سأموت تحت الياسمين

أقع في غرام الأغنية لحظة استماعي إليها أول مرة. تتدفق كلماتها وصوت "سيبل باير" داخلي كنبعٍ هادئ. أذهب معها للتلال البعيدة، ففيما مضى، كانت تعيش وسط اللون الأخضر قبل أن تبتلعها المدينة. يغني صوتها الحزين رثاءً للمنحنيات حيث ما زالت جذورها تمتد جنبًا إلى جنب مع الشجر. أما أنا، فلا جذور لي وسط الطبيعة لأرثيها. وُلدت ها هنا حيث الغابات مصنوعة من إسمنت، والناس يقتلعون الأشجار ليمدوا البنايات. ومع ذلك، ما زال قلبي يهتز كلما استمعت للأغنية. أهو حنين لمّا لم أُجربه يومًا؟ أو لعل الإنسان يظل يُحس داخله بانتماءٍ غريب للأرض العذراء؟

 

على عكس سيبل، لم يكُن عندي يومًا مساحات خضراء أمد بصري إليها. أينما نظرت لم يكن يوجد سوى لون الأسفلت الرمادي، أو لون العمارات الحائل. وحدها السماء كانت تشفي شوقي للطبيعة. ففيما مضى كنت أقضي كل لياليّ بجوار نافذة غرفتي المُشرّعة أسرح في خيالاتي مع السماء. تركَت البنايات المُتراصة في شارعي فيما بينها فراغ صغير يمتد فيه الأفق أمام عيناي. أعطاني هذا إحساس بالرحابة، باتساع العالم وامتلائه بالاحتمالات. شيء هكذا بسيط كان كفيل بأن يعطيني أملًا ساذج بأن يتبدد كل ما كان يخنق روحي من آلام. كسبيل، حينها فقط كنت أستطيع التنفس. فهواء الليل بِكْر لا يعكره وجود الآخرين، والمدى المفتوح يحتضنني ويبدد ما بي من وحشة، وكل ما حولي يعزف مقطوعة السكون التي يهتز لها كياني بعُمق ويود لو يحفظها بداخله ويسبح داخلها وسط اليوم فتعزله عن الضجيج.

 

لطالما أحسست أن حياة المدينة هي "ماكيت" حياة، لست حياة حقيقية. أنظر حولي فأجدني مخنوقة بالغابات الإسمنتية، صُنع الإنسان في كُل مكان وكأنما يُريد أن يعزلني عن يد الله

جاءت الثورة، وفي غفلة من الجميع، استولى أحدهم على قطعة أرض صغيرة مُقابلة لبنايتي، وعلى قطعة الأرض تلك، أقام بناية طالت طوابقها حتى بترت من أمامي الأُفق. شعرت أن حتى ذلك الفراغ الصغير الذي كُنت أُطل منه على بقايا ما تركته لي المدينة من طبيعة قد سُلِب مني. وكأن المدينة توّد أن تصرخ بي أن لا مفر منها: صار المنظر أمامي عبارة عن مجموعة بنايات مُتلاصقة كسدٍ منيع دون أن يتسرب منه إليّ ولو رقعة صغيرة من السماء. لم أحتمل ذلك القبح ومنذ ذلك اليوم ونافذة غرفتي موصده لا أفتحها دون أن أُسدل عليها الستائر.

 

لكنّي خارج المنزل ظللت أنظر إلى السماء. في حافلة المدرسة كانت مُتعتي الأثيرة هي النظر إليها، خاصة في الشتاء، وقد تكاثفت على صفحتها السحابات راسمة أشكال مُتدفقة وكأنما جاءت من حلم. لحظة وصولي للمدرسة، أجُر حقيبتي الثقيلة وأصعد لآخر طابق حيث يمتد أمامي المدى وأخرج إحدى كتبي واقرأ على خلفية الغمام. وفي الحصص الطويلة، كنت أجلس بمُحاذاة باب الفصل الموارب أنظر إلى كُبري بعيد يظهر لي وكأنه مُعلّق ف الهواء، أهرب من الملل المدرسي للسيارات المُسرعة فوقه أرسُم لسائقيها أشكال وحيوات أضيع فيها.

 
استمر هذا طوال أعوام المدرسة، حتى بعدما سدّت عليّ البناية الرؤية في البيت. وكأن اشتياقي للسماء تسرب إلى لاوعيّ، صرت أسير دائمًا ورأسي يميل بزاوية حادة إلى فوق. مرت السنوات سريعًا ووجدت نفسي في الجامعة. لاحظت أن الكبار لا يسيرون ورؤوسهم مُعلّقة بالسماء بل ونظرتهم مُثّبتة على الأرض، وأدركت أن هذا يجعلني أبدو كطفلة تائهة. لا يليق بشخص صار راشدًا مثلي أن يبدو هكذا، يجب أن أبدو مثل بقية الكبار مالكة زمام أمري خطوتي واثقة وعيوني تنظر للأمام. صار عليّ أن أسير مثلهم، خفضت رأسي التي ما عادت تطفو فوق الأحلام، أثقلتُها بالواقع وجعلتها تنحني لأسفل، زاد إدراكي حينها للحياة وتاهت عني من بعدها رؤاي الشفافة. لكن لا شيء جعلني اتعايش مع قُبح المدينة حتى الآن.

فلطالما أحسست أن حياة المدينة هي "ماكيت" حياة، لست حياة حقيقية. أنظر حولي فأجدني مخنوقة بالغابات الإسمنتية، صُنع الإنسان في كُل مكان وكأنما يُريد أن يعزلني عن يد الله. توجد الحياة الحقيقية حُيث توجد الطبيعة، بعيدًا عن المدينة التي تجعلنا دائمًا في سباقٍ لا ندري إلى أين، بعيدًا عن نبض قلبها الميكانيكي الذي تُمثله دقات الساعة المتوترة. هنالك في الطبيعة، سأكون وراء الزمن، يتدفق الوقت حولي كالنهر الذي لا يوقف جريانه شيء، يتدفق الوقت دون أن يقطعه ساطور الساعة ويُحوّله لجسدٍ مبتور نعيش خلاله. هنالك في الطبيعة، سأكون بعيدة عن الصخب الذي تتخذه المدينة صدى لها، سيُغرق اتساع الأفُق كل ضجيج وأصير وحدي مع سكون الكوّن الذي سيملأ قلبي سكينة. هنالك في الطبيعة، لا مكان لأسرع إليه ولا ميعاد لألحقه ولا وظيفة لتخنقني. سأقطف طعامي من فوق الشجر واشرب مائي من الجداول واستحم بماء المطر، ففي الطبيعة، لا تحتاج أن تدفع لتعيش. حينها، سيتحد وجودي النابض بالشعور بها وأخلع عني كُل حُزن وألم، سأقف في جمالها مُتجردة من كُل ثقل وأحلق في النور خفيفة كطيف.

 

استمع إلى الأُغنية وأجدني أُردد ورائها بكل روحي:

"تحت العُشب الطويل سأموت
تحت الياسمين سأموت
بين الأشجار العتيقة
لن أحتاج أن أُحضر نفسي ليومٍ آت".

 

أذوب في رؤيا نفسي ولحظاتي الأخيرة تمضي بي تحت الياسمين بين الشجر. من يعلم؟ ربما تنعطف بي طرق الحياة وتأتي نهايتي هكذا… ربما أموت كما أردت دومًا أن أعيش.



حول هذه القصة

نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن مسؤولين في الأمم المتحدة والولايات المتحدة قولهم إن مصر اشترت أسلحة كورية شمالية، وسمحت لدبلوماسيي بيونغ يانغ باستخدام سفارة بلادهم في القاهرة لبيع الأسلحة.

4/3/2018

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن المحقق الخاص روبرت مولر تجاوز البحث في الدور الروسي بالانتخابات الأميركية ليبدأ النظر في دور الإمارات المحتمل في شراء النفوذ السياسي بالولايات المتحدة.

4/3/2018

لأول مرة في تاريخ المملكة العربية السعودية شهدت محافظة الأحساء أمس السبت ماراثونا للجري بمشاركة نسائية، في حين تستمر الاستعدادات لتنظيم ماراثون مماثل بمكة المكرمة الشهر القادم.

4/3/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة