شعار قسم مدونات

معبر رفح.. قضية "ابتزاز" عصرية

blogs معبر رفح

تتيه مشاعرهم بين ترك قطاع غزة المحاصر منذ 11 عامًا، المخضب ترابه بدماء الشهداء والجرحى وتضحيات المعتقلين والأسرى في السجون الإسرائيلية، وبين الخلاص من وضع إنساني متهالك وذاهب للهاوية بوتيرة متسارعة؛ شهدت جُلّ المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية أنه (قطاع عزة) مُقدم على انهيار يتبعه انفجار.

تلك كانت مشاعر المواطن الفلسطيني من غزة هاشم، وهو يسافر في طريقه عبر معبر رفح البري؛ (والذي بات أداة رئيسية لحصار غزة ونحو المليوني فلسطيني في القطاع)، لإحدى الدول العربية باحثًا عن فرصة عمل وأخرى للحياة، علّه يستطيع العيش في غربة عاشها في أرضه ووطنه التي باتت محاصرة بفعل اتفاقيات ومعابر تحكمها معاهدات السلبي فيها يُعرض وكأنه "إنجاز".

على ذاك المعبر تجدُ مجلة متنوعة، "إن جاز التعبير"، من الحالات الإنسانية ومئات الطلبة الذين بات مصيرهم الأكاديمي مرتبط بفتح وإغلاق المعبر، عدا عن الحالات المرضية التي ما إن يحالفها الحظ في الخروج حتى تكون قد وصلت لـ "الهاوية". معبر رفح البري؛ يربط بين الأراضي الفلسطينية (قطاع غزة) والمصرية، وهو المنفذ البري الوحيد للفلسطينيين في غزة للعالم عبر دولة عربية، مُغلق منذ صيف 2013 بشكل كامل؛ إلا من بعض فتحاته "الاستثنائية" لسفر بضع مئات من حالات إنسانية وطلاب وعالقين زاد عددهم عن الـ 30 ألف حالة، كلهم بحاجة للسفر وكل حالة لها قصة ورواية.

أدير معبر رفح من قبل هيئة المطارات الإسرائيلية إلى غاية 11 سبتمبر 2005، حيث انسحبت إسرائيل من قطاع غزة من طرف واحد (إبان تولي أرئيل شارون لرئاسة حكومة تل أبيب آنذاك)

وقد بات معبر رفح الحدودي، (البوابة الوحيدة لقطاع غزة)، بما يشهده من فترات إغلاق تصل لأكثر من 10 أشهر في العام الواحد، رمزًا لمعاناة الغزيين، وهو الشريان الرئيسي لحركة المواطنين من وإلى القطاع. وتعتبر حركة المسافرين عبر معبر رفح خلال عام 2015 "الأسوأ" مقارنة بالأعوام المنصرمة، حيث لم تتجاوز ساعات العمل 120 ساعة، وفق إحصائية رسمية. وأوضحت ذات الإحصائية أن الجانب المصري خلال ذات العام، فتح المعبر ست مرات؛ توزعت على 19 يومًا بواقع 6 ساعات يوميًا، على الرغم من أن الجانب المصري لا يسمح إلا بمرور الحالات الإنسانية.

ويأتي فتح معبر رفح تزامنًا مع تطمينات مصرية لحركة حماس بأنها ستسهم في التخفيف من حدة الوضع الإنساني في غزة، بعد تهديد الرئيس الفلسطيني محمود عباس باتخاذ عقوبات اقتصادية ومالية ضد قطاع غزة كرد على حادثة تفجير موكب رئيس الوزراء رامي الحمد لله في 13 مارس الجاري. وقد أجمع مراقبون ومحللون سياسيون على أن المعبر بات ورقة ابتزاز سياسية يُراد منها انتزاع المواقف من غزة التي احتضنت مقاومة تُعد لمشروع التحرير بعيدًا عن ميادين وغرف السياسة ومفاوضات التسوية السلمية التي كبّلت الفلسطينيين باتفاقيات ومعاهدات وجعلت مصيرهم مُبهم ومستقبلهم مفقود.

ومن هذه الاتفاقيات، تلك التي قد وقعتها السلطة الفلسطينية في 15 نوفمبر عام 2005، والخاصة بتشغيل معبر رفح البري (جنوب قطاع غزة)، مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتنص على تشغيل المعبر بوجود مراقبين أوروبيين وكاميرات مراقبة إسرائيلية. وأعيد فتح المعبر في 25 نوفمبر 2005، وقد بقيت الحركة عليه لغاية 25 يونيو 2006 (قبيل أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط)، بعدها أغلقته إسرائيل معظم الأوقات (86 في المائة من الأيام) لدوافع قالت تل أبيب إنها "أمنية".. ويبقى مغلقًا حتى في وجه الصادرات الغذائية.

ويعتبر معبر أو ميناء رفح البري؛ معبر حدودي يقع عند مدينة رفح بين قطاع غزة (فلسطين) وشبه جزيرة سيناء (مصر)، تم تشييده بعد الاتفاق المصري- الإسرائيلي للسلام سنة 1979 والانسحاب الإسرائيلي من سيناء سنة 1982. أدير من قبل هيئة المطارات الإسرائيلية إلى غاية 11 سبتمبر 2005، حيث انسحبت إسرائيل من قطاع غزة من طرف واحد (إبان تولي أرئيل شارون لرئاسة حكومة تل أبيب آنذاك). وبقي مراقبون أوروبيون لمراقبة الحركة على المعبر. وفي يونيو 2007، أغلق المعبر تمامًا بعد سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة، فيما عُرف لاحقًا بـ "الانقسام الفلسطيني الداخلي".

 السلطات في القاهرة تُغلق معبر رفح وتقوم بفتحه وفقًا للأجواء العامة والأوضاع في قطاع غزة
 السلطات في القاهرة تُغلق معبر رفح وتقوم بفتحه وفقًا للأجواء العامة والأوضاع في قطاع غزة
 

وفي مطلع تشرين ثاني/ نوفمبر 2017، تم الإعلان عن تسليم معبر رفح إلى السلطة الفلسطينية مِن قِبَل حركة حماس بحضور قيادات أمنية مصرية، على أن يتم فتحه بشكل نهائي يوم 15 من الشهر ذاته، منهية معاناة عاشها المواطنون الغزيون طيلة إحدى عشرة عامًا من الإغلاق شبه المتواصل لهذا المعبر، ولكن انطبق عليهم قول المثل الشعبي "أجت الحزينة لتفرح ما لاقت (لم تجد) لها مطرح (مكان)". وجاءت خطوة تسليم معابر قطاع غزة للسلطة الفلسطينية ضمن بنود اتفاق مصالحة وقعته حركتا حماس وفتح في القاهرة في تشرين أول/ أكتوبر 2017 برعاية مصرية. وبحسب مراقبين وتقديرات وإحصائيات؛ فإنّ 2017 شهد أسوأ مدّة عمل خلال سنوات الحصار الـ 11، وكان 2009 من السنوات السيئة جدًا، حيث لم تتجاوز أيام فتح المعبر فيها 35 يومًا.

ووفقًا لمعطيات نشرتها "داخلية غزة" فإنّ أيام فتح معبر رفح البري منذ عام 2009 وحتى 2017 قد وصلت إلى ألف و347 يومًا مقابل إغلاقه مدة ألف و856 يومًا. وقد بلغت ذروة فتح المعبر عام 2012 بـ 310 أيام، والإغلاق عام 2015 وأغلق حينها لـ 333 يومًا. بعد الثورة المصرية عام 2011 قررت الحكومة المصرية فتح معبر رفح بشكل دائم ابتداء من السبت 28 مايو 2011 بعد إغلاق دام حوالي أربع سنوات من طرف النظام المصري السابق (حسني مبارك)، واستمر العمل بفتحه 6 ساعات يوميًا حتى الانقلاب العسكري وقدوم عبد الفتاح السيسي رئيسًا لمصر، وتم فتح المعبر في 3 يوليو 2013 حيث أعيد إغلاقه بشكل تام.

وتجدر الإشارة إلى أنه منذ توقيع اتفاق المصالحة بين حركتي حماس وفتح؛ 12 من تشرين أول 2017، انخفضت أيام فتح معبر رفح مقارنة بالفترة السابقة؛ تحت ذريعة العملية العسكرية الأمنية في سيناء. وبات المعبر يُستخدم كـ "بقرة" جحا من جانب السلطات المصرية؛ خاصة فيما يتعلق بالجانب الأمني في سيناء، حيث تخوض قوات الجيش والشرطة المصرية مواجهات ضد من تقول إنهم "إسلاميون متشددون"؛ لا سيما في محافظة شمال سيناء، حيث ينشط الفرع المصري لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وقتل في هذه المواجهات المئات من الطرفين.

معبر رفح يُستخدم من قبل عدة أطراف (عربية ودولية)، لابتزاز الفلسطينيين في غزة وحركات المقاومة (أبرزها حماس)، للحصول على مواقف وتنازلات داخلية (المصالحة الفلسطينية) وخارجية (سلاح المقاومة والاحتلال)

ومن الواضح أيضًا أن السلطات في القاهرة تُغلق معبر رفح وتقوم بفتحه وفقًا للأجواء العامة والأوضاع في قطاع غزة، ولعدة عوامل؛ منها منع الانفجار الذي أجمع مراقبون أنه بات قريبًا وفي وجه الاحتلال الإسرائيلي. وتسعى مصر أيضًا للحصول على مواقف وتنازلات من حركة "حماس"، وذلك تبعًا للوضع الأمني في سيناء، لا سيما منع تسلل مقاتلون من غزة إلى الأراضي المصرية للالتحاق بـ "داعش" والعكس أيضًا؛ أبرزها الاتفاق مع داخلية غزة العام الماضي (2017) على تأمين الحدود الفلسطينية المصرية. وفي قضية أخرى لإجبار الحركة على تقديم تنازلات سياسية وأمنية في ملف المصالحة الفلسطينية الداخلية؛ والذي ترعاه مصر، عبر قضية معبر رفح.

وقد صرّح اللواء سامح نبيل؛ مسؤول الملف الفلسطيني في المخابرات العامة المصرية، في الرابع من مارس الجاري، بأن الوضع الأمني في سيناء، هو الذي يحدد فتح معبر رفح، وبأن التقييم الأمني يتم بصورة يومية، مؤكدًا: "لأننا نعرف حجم المعاناة التي يواجهها أهل غزة". وأضاف أن "العملية العسكرية في سيناء والقضاء على الجماعات المسلحة، يساعد في بسط الأمن والهدوء، مما سيسمح بفتح المعبر (رفح) بصورة طبيعية، ويؤمن سفر المواطنين الفلسطينيين". وكان الجيش المصري، قد أطلق في 9 شباط/ فبراير 2017، خطة "المجابهة الشاملة" والتي قال إنها تستهدف عبر تدخل جوي وبحري وبري وشرطي، مواجهة عناصر مسلحة في شمال ووسط سيناء ومناطق أخرى بدلتا مصر والظهير الصحراوي غرب وادي النيل.

نهاية الأمر، لا بد من الإشارة إلى أن معبر رفح يُستخدم من قبل عدة أطراف (عربية ودولية)، لابتزاز الفلسطينيين في غزة وحركات المقاومة (أبرزها حماس)، للحصول على مواقف وتنازلات داخلية (المصالحة الفلسطينية) وخارجية (سلاح المقاومة والاحتلال)، لا سيما في ظل الحديث عن "صفقة القرن" والتسريبات التي حول سيناء والدولة الفلسطينية وقطاع غزة، وهو أمر لن يمر بموجود المقاومة وسلاحها في غزة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.