الفدرالية.. زنزانة الصومال الجديدة

لقد برق لنا في البلاد آفاق وآمال جديدة نحو مستقبل مشرق، يردفه التخطي نحو الأمام، وملازمة الركب المتقدم في النظام الرشيد والإدارة المثالية المتعارف عليها في العصر الحديث، ولم أزل عن خاطرنا يوما تلك اللحظات، لعلها في الطريق آتية لامحالة؛ بإذن الله. لكل بلاد في عالمنا نوع أو مجموعة أنواع متعددة من القضايا الشائكة والتي تعتري طريق سيره السياسي وتعكر صفوه في غالب الأزمان والأوقات، فتارة تكون سياسية بحتة من الناحية الحزبية وتأخذ طابع المعارضة في مواجهة الأنظمة الحاكمة سواء الرشيدة أو المستبدة منها، وتارة تكون بصورة قبلية وعشائرية بحتة؛ فيكون طابعها تقاسم السلطة على أساس عشائري بمعنى الكلمة، وإن لم تستوفي الأنظمة تلك الإجراءات في التقاسم القبلي تكون في ورطة لا نهاية منها.. وهذه وتلك نماذج تكون حجرة عثرة في طريق الحكومات..

أما نحن الصوماليون؛ فعندنا قضيتنا الخاصة والتي أثرت وجودنا وظهورنا في الساحة السياسية الإقليمية والعالمية، منذ انسلاخ بلادنا من الأيادي الاستعمارية، ولم ننفك عنها منذ ذاك، وما زالت تلازمنا كمرض لا دواء منه.. وربما يقول قائل؛ ربما كان مرضا تم زرعه فينا بعد أن تم إطلاق سراحنا من سجون الاحتلال وقيل لنا أنتم أحرار؛ والغاية منها إنهاك أجسادنا لكيلا تقوى على المسير، وأن تكون تائهة تطلق آهاتها في القريب والبعيد، وهذا تفسير يوافق واقعنا. لقد تحدث العلماء والدعاة والأكاديميون عن مرض اسمه القبلية مرارا وتكرارا، وصار شائعا ومعروفا بيننا؛ مع أثره السلبي العميق في نفوسنا، وكثير منا تربوا على السيادة القبلية قبل الوطنية، وهذا وإن بدا سيئا وخبيثا، كان سنة تعودنا عليها وصار وسمة وشعارا لنا، ولم يبخل المتعلمون والمثقفون الصادقون عن التنديد والحذر من ممارستها والتعود بها كعادة، وإن الابتعاد عنها كصفة ذميمة أمر مهم يجب على كل منا الإقدام عليها قبل فوات الأوان.

واليوم حديثنا ليس عن قبلية، وإنما عن سجن جديد يراد لنا أن نحكم بداخله بعد أن صبرنا وقدّمنا الغالي والنفيس معايشة مع مرض القبلية، ووصلنا إلى مشارف الشاطئ؛ وبدت لنا فنارات الشاطئ. ولكن كما هو معروف في الأعداء فهم لنا بالمرصاد. الفدرالية أو الاتحادية؛ شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمة دستوريا بين حكومة مركزية (فدرالية أو اتحادية) ووحدات حكومية صغرى (الأقاليم أو الولايات)، ويكون كلا المستويين المذكورين من الحكومة معتمدا أحدهما على الآخر وتتقاسمان السيادة في الدولة. وانطلاقا من ذلك المفهوم الحرفي لهذا التعريف؛ انتهج الصومال نظام الفدرالية بأن يكون نظام الحكم المتبع في البلاد، وهو ما بذله المجتمع الدولي بكل أطيافه الجهود الحثيثة لتطبيق هذا النظام.. والذي نجح في النهاية.

أمل الصومال المتحد، الذي ينبذ العنصرية والقبلية؛ صار من التاريخ وحديث الناس، أما في الواقع فهي قبلية قد تشبعت بالفدرالية؛ وأعطي لها الضوء الأخضر في إزالة آخر قطرة لأمل الأخوية الصومالية
 

ومن هنا دخلت البلاد؛ سجنا أكثر إحكاما من السابق من الحروب وغياب الأنظمة المستقرة ذات السيادة الحقيقية، فهذا السجن هو عبارة عن تقوية وزيادة أسباب التفرقة والتشرذم بالمجتمع الصومالي باستخدام نظام الفدرالية الذي هو في أصله لا يصلح للصوماليين خلافا عند الآخرين؛ بناءا على الثقافة القبلية المنتشرة والمتعارف عليها في البلاد، وتفشي نظام تقاسم السلطة المبني على الأغلبية وكثرة العدد وليست على المواطنة، فهو يعني المجموعات الأقل عددا هي الأقل مواطنة.. 

لذا يكون من الصعوبة بمكانها تطبيق نظام فدرالي في الصومال حقيقي بصورته الصحيحة؛ نظرا لهشاشة النظام ووضعه الحالي الذي يمكن توصيفه "بمرحلة الطفولة "، ولا يمكن من بناء نظام فدرالي مبني على المناطق وليس على القبائل، فمن عيوب الفدرالية الصومالية أنها قبليه قبل أن تكون ولائية، وهذا بالذات يشجع على التناحر والصراعات التي عانت منها البلاد سنين. وهذا يعني أنه تم التخطيط وبصورة احترافية لإدخال الصومال هوة جديدة أكثر غموضا وأكثر حدة من التي كان يأمل الشعب الخروج منها.. ومما لا ننسى كذلك؛ أن الحكومة الاتحادية دوما تكون في رحمة الأنظمة الولائية القبلية؛ وسهولة استمالتهم من أجل مشاريع وخطط لا تمت مصالح البلاد بصلة؛ كما حصل مؤخرا في ولايتي جنوب غرب الصومال وبونتلاند.. ومكمن الخطر هنا والذي لا يذكر غالبا في العلن؛ هو تأسيس كانتونات صغيرة؛ تتميز بصلاحيات مستقلة ومتناحرة فيما بينها؛ ولديها أكثر الأسباب المؤدية للصراعات.

وأمل الصومال المتحد، الذي ينبذ العنصرية والقبلية؛ صار من التاريخ وحديث الناس، أما في الواقع فهي قبلية قد تشبعت بالفدرالية؛ وأعطي لها الضوء الأخضر في إزالة آخر قطرة لأمل الأخوية الصومالية، ومبادلة القبلية بالمواطنة.. وأخيرا وليس آخرا، الفدرالية الصومالية هي تخصيص ولائي قبلي؛ والذي يعني حرفيا أن القبلية الفلانية هي الحاكمة الأبدية والمتحكمة الرئيسية على تلك الولاية؛ وأما البقية من هم قليلو العدد؛ فهم مواطنون من الدرجة الثانية؛ لا يشاركون في القرارات، ولا نصيب لديهم في المناصب فهم مجرد مقيمون لا حق لهم؛ سوى الوجود وإن لم يتم طردهم وإجلائهم.. فهو استعمار بين أبناء الوطن.. وسجن داخله.. ربما غيري يختلف عني في هذا الامر لأنّ آراء الناس لا تتحد على نقطة واحدة فأهم من ذلك العمل على مصلحة البلاد والعباد.



حول هذه القصة

اتهم النائب الصومالي عبد حسن عوالي قَيْبْدِيْدْ الاستخبارات الإماراتية بالوقوف وراء اقتحام منزله في مقديشو نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، وقال إن هدف الهجوم كان تصفيته شخصيا.

3/2/2018

دق الاتحاد العام للصحفيين في الصومال ناقوس الخطر بالنسبة للمضايقات والاعتداءات التي تطال الصحفيين، قائلا إنها أصبحت معتادة. وأشار إلى عجز الحكومة عن ملاحقة القتلة.

11/2/2018

ارتفع عدد ضحايا الهجوميْن المزدوجيْن اللذين شهدتهما العاصمة الصومالية ليلة أمس إلى 38 قتيلا، وقد تبنتهما حركة الشباب الصومالية في بيان على الإنترنت، مؤكدة أنها استهدفت مقرين حكوميين.

24/2/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة