شعار قسم مدونات

في العالم الداخلي للص الحقائب النسائية

blogs لص

أفرغ محتويات الحقيبة على السرير بعصبية، كان نبضه قد هدأ قليلا، وكان عرقه البارد يسير في جداول شحيحة على جبينه الناعم. كانت حمالة المفاتيح أول شيء سقط من الحقيبة، معدنيةً ثقيلة تعلقت في حلقتها أربعة مفاتيح مختلفة الأحجام، تلاها أحمر شفاه متآكل مكسور الغطاء، قلم كحل بُري بإجحاف، مناديل مستعملة، زجاجة عطر شبه فارغة، دفتر ملاحظات صغير أخضر الغلاف، أوراق مطوية مختلفة الأحجام مهترئة الحواف، بطاقة عنوان لطبيب أسنان مختص بالتقويم، ونظارات شمسية من النوع الرديء وبضعة ليرات خشخشت قليلا ثم سقطت كآخر ضحية من الحقيبة!

لا محفظة نقود، لا أوراق نقدية، لا جهاز هاتف، لا شيئاً ثميناً يساوي خمسة وعشرين دقيقة من الركض المتواصل بين الأزقة! صرخ بغضب، رمى الحقيبة أرضا ثم جلس على طرف السرير عاقدا يديه فوق جبينه، وقد استندت غرته الناعمة برقة على أصابعه المتشابكة.

مطاردة طويلة من أجل لا شيء، كاد قلبه فيها يتوقف هلعاً عندما تشبثت يد أحد المطارِدين بقبعته لعدة ثوان قبل أن يتمكن من الإفلات منه بحركة عنيفة. ما كان عليه أن يلبس سترة بقبعة، أحيانا يكون بينه وبين مطارديه شبر واحد قبل الإفلات، هذه القبعة التي تطير وراءه كفيلة بأن تحرمه شبراً من الأمل بالنجاة في مطاردة شرسة.

مسح عرقه عن جبينه بسبابته المثنية. في المرة السابقة تطلب منه الأمر أن يوقع امرأة ستينية أرضاً حتى يتمكن من انتزاع حقيبتها من يدها. ظن في البداية أنها عملية سرقة مثالية. سيدةٌ عجوز تميل يمنه ويسره في مشية بطيئة مرهَقة، وتتنفس بصوت مسموع في شارع خالٍ تماما قرابة العاشرة ليلا. من أين جاءتها كل تلك القوة لتتمسك بحقيبتها ما يقرب النصف دقيقة؟ نصف دقيقة من العراك على حقيبة مع عجوز كانت كفيلة بلفت انتباه أي شخص مختفٍ في هذه الظلمة المحيطة. كان عليه ترك الحقيبة والهرب، لكن شجاعة تلك العجوز أثارت حنقه، وصارت مسألة سرقة هذه الحقيبة بالنسبة له مسألة رجولة!

مرت ثلاثة أشهر قبل أن تواتيه الشجاعة للعودة إلى السرقة مجدداً، لكن هذه المرة في أوقات متأخرة من الليل، في شوارع فارغة، في أزقة عاتمة، مع نساء لا يستطيع تبين ثرائهن

انتهى الأمر بعجوز مطروحة أرضاً تكيل له الشتائم، ورجال بعيدين يهرولون، وهاتف خليوي لا يساوي أكثر من خمسين ليرة بشريحة فارغة من الرصيد، والكثير من قصاصات عجوز، الكثير الكثير من أشياء عجوز اعتادت الاحتفاظ بكل شيء لا قيمة له!

المرأة اللعينة والشوارب الكثة:

العمل في الحافلات كان أكثر ربحا، لأنه كان يعطيه الوقت الكافي لتصيد فريسته، نساءٌ يتحدثن عبر هواتف ثمينة، يرتدين خواتم ذهبية ومعاطف غالية، وجودهنّ واقفاتٍ في ازدحام الحافلة كان يمثل جوا مثاليا للعمل. لا يحتاج إلا ليخلق فرصة للاقتراب، وتسللاً خفيا ليده البارعة إلى داخل الحقيبة بحركة تتوافق غالبا مع توقف الحافلة أو تسارعها المفاجئ.

رحلات الأسواق المزدحمة أيضا كانت موفقة، لكنه منذ ذلك اليوم المشؤوم أصبح يخشى الازدحام، يخشى الأماكن المنيرة، والسرقة في وضح النهار. تلك المرأة اللعينة التي رفعت جلبابها بكلتا يديها ثم ركضت خلفه صارخةً بصوت لم يسبق له أن سمع أعلى منه نبرة في حياته، كان صوتها كفيلا بتنبيه كل من كان في الشارع والشوارع المجاورة أيضا، واستمرّت المطاردة ما يقارب النصف ساعة، ثم أمسك به الرجال!

كل ما رآه كان شوارب كثة، وأسنان منطبقة على الشفاه السفلية، وقبضات ضخمة تنهال على وجهه، وأحذية قاسية تكاد تكسر عظامه. عاد إلى مسكنه مزرقّ الجسد، مهدود القوى. ومرت ثلاثة أشهر قبل أن تواتيه الشجاعة للعودة إلى السرقة مجدداً، لكن هذه المرة في أوقات متأخرة من الليل، في شوارع فارغة، في أزقة عاتمة، مع نساء لا يستطيع تبين ثرائهن، أو التخمين بما تحتويه حقائبهن المنفوخة المعلقة على زنودهن المثنية.

جلسة تعارف مع الضحية:

ألقى نظرة على الحقيبة الجلدية الملقاة على سريره مثل جثة هامدة، انتبه إلى تشقق جلدها واهتراء أطرافها، لو استطاع فقط أن يلحظ ذلك قبل أن ينتزعها من يد تلك السيدة الأربعينية، لكن شعرها المصبوغ المصفف وهيئتها الأنيقة خدعته. هل تستطيع امرأة لا تحمل في حقبتها إلا ست ليرات حديدية أن تخرج بهذه الهيئة إلى الشارع؟!

بين قصاصاتها الورقية لمح طرف هويتها، حملها بين السبابة والوسطى ثم قلبها ونظر في صورتها. لكم تبدو امرأة بسيطة مسكينة، بشعرها الغامق ونظرتها البلهاء ووجها العاري عن المساحيق. هذه الأربعينية لا تزال عزباء، تدعى صفية، ولديها شامة فوق حاجبها الأيسر، علامةٌ فارقة لم يستطع رؤيتها في عتمة الشارع وعجالة اللقاء.

undefined

أجمل ما في الأمر أنه كان يتعرف إلى ضحاياه بعد كل سرقة معرفة وثيقة، أسماءهن الكاملة، أعمارهن، مكان ميلادهن، حالتهن المدنية، ووجوههن القديمة قبل أن يتدخل مبضع الزمن. ركن الهوية في زاوية خزانة خصصها لنسائه اللواتي لم يتسع لقاؤه بهن إلى كلمة ترحيب. ثلاثة وعشرون هوية لثلاثة وعشرين امرأة فقدت حقيبتها في حافلة، أو في سوق مزحم ، أو في شارع خاوٍ في عتمة ليل.

الصيد الأخير:

في الليلة التالية، دعا بإخلاص كما يدعو المؤمنون: يا ر ب ارزقني هذه الليلة يا رب! أطفأ آخر سيجارة يملكها ثم أسند ظهره إلى عمود كهرباء تدلى منه قنديل مكسور في شارع معتم. مرت نساءٌ مع رجالهن، نساءٌ يمسكن بأيدي أطفالهن ويمشين الهوينا، فتاتان تتأبط كل منهما الأخرى.

قاربت الساعة على العاشرة والنصف، ولم يطقطق أصابعه بعد لأية حقيبة مدلاة من كتف امرأة. كان ينتظر هذه المرة حقيبة مغرية على ذراع امرأة مرتبكة وحيدة متهدلة الأكتاف، يلتقطها كسيجارة من علبة بدون مقاومة، ثم تدلق له على السرير رزمة من نقود مدَّخرة وهاتفا فاخرا وهوية يضيفها إلى زاوية خزانته.

أصاخ السمع لخطى حذاء نسائي يدقُّ أرض الشارع بعجالة. كانت تبدو شابة، ممتلئة قليلا، بحقيبة منفوخة على كتفها الأيمن، تتلفت يمنة ويسرى وخطاها في تسارع لا يتوقف. حدثته نفسه بأن تحت هذا المظهر العادي امرأة تحمل راتباً كاملاً، أو مبلغا لجمعيةٍ قبضتها هذا المساء، أو سواراً ذهبياً تقصد بيعه صباح الغد لتسدد ديناً. أخذ قراره بسرعة، انتصب مستقيما ثم ادار وجهه للحائط متظاهرا بالانشغال بهاتفه، منتظرا لحظة مرورها من أمامه ليباغتها من الخلف، ثم يلتقط حقيبتها بحركة خفيفة ويفر هارباً عبر شارع فرعي قريب مكسور المصابيح.

سار خلف المرأة الممتلئة القصيرة، وظلُّه الطويلُ يغمر جسدها المتهادي. كان قلبه يخفق بقوة لم يعهدها من قبل، ولا حتى حين تشبثت أصابع ذلك الرجل بقبعة سترته

سمع صوت حذائيها الصغيرين يضربان الأرض على بعد خطوات منه، تسربت إلى أنفاسه رائحتها، وشعر بلهاث صدرها قريباً جداً منه. سكن كل صوت فجأة لبضع ثوان، وتملكته رهبة غريبة، التفت. كانت واقفة خلفه بعينين واسعتين مرتاعتين تلألأتا بشدة رغم عتمة الشارع، كانت جميلة. استدار بقدمين مرتعشتين كأنه يريد الهرب من سرقةٍ انتواها للتو. استوقفته:

يا أخي.. الله يخليك.. هناك رجل يطاردني منذ نصف ساعة، وأنا أشعر بالخوف، يا أخي الله يخليلك حريماتك، هذا الشارع عاتمٌ وخاوٍ وأنا خائفة، هل يمكن أن تسير معي فقط إلى حيث يقع بيتي؟ ثلاث دقائق فقط أرجوك.

* حملق في وجهها بعينين مشدوهتين ثم ابتلع ريقه، بعد لحظة صمتٍ هتفتْ مجدداً: باين عليك ابن حلال..

شعر بحرارة تجتاح رأسه، وبدوار خفيف، انتفض جسمه كله فجأة ومد يده بحماس:
 تفضلي يا أختي.. وَلَوْ!

أخفتِ المرأة ابتسامة خجولة ثم أطرقت أرضا ومشت أمامه، هذه المرة بخطى أقل ارتباكا، وبأنفاس أقل لهاثا. ألقى نظرة للخلف، كان هناك ظلُّ رجل يتراجع بعيداً في العتمة، يدخل في زقاقٍ مظلمٍ مكسور القناديل، بدا له وكأنه يركض هارباً، هارباً منه!

سار خلف المرأة الممتلئة القصيرة، وظلُّه الطويلُ يغمر جسدها المتهادي. كان قلبه يخفق بقوة لم يعهدها من قبل، ولا حتى حين تشبثت أصابع ذلك الرجل بقبعة سترته، وكانت ابتسامة صغيرة ترتعش على وجهه الذي لا زال مشدوها، وكانت حقيبة المرأة ترتكي بسكينة على كتفها المتهدل وفيها هوية لامرأة لا يعرف اسمها، ولا تاريخ ميلادها، ولا علاماتها الفارقة، ولكنه يعرفُ تماما عينيها الجميلتين الواسعتين، حين لاذتا بظله في هذه الليلة الموحشة.