شعار قسم مدونات

لماذا لا ننجز في حياتنا؟

blogs - music

أتذكر جيدًا تلك المشاهد البديعة عن شخص عبقري من أفلام كـ Beautiful mind  أو  Good will hunting، غالبًا ما تسحر خيالنا، تُعلمنا أن الشغف هو حجر الأساس في الإنجاز، وأن الموهبة هي سر الإبداع، فلا يمكن لنا أن نمارس عملًا نحبه إلا ونحن غارقين في النشوة أثناء آداءه، تلك النشوة التي تلهينا عن كل شيء في الخارج، أليس كذلك؟ هل جربت هذا الشعور العظيم يومًا ما؟!

    

لا، في الحقيقة، أنت لم تجرب هذا الشعور من قبل، دعني هنا أؤكد لك أني أعرف إجابة هذا السؤال، ورغم ما سوف تبديه من اعتراض على تدخلي واجابة سؤال كان بالأساس موجهًا لك دون أن أعرفك أو تعرفني، اسمح لي أن أعرض عليك بعض الأفكار المهمة المتعلقة بالشغف، ولنبدأ باقتباس من الفيلسوف والروائي الإيطالي امبورتو ايكو من كتابه "يوميات روائي ناشئ" يقول فيه "لقد تعلمت أثناء كتابة روايتي الأولى أشياء كثيرة، أهمها أن الإلهام كلمة سيئة"

   

ويعني إيكو أن الحديث الذي يقدم الإبداع في العمل على أنه عرض جانبي للإلهام، الوحي، هذا المركب السحري القادم من السماء، هو فقط أقرب ما يكون لكليشيه يُستخدم لأغراض الاستهلاك، بينما في الحقيقة لا يوجد في الإبداع أكثر من الالتزام ببذل جهد منتظم على مدى زمني طويل لكي تصل إلى نتيجة عظيمة، لكن الأمر – كما أظن – أكثر عمقًا من ذلك، لنتمشّى معًا قليلًا.

   

صدقني، إن ما يحدث حينما تود أن تتعلم العزف هو أنك تتعامل مع تلك الرغبة في التعلم على أنها شيء جانبي غير مهم

إن مشكلتنا مع مفاهيم كـ "الشغف" أو "الموهبة" أو "العبقرية" هي أننا نستخدمها لغرض واحد فقط، وهو الكسل، فيمكن أن تقضي عمرك كله في محاولة للبحث عن شغفك، لكن تلك ليست إلا حيلة دفاعية منك لكي تنام عشر ساعات متتالية، ثم تقضي ستة مع الأصدقاء، وثمانية في عمل تقول أنك لا تحبه، وتهرب من بذل الجهد الحقيقي في سبيل تحقيق انجاز ما، لأنك – للأسف، كما توهم نفسك – لا شغف لديك.

   

بينما الشغف، دعنا الآن نصبح أكثر جدية، هو شيء يمكن العمل عليه، شيء يمكن أن يبدأ صغيرًا كميل قديم ناحية العلوم أو الآداب أو الموسيقى، أو حتى يمكن أن يبدأ عشوائيًا بشيء، أي شيء، مثير للإنتباه، ثم ينمو مع الوقت والجهد فيصبح محبة حقيقية لآداء مهام متعلقة بالكتابة، الرسم، عزف الكمانجة، أو تدريس الفلسفة للأطفال.

   

الكسل إذن هو محركنا الرئيس للوقوع في أوهام عدم الانجاز المسماه في مجملها بـ "الشغف"، لكن الأمر، تأمل معي قليلًا ما هو قادم، ذا جذور تبدأ حينما تنصاع يومًا بعد يوم لرغبات المجتمع في أن تصبح شخص نمطي، قالب لنفس المواطن الذي يأبى المغامرة ويتطلع دائمًا للأهداف المحدودة والمعلنة مسبقًا من قبل البيئة الاجتماعية المحيطة، هنا لا يحدث أن تنسى فقط تلك الأشياء التي أحببتها يومًا ما، بينما كنت طفلًا، أو تلك الأشياء التي تدعو للإنتباه، كالموسيقى، والرسم، والفلسفة، ولاخراج السينمائي مثلًا، لكنك تتعامل معها على أنها تافهة.

   

نعم، صدقني، إن ما يحدث حينما تود أن تتعلم العزف، أو ميكانيكا الكم مثلًا، هو أنك، كبداية، تتعامل مع تلك الرغبة في التعلم على أنها شيء جانبي غير مهم، المهم هو ما يقول الآخرين في المجتمع أنه مهم، وهو العمل مثلًا، أو الدراسة لكي لا ترسب، أو أيًا كان ما تمارسه الآن في سياقك المعتاد، إذن المشكلة ليست في استكشاف ما يمكن أن تحبه، ولا في اللهث وراء اختبارات الذكاء وحل العشرات منها لكي تثبت لنفسك أنه من الممكن أن تكون عبقريًا، المشكلة هي أنك لم تكن يومًا جادًا تجاه رغباتك في التعلم.

       

إن تحويل ما تحب لعمل قد يضغطك، ويضطرك أن تمتثل للعديد من الطلبات غير المحببة لقلبك، لكنه في المقابل يجعلك تنجز بشكل أسرع وأقوى
إن تحويل ما تحب لعمل قد يضغطك، ويضطرك أن تمتثل للعديد من الطلبات غير المحببة لقلبك، لكنه في المقابل يجعلك تنجز بشكل أسرع وأقوى
    

نعم، مرة ثانية، أنت لم تهتم لها، في أعماقك، كما تهتم للعمل مثلًا، لضرورة النجاح كي لا يغضب أبويك، لعلاقاتك مع أصدقائك، لذلك لا يمكن – مع تلك الحالة من الميوعة – أن تعرف ما الذي تريده حقًا، وهذا، كما أظن، هو السبب أننا نقضي ليال طويلة في محاولة للإجابة على أسئلة كـ "ما الذي يهم حقًا؟" أو "ما الذي أريده؟"، والإجابة الأقرب هنا هي أنك لن تعرف، لأنه بالفعل موجود قبالة عينيك لكنك لا تتعامل معه بجدية.

   

تنقلنا الجدية كذلك لنقطة لجذور أكثر عمقًا مما سبق، لكن قبل أن ننتقل اليها دعنا نوضح، كاستنتاج بسيط مما تعلمناه للتو، أن الانجاز ليس سرًا، لا يوجد خلطة سرّية موجودة في كتب نادرة لا يعرفها إلا عدد قليل من الناس تشرح كيفية الإنجاز، ذلك لأن تلك الكيفية بسيطة وواضحة ومعروفه  للجميع، وكل ما نفعله هو التغاضي عنها لكي نستمر في كسلنا، وهي فقط، وببساطة، التالي:

   

الاستمرار لمدد طويلة نسبيًا في تمارين مملة جدًا، جدًا، تكرار نفس الكورد على الجيتار، مثلًا، لألف مرة متتالية، أو تكرار نفس الأغنية لـ 500 مرة كي تصل للطبقة الصحيحة، الإنجاز ما هو إلا أن تجيب على آلاف المسائل في مجحاولاتك لفهم فيزياء المواد الجامدة، أو تعيد قراءة "نقد العقل المحض" أكثر من مرة لتفهم كانط، ثم تبدأ في البحث خلف التعليقات والانتقادات التي صدرت ضده، بعد ذلك تنتقل إلى الأبحاث، ثم المزيد من الأبحاث … الخ.

   

في الحقيقة يخطئ البعض بتصور أنه في أثناء تعلمك للفيزياء، مثلًا، فأنك تكون غارق في النشوة كأنك تتناول قطعة شيكولاتة ممتعة، بينما يتصور البعض الآخر أن الأمر لا يحتاج في أثناء ممارستك لبعض التمارين في ميكانيكا الكم إلا أن تصدر موسيقى رقيقة من الخلفية للدلالة على مدى التلذذ الحاصل أمام عينيك.

   

لكن هذه التصورات هي أبعد ما يكون عن الواقع، الحقيقة هي أنك، ربما، ستكون غارق في الملل والإحباط حد الثمالة، من أثر التمرين المستمر أو التعقد والتجرد الواضح في تلك المادة العلمية أو الفلسفية أو الأدبية التي تقوم بدراستها، لكنك رغم ذلك تستمر، لا لأنك تتلذذ بما تعمل، لكنك بالفعل تستمتع بما تحصل عليه من نتائج، إنه الفهم، أو تلك اللوحة البديعة، أو تقديم Humoresques لأنتونين دفورجاك على الكمانجة باحترافية جاشا هيفيتز.

          

           

تلك الأوهام للأسف تمتد لتشمل كل شيء تقريبًا، في القراءة مثلًا يظن البعض أن الاستمتاع بالقراءة أقرب للفرجة على أحد أفلام كريستوفر نولان، بينما في الواقع قد تكون القراءة مملة جدا وصعبة وقد تلقي بالكتاب بعيدًا عنك من شدة غضبك في بعض الأحيان، لكنك تصبر على الكتاب لسبب واحد، وهو ما سوف تتعلمه منه في النهاية، لذلك فالكتب هي وسيلة وليست غاية، وسيلة للمعرفة، اللذة الحقيقية كما أظن هي المعرفة.

 

من هنا ننتقل لمنطقة أكثر عملية، فحينما نسأل "كيف تصبح مبدعًا؟" نعرف الآن أن الإجابة أبعد ما يكون عن تلك الأوهام التي ملأت أدمغتنا على مدى سنوات طويلة، فأضاعت أعمارنا في انتظار الشغف كأنه حبيبة قادمة من كوكب يقع على بعد 39 سنة ضوئية، لكن لنفترض أنك تحب الكتابة، وكانت هي هوايتك المفضلة على مدى سنوات عدة، هل سوف يكون العمل بالكتابة على نفس الدرجة من المتعة؟

 

لا، تلك ملاحظة هامة في الحقيقة، تصب في نفس المشكلة، وهي أوهامنا عن طبيعة الإبداع كعمل يومي، حيث يفرض عليك العمل عدة قيود أهمها يتعلق بالخطوط الحمراء الأخيرة للإتمام الانتاج بحلول موعد محدد، فبعد أن كنت هاويًا، تنتهي من مقالك كما تحب، تمل قليلًا أو تتلكع بعض الشيء، تنهيه هذا الشهر أو بعد عدة أشهر، أصبحت هناك مواعيد نهائية يجب أن تسلم فيها انجازاتك، ما يضغط عليك ويسبب لك التوتر، لكن هذا الضغط له ميزة أساسية، وهي أنه يمنعك عن "المقاومة"، ماذا تقول؟

 

يسميها ستيفن بريسفيلد في كتابه "The war of art حرب الفن" بالـ "مقاومة" فعلا، حيث يظهر لنا في النهاية أن المشكلة في الإنجاز ليست أن نمتلك ذلك الوهم المدعو بـ "الشغف"، ولكنها في أن نجلس على الكرسي ونستذكر دروسنا أو نكتب مقالاتنا، حيث يظهر بعد فترة ليست بطويلة أن ذلك هو شيء صعب، وغالبًا ما تنهزم سريعًا وتتلكع، هنا يقول بريسفيلد أن تحويل ما تحب لعمل قد يضغطك بالفعل، ويضطرك أن تمتثل للعديد من الطلبات الغير محببة لقلبك، لكنه في المقابل يجعلك تنجز بشكل أسرع، وأقوى.

        

        

يمكن القول أننا، نحن البشر، كسولين لدرجة أننا لا نتحرك إلا إذا احرقنا السفن ورائنا، لا ننجز الا حينما يكون الإنجاز هو الحل الوحيد لمشاكلنا، لا نتحرك إلا اذا كانت تلك الحركة هي الشيء الوحيد الذي يمكن تقديمه لإنقاذ أنفسنا من الموت مثلًا، أو من الفقر، الأمر أشبه ببرامج الحمية الغذائية وطرق التخسيس، هناك الآلاف منها، وينتقل البشر يوميًا من حمية المياة، إلى حمية التمر واللبن، ثم حمية التفاح الأخضر، إلى التمارين، إلى أحزمة التخسيس، إلى أدوية التخسيس، ثم إلى السفوف والدهانات وحتّى الأعمال السفلية، بل ربما يجرب الواحد منا عشرات الطرق للتخسيس في عام واحد، أليس كذلك ؟!

     

لكنك بالفعل تعرف أين هي المشكلة، أنت فقط تتنقل بين كل تلك الطرق في محاولة لإقناع ذاتك بأن هناك حل للمشكلة لا تبذل فيه جهد، وذلك لا يمكن أن يكون حقيقيًا، لكي تحقق انجاز ليس هناك سوى حل واحد فقط، يعرفه الجميع، وتعرفه أنت، ويعرفه شخص التقيته بالصدفة في السوق، لكنك فقط تغض بصرك عنه، ببساطة لأنك لا تريد أن تبذل جهدًا في التعلم، أو الانتاج، أنت فقط تود أن ترتاح، وتبرر ذلك لنفسك، بألف طريقة.