تركيا والولايات المتحدة بين التضاد والتعاون

l

بالرغم من التأثير السلبي الكبير لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على العلاقات الثنائية بين تركيا والولايات المتحدة إلا أن هذا الأمر ليس الخلاف الوحيد بينهما منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ورغم تصنيف كلا البلدين للآخر على أنه حليف استراتيجي في مرحلة زمنية معينة إلا أن ذلك لا ينفي وجود تباينات في وجهات النظر حول العديد من القضايا، وهكذا العلاقات الدولية تسير بين التضاد والتعاون، إلا أن تصاعد الخلافات التركية الأمريكية في السنوات الخمس الأخيرة يبدو ملفتًا.

  

لقد كان لاعتراف تركيا تحت حكم حزب الشعب الجمهوري في عهد الرئيس عصمت إينونو بـإسرائيل عام 1949 دور كبير في بناء علاقات متينة مع الولايات المتحدة خاصة وأنها من أوائل الدول التي قامت بهذه الخطوة، ولعل هذا الموقف سهَّل دخول تركيا إلى المظلة الأمنية الغربية من خلال عضوية حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين اندفعت العلاقات التركية الأميركية لتصل إلى حد التحالف الاستراتيجي في مرحلة لاحقة وظلت تركيا تمثل رأس الحربة الغربية في وجه الخطر السوفييتي طيلة الحرب الباردة.

 

 ومما عزز أهمية تركيا في نظر الولايات المتحدة عاملان مهمان:

مرت العلاقات التركية الأمريكية بتحول كبير منذ العام 2003 عندما رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية لضرب العراق 

الأول: الموقع الجيوسياسي والجيواستراتيجي لتركيا.
والثاني: قدرة النخبة الحاكمة التركية في ذلك الوقت على تقديم تركيا بوصفها طرفًا يمكن للأمريكان الوثوق به، فدخلت تركيا كشريك استراتيجي للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصرًا مهمًا في الحسابات الأميركية والغربية. ومنذ نهاية الحرب الباردة دخلت العلاقات الأميركية التركية مرحلة جديدة عززت من المكانة التركية لدى الأمريكان نظرًا لقيام تركيا بأدوار فاعلة تتماشى مع المخططات الأمريكية عبر مشاركتها في التحالف الدولي الذي أقامه الأمريكان ضد العراق مطلع التسعينيات وسماحها للقوات الأمريكية باستخدامها للأراضي التركية لتنفيذ عمليات عسكرية ضد العراق.

 

كما ساهمت تركيا في تنفيذ منطقة حظر الطيران في شمال العراق، وبالرغم من التوقعات التي سادت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي لم تتراجع المكانة التركية في نظر الولايات المتحدة لكن التغيرات التي شهدها العالم بعامة والتغيرات التي حدثت في الشرق الأوسط بخاصة حملت في ثناياها شكلًا جديدًا لطبيعة الدور التركي، ومن أبرز تلك التطورات ظهور دول جديدة مجاورة لتركيا أو قريبة منها عقب تفكك الاتحاد السوفييتي وحاجة الأمريكان لمد نفوذهم إليها بالاستفادة من العلاقات الثقافية والتاريخية بين هذه الدول الناشئة وتركيا وتراجع الدور الإقليمي للعراق بعد حرب الخليج الأولى وحصاره اقتصاديًا ودخول الصراع العربي الصهيوني مرحلة جديدة بعد مؤتمر مدريد للسلام وأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وإعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الحرب على الإرهاب وتعاظم النفوذ الإقليمي لإيران منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية واندلاع أحداث التطهير العرقي في البلقان بالإضافة إلى التحول في دور حلف شمال الأطلسي بعد نهاية الحرب الباردة.

 
وفي مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول عملت تركيا على تعزيز دورها الجديد في الاستراتيجية الأمريكية من خلال القيام بإجراءات عدة من أهمها تفعيل إحدى مواد معاهدة الدفاع المبرمة بين الدول الأعضاء في حلف الناتو والتي تلزم هذه الدول بتقديم المساعدة لأي عضو في الحلف يتعرض لعدوان خارجي وتسهيل مهمة القوات الأمريكية عبر الانطلاق من الأراضي التركية والمجال الجوي لها الأمر الذي أعطى للعلاقات الثنائية دفعة قوية وأكد على التحالف الاستراتيجي بينهما والمشاركة في قوات حلف شمال الأطلسي الموجودة في أفغانستان (ايساف) وذلك بإرسال قرابة 1200 من جنودها للقيام بمهام تدريب القوات الأفغانية.

  undefined

 

وقد مرت العلاقات التركية الأمريكية بتحول كبير منذ العام 2003 عندما رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية لضرب العراق ولعل هذا الحدث لا ينفصل عن بقية التغيرات التي شهدتها تركيا منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وتبنيه منطلقات جديدة للسياسة الخارجية التركية تهدف إلى تعزيز استقلالية القرار السياسي الوطني انطلاقًا من المصالح الوطنية التركية وإنهاء مرحلة التبعية للآخرين.

 

قضايا عكرت صفو العلاقات التركية الأمريكية من وجهة نظر تركية

ومع كل ما ذكرناه من مواقف تدل على عمق العلاقات بين الجانبين إلا أن هنالك جملة من المواقف الأمريكية التي تعدها تركيا منغصًا لتلك العلاقات وأهمها: الانحياز الأمريكي لليونان وفرضها حظرًا على توريد الأسلحة لتركيا إبان الأزمة القبرصية في مطلع السبعينيات، والمساندة الأمريكية في منح إقليم كردستان العراق وضع الإقليم الفدرالي بعد احتلال العراق وسقوط نظامه السياسي وإصدار الكونجرس الأمريكي قرارًا بعد الأحداث التي جرت بين الأتراك والأرمن عام 1915 في أواخر العهد العثماني أعمال إبادة جماعية، وتخلي الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي عن تركيا أثناء أزمة إسقاط الطائرة الروسية، ودعم الولايات المتحدة لما يسمى وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا جناحا سوياً لحزب العمال الكردستاني التركي وهذا يهدد الأمن القومي التركي.

 

كما أن هنالك تباين كبير في وجهات النظر بين الجانبين التركي والأمريكي إلا أن ذلك لا ينفي وجود كثير من القضايا التي يتفقان عليها ومن أبرزها ضرورة حل الصراع العربي الصهيوني بالطرق السلمية

في حين بقي الموقف الأمريكي المعلن من حزب العمال الكردستاني باعتباره منظمة إرهابية إلى جانب الموقف الأمريكي المتراخي حيال الاستفتاء الذي جرى مؤخراً في إقليم كردستان العراق، وهو ما يشي بالرغبة الأمريكية بإبقاء ورقة الأكراد كواحدة من أدوات سياستها الخارجية تجاه تركيا والموقف الأمريكي غير الحازم من المحاولة الانقلابية الفاشلة التي حدثت في تموز 2016.

 
والأزمة الدبلوماسية الأخيرة الناجمة عن إعلان السفارة الأميركية في أنقرة تعليق جميع خدمات التأشيرات في مقرها والقنصليات الأميركية في تركيا يوم العاشر من شهر تشرين الأول الماضي، وردّ السلطات التركية بقرار مماثل وقضية رجل الأعمال التركي من أصل إيراني رضا ضرَّاب المعتقل لدى الولايات المتحدة والذي قال الأمريكان أنه أدلى باعترافات تتعلق بكسر تركيا للحظر المفروض على إيران إلى جانب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الاعتراف بمدينة القدس عاصمةً لإسرائيل.
قضايا عكرت صفو العلاقات التركية الأمريكية من وجهة نظر أمريكية.

 
عدم سماح تركيا للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية في غزوها للعراق عام 2003. وعدم اعتراف الولايات المتحدة بالجمهورية القبرصية الشمالية وتطوير تركيا لعلاقاتها مع كل من سوريا (قبل الثورة) وإيران وروسيا وحركة حماس وتوتر العلاقات التركية الإسرائيلية منذ حرب غزة عام 2009. التهديدات التركية بإغلاق قاعدة إنجرليك الجوية الأمريكية. رفض الولايات المتحدة تسليم فتح الله كولن زعيم حركة الخدمة المتهم بتدبير بالمحاولة الانقلابية لتركيا، وعدم رضا الأمريكان عن شراء تركيا للصواريخ الروسية من طراز إس 400.

 

المشترك بين الطرفين

undefined

 

وكما أن هنالك تباين كبير في وجهات النظر بين الجانبين التركي والأمريكي إلا أن ذلك لا ينفي وجود كثير من القضايا التي يتفقان عليها ومن أبرزها ضرورة حل الصراع العربي الصهيوني بالطرق السلمية في ظل وجود اختلاف في الرؤيتين الأمريكية والتركية حول مرجعية السلام، إذ ترى الولايات المتحدة أن المفاوضات هي التي تحدد الإطار العام للحل في حين ترى تركيا أن الحل يجب أن ينبثق من القرارات الدولية المتصلة به وأن المفاوضات يجب أن تنصب على آليات تنفيذ تلك القرارات، كما أن الولايات المتحدة تدعم مطالب تركيا بالانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي وترى أن تأخر ذلك يدفع تركيا باتجاه روسيا والعالم الإسلامي وهو ما يتعارض مع المصالح الأمريكية. لكن تركيا ترى أن عضوية الاتحاد الأوروبي لا تعني الابتعاد عن العمق الإسلامي والجوار الجغرافي والإقليمي.

 

ومع ما شهدته البلدين التركية من توترات إلا أن الولايات المتحدة مازالت تعتبر أن علاقاتها مع تركيا ما تزال استراتيجية وليس من السهل التخلي عنها لأسباب عدة أهمها أن تركيا تشكل حسب الرؤية الأمريكية منفذًا لسياستها الخارجية تجاه القوقاز والشرق الأوسط، والدور المحوري الذي تطّلع به تركيا في المحافظة على أمن الرقعة الممتدة من وسط أوروبا إلى أطراف الهند وروسيا. وفي هذا تأمين للمصالح الحيوية لأمريكا في هذه الرقعة والموقع الاستراتيجي لتركيا المطل على الممرات الملاحية الهامة في البحر الأسود وبحر القوقاز والبحر المتوسط، بالإضافة إلى كونها ممرًا بديلًا في حال تعرض الملاحة للخطر في مناطق أخرى ونجاح تركيا في مسعاها لتصبح نقطة التقاء لخطوط أنابيب النفط والغاز من آسيا الوسطى لأوروبا عبر خط جيهان باكو مما يضعف الدور الروسي في هذا المجال، وهذا أيضًا حيوي للمصالح الأمريكية كونه يقلص من الأهمية الجيوسياسية والجيواستراتيجية لروسيا.

 

وعليه يتعين على الولايات المتحدة مراجعة علاقتها وسياساتها مع تركيا لأنه لا يمكن لكليهما الاستغناء عن الآخر على المديين القريب والمتوسط، ويجب أن تكون هذه المراجعة منطلقة من إدراك الأهمية الاستراتيجية لتركيا وما تتمتع به من قبول في المنطقة وضرورة التعامل معها على أساس من الندية لا التبعية التي اعتادتها سابقا.