علماء "شيطنتهم" أبواب السلاطين

blogs شيوخ السلطان

يتهافت المتهافتون من شعراء وعلماء وفقهاء، فيطرقون أبواب الحكّام والسلاطين، منهم من يدخل ناصحا، وهم قلّة، وقد يتبدّل في نصحه فور مصاحبته لهم، ومنهم الطامع بمال أو منصب. وإذا ما ولجوا تلك الأبواب غوت أشعارهم، ولُوِّثت محابرهم، ودُنِّست عمائمهم، وخُتِم عليهم بأختام الحكّام، فسيصبحون بطانة سوء تعينهم في غوايتهم وظلمهم.

وقد دأب السلاطين حتّى يومنا هذا على جذب وجلب هؤلاء إلى بلاطهم، فإن لم يأتونهم راغبين، طلبوهم فيأتون مُلبِّين، وينثرون الأعطيات والأوسمة والمكرمات عليهم، من جيوب العامّة، يستجدون بها موقف ومروءة كلّ شهير ومعروف، فيُقبل هؤلاء مسرعين؛ ليضعوا على صدورهم ما أُكِرموا به، بل أُذِلُّوا به، فتصبح للسلاطين عليهم مِنّة، فيداهنوهم في مواقفهم، فيبيعوا شعرهم وعلمهم ودينهم ردّا لمنّتهم عليهم أو هيبة منهم.

وكان أهل الحقّ من هؤلاء، الذين يعرفون مغبّة ذلك يزهدون في إتيان أبوابهم، فلا يقتربون منها عفّة وصونا لأنفسهم واحتراما لعلمهم وحفاظا على دينهم، فيأبون مصاحبتهم، وينصحونهم ما استطاعوا بعيدا عن مخالطتهم، وقد يخالفونهم فيما يفعلون، فكانوا أئمّة حقّ بحقّ، وكانت نتيجة وقفتهم في وجه هؤلاء وعدم الخضوع لهم ومسايرتهم، أن تصبح السجون أو البراري مساكنهم.

هناك علماء وشعراء وفقهاء ومفكّرون في السجون معذّبون، لا أحد يعلم بحالهم، لأنّهم لا يذهبون مع أهواء الحكّام ويخالفونهم في ظلمهم وعدوانهم

ومن أمثال هؤلاء قديما، الإمام أحمد بن حنبل (241 هـ)، الذي قضى سنينا مُعذَّبا في السجون ثابتا على الحقّ، والإمام البخاريّ (256 هـ)، الذي كانت بينه وبين والي بخارى خلافات، فيما روى الإمام الذهبيّ (748 هـ) في كتابه سِيَر أعلام النبلاء: أنّ والي بخارى أرسل إلى الإمام البخاريّ أن احمل إليّ كتاب "الجامع" و"التاريخ" وغيرهما لأسمع منك. فقال لرسوله: أنا لا أذلّ العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس. فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة، فاحضر في مسجدي، أو في داري. وإن لم يعجبك هذا فإنّك سلطان، فامنعني من المجلس، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأنّي لا أكتم العلم، لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: من سُئِل عن علم فكتمه أُلجِم بلجام من نار. فكان سبب الوحشة بينهما هذا.

لم يكن الإمام البخاريّ متكبّرا، إنّما أراد إكرام العلم وبذله لعامّة الناس وليس لخاصّتهم فقط، وتنزيه نفسه عن أبواب السلاطين. ومن هؤلاء أيضا الإمام السيوطيّ (911 هـ) الذي عاصر عدد من سلاطين المماليك، وكان في علاقته متحفّظا معهم، وقد حاول أحدهم الفتك به. وقد صنّف في هذا الشأن كتابا عنوانه: "ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين"، والذي يسرد فيه أحاديث تتفاوت صحّة وضعفا في التحذير من إتيان العلماء والقرّاء لأبواب السلاطين، ويدعوهم لصيانة علمهم عن تلك الأبواب، وروى فيه أيضا قصصا وقعت للعلماء مع الأمراء.

وممّا رواه في هذا الكتاب أنّ عبد الله بن عبد الملك بن مروان قدم المدينة، فبعث حاجبه إلى سعيد بن المسيّب، فقال له: أجب أمير المؤمنين! قال: وما حاجته؟ قال: لتتحدّث معه. فقال: لست من حُدّاثه. فرجع الحاجب إليه فأخبره، قال: دعه. وكذلك ما رواه أنّ الحسن البصريّ مرّ بباب عمر بن هبيرة وعليه القُرّاء فسلّم، ثمّ قال: ما لكم جلوسا قد أحفيتم شواربكم، وحلقتم رؤوسكم، وقصّرتم أكمامكم، وفلطحتم نعالكم! أما والله! لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنّكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم فضحتم القُرّاء فضحكم الله.

والصورة لا تختلف، اليوم، عمّا مضى، فهناك علماء وشعراء وفقهاء ومفكّرون في السجون معذّبون، لا أحد يعلم بحالهم، لأنّهم لا يذهبون مع أهواء الحكّام ويخالفونهم في ظلمهم وعدوانهم، فيتجرّعون جرّاء ذلك الويلات، ليصونوا العلم، ويرفعوا المِزَق المتبقّية من راية العدل قبل أن تنتكس. بينما الآخرون الأدعياء على العلم والفكر والشعر ينعمون في بلاط الظالمين، فإذا ما رأيت أحدهم يتحدّث باسم سلطانه فاحذر السموم في مقولته، فإنّ أغلبهم شياطين استدرجتهم الشياطين إلى أبواب السلاطين، ليكونوا لهم عونا في تبرير بطشهم وتثبيت أركان حكمهم.