارة. تسكنه حشرات عديدة من صراصير وذباب ولعل أكثرها ضراوة -البق- هذه الحشرة المقيتة ذات الحجم الصغير جدا، داهية تختبئ تحت سقف هذا القبو وتختفي إلى أن يحل الظلام وينشر كل خيوطه في أرجاء قبوي الذي أكتريه، ومن ثمة، تفتح شهيته ويغدو في قمة الشره ثم ينزل على شكل طوابير من الجنود قاصدا وجبة لذيذة نائمة على أريكة مهترئة، إنه جسدي النتن.

 

لذا ففي الليل أحس بوخز في كل مكان وخز يزعجني ويحرمني من لذة النوم فأضطر للاستيقاظ مرات ومرات لقتلها فيما يشبه مجزرة إلى حلول الصباح فيعود إلى مكانه وهكذا دواليك. لا أعلم لكن نحن الفقراء مستهدفون من طرف الجميع لا السياسيون ولا رجال الأعمال يتركون جيوبنا وحتى الحشرات لا تتوانى في استنزاف دماء أجسادنا النحيلة. فيا ترى ماذا نحن فاعلون؟

وكأنه محرم علينا أن نعيش في رخاء. لذا أواصل بحثي وتقاسيم وجهي توحي بلحن حزين كإحدى سمفونيات بتهوفن، فلا رغبة لي في الجلوس مع أحد أو حتى أن أجرأ في الاقتراب فرائحتي نتنة تبعث بالغثيان أو التقزز، فلم أنعم بحمام بارد منذ أسابيع وقد شبه رائحتي إلى حد ما غرير عسل لا يطاق. فكيف لي أيها السادة المحترمون أن أرتاد الجامعة والاستماع إلى محاضرة أستاذ جليل، وأمامه طلبة أنيقون، يستمعون بجد عن المدينة الفاضلة والديموقراطية وحقوق الإنسان فلا دراية لي بهذه المفاهيم فسقف تطلعاتي هو أن أحظى بوجبة دسمة ونوم هنئ ومريح لعظامي الهشة، خال من تلك الحشرات. لأحلم وأسرف في الحلم فربما تشفى جروحي وندوبي. فكيف لي أيها السادة المحترمون أن أفكر وكيف للبطون الفارغة أن تفكر؟ 

أمست أفكاري مبعثرة، سوداوية متصارعة في ذهني فيما يشبه حربا دموية. ومستقبلي أفقه قاتمة وليل حالك لا ينجلي. أنا حقا تائه، كتيه سفينة ضاعت في أعماق البحر بعد أن فقدت البوصلة فباتت تبحر دون وجهة معلومة وهي كذلك حياتي. فكم أنا أبله حين حلمت فأرض هذا الوطن عقيمة لا تنبت وسقف هذه السماء ضيق لا متنفس فيه، ولا موطأ قدم لأحلامي البالية على هذه الأرض بل غدت خرابا لطموحاتنا وآمالنا وأحاول إنقاذ ما تبقى منها تحت الأنقاض. 

نحن بحاجة ماسة إلى دعم شبابنا العربي دعما ماديا ومعنويا عوض التهميش والنظرة التحقيرية التي ننكلها إليه فالطالب اليوم هو مثقف الغد وهو مستقبل هذه الأمة
نحن بحاجة ماسة إلى دعم شبابنا العربي دعما ماديا ومعنويا عوض التهميش والنظرة التحقيرية التي ننكلها إليه فالطالب اليوم هو مثقف الغد وهو مستقبل هذه الأمة
 

خاب ظني كثيرا أيها السادة، كل يوم أزداد شحوبا وامتقع لون وجهي بفعل هذه البواعث النفسية التي تخالجني وبؤسي الذي أتمرغ فيه فعوض أن أذهب للدراسة وكلي آمال وتخطيط ونشاط، أقضي مثلا ساعات وساعات أمام الكتب في مكتب أنيق وغرفة دافئة وجدرانها ملونة بألوان مفتوحة وصور لدرويش وشكسبير ومسودة لأدون فيها أفكاري المستقبلية، عكس هذا أتكور في مكاني وأسند رأسي إلى مخدتي منهك القوى أصارع الموت يا سادة، وأصابعي لم تعد تقوى على الكتابة وحمل ريشتي فقد أصبحت فارغة من اللحم، عظام كقشة تبن سهلة للكسر.

مذكراتي هذه هي محاولة لتجسيد التعليم العربي على هيئة هذا الطالب البئيس بأوضاعه المأساوية المزرية هو عينة من الانحطاط الفكري والثقافي في بلداننا العربية وشبابنا الذي نخر الفقر جيوبهم وقتل طموحاتهم ليخرجوا قسرا إلى الشارع من أجل البحث عن العمل في أعمال شاقة لينقد حياته أو إلى ما هو أشد وأمر لجوئه إلى حضن المخدرات. نحن بحاجة ماسة إلى دعم شبابنا العربي دعما ماديا ومعنويا عوض التهميش والنظرة التحقيرية التي ننكلها إليه فالطالب اليوم هو مثقف الغد وهو مستقبل هذه الأمة وهو الذي سيقود هذه الأمة إلى التقدم والحضارة فلا حضارة ولا تقدم بدون تعليم.