التفويض والتأييد.. ركائز قديمة لحكم حديث

يتعامل أغلب المصريين المشاركين في ثورة يناير مع الانتخابات الرئاسية المصرية التي انتهت في 28 من الشهر الجاري بالهزل والسخرية؛ وذلك لحسمها مقدمًّا ولمظاهر الغرائبية أمام لجان الانتخابات مثل الرقص وتوافد المقعدين ومرضى العناية المركزة للتصويت، وغيرها من مظاهر.

 

ولكنّ لافتات تأييد السيسي لفترة رئاسية ثانية والتي انتشرت انتشار النار في الهشيم في القاهرة حتّى لا يكاد يخلو منها شارع، كانت تنبهني لأمر آخر جادٍّ في الخطورة تنبه عليه كلمات: "التأييد" و"البيعة" التي استخدمت في اللافتات عوضًا عن كلمات من مثل الانتخاب أو الاختيار.

 

ليس هذا التعبير بالبيعة والتأييد اعتباطًا في تصوري، وليس نابعًا كذلك من حسم نتائج الانتخابات سلفًا لصالح السيسي، فجاء هذا التعبير بالبيعة والتأييد نتيجة مثلاً للحسم المُسبق. ولكن ما كان محسومًا به من قبل وما كان يترسخ قبيل وخلال الفترة الرئاسية الأولى للسيسي هو بعث ركائز قديمة للحكم وتطويع شكل الانتخابات الحديث لصالح تدعيم هذه الركائز.

 

استطاع السيسي في براعة تحريك كثير من الخائفين والناظرين إليه مخلصًا من العنف والإرهاب المحتملين في ذلك الوقت لمنحه "تفويض" وهو ما يعني مصادرة إرادة الشعب لتكون إرادته هو

في تصوري، فإن هذه الركائز القديمة الجديدة تمثلت في حدثين أساسيّين: التفويض، والتأييد. وكلا الركيزتين تهدفان لتدعيم "الدولة" وأجهزتها. في الرابع والعشرين من يوليو لعام 2013 ألقى عبد الفتاح السيسي خطابًا ملؤه الثقة يطلب فيه من "المصريين" تفويضًا لمحاربة العنف والإرهاب المحتمل. في هذا الخطاب، أكّد السيسي عدّة مرّات على "إرادة" الشعب. يقول في خطابه "احنا ملناش خيار إلا بالمصريين" ويؤكد "إرادة النّاس…إرادة النّاس".

 

ولكن في ذات الوقت أكّد السيسي دائمًا قبل اعتلائه الحكم وإلى الآن على فكرة "الدولة" وعلى الخطورة التي تهددت أجهزتها بقوة في عام حكم الإخوان المسلمين، الذين رآهم غير مستوعبين لفكرة الدولة، وغير مهتمين بالضرورة بتدعيمها. يقول السيسي أنّه انتهى لذلك حين جلس مع اثنين من قيادات الإخوان في يوم خطاب قاعة المؤتمرات. يقول السيسي في خطابه المطالب بالتفويض: "…لابد من مصالحة مع كافة مؤسسات الدولة، لأنّ فكرة الدولة مش واضحة."

 

ولأنّه ما من مفر من اعتماد الشكل الظاهر للديمقراطية والانتخابات باعتبار مصر جمهورية وباعتبار أنّ هذا هو الشكل الذي سترضى عنه الولايات المتحدة، مانحة مصر، وستعترف بشرعيته، لم يغفل السيسي "إرادة الشعب" مرتكزًا للشرعية. ولكن، لن تترك هذه الإرادة لتُعرف من خلال عملية حسابية لأصوات المقترعين، ولن تُترك لتناقضاتها الذاتية التي عادةً ما تُحسَم عبر موازنات صناديق الانتخابات لترجَح إرادة فئات على فئات أخرى عليها الانتظار لانتخابات قادمة.

 

استطاع السيسي في براعة تحريك كثير من الخائفين والناظرين إليه مخلصًا من العنف والإرهاب المحتملين في ذلك الوقت، لمنحه "تفويض" وهو ما يعني مصادرة إرادة الشعب لتكون إرادته هو. اكتسب السيسي شرعيته إذن ليس من إرادة "الغالبية" التي تُسفِر عنها نتيجة انتخابات حرّة نزيهة تعني بالضرورة انقسام مجتمع، ولكن من خلال مصادرة هذه الإرادة سلفًا، وتحييد وقمع أي إرادة أخرى مناقضة لفئات أخرى من المجتمع.

 

الشرعية إذن بنيت على التفويض المباشر في يوم الجمعة 26 يوليو 2013، الذي أعطاه له جمع غير محدّد من النّاس ليس بينهم رابط سوى أنّهم جميعًا مصريين. كانوا قلّة وكانوا غير منظمين، وكانوا بأي حال قلة قليلة جدًا من الشعب، ولكنّها كانت كافية للسيسي لتتميم هذا الركن، أي إرادة الشعب، من أركان الحكم الحديث. صادر السيسي إرادة الشعب وصهرها في إرادته فأصبحت إرادته هي "إرادة الشعب" وما يقرره ويريده هو ما يقرره الشعب ويريده.

 

تقول اللافتات إذن أنّ ركائز الحكم القديمة تعود بقوة في مصر 2018 وأنّ "البيعة" التي تكرّس حكم الحاكم الفرد، وتُبنى على الولاء تعود لتؤسّس لحكم مصر
 

كان "التفويض" إذن هو الركيزة الأساسية للشرعية، وبالتالي فموسم الانتخابات الذي يحلّ كل أربع سنوات، لا يعني سوى موسمٍ للتأييد، وهو ما عبّرت عنه حقًا اللافتات المنتشرة انتشار النار في الهشيم في شوارع القاهرة. أدرك كثيرٌ من المؤيدين والذين حرصوا على كتابة أسمائهم بصفتهم على اللافتات أنّ التأييد في الحقيقة في هذه الحالة يترادف مع البيعة، أو أنّه هو البيعة فعلاً؛ ولذا كتب كثيرون على لافتاتهم "يؤيدون ويبايعون" بل وأسقط بعضهم "يؤيدون" وأبقى على "يبايعون" في إدراك تام لتحويل الانتخابات لموسم لتجديد "البيعة."

تقول اللافتات إذن أنّ ركائز الحكم القديمة تعود بقوة في مصر 2018 وأنّ "البيعة" التي تكرّس حكم الحاكم الفرد، وتُبنى على الولاء تعود لتؤسّس لحكم مصر، وأنّ السيسي في الحقيقة لا يحتاج لتزوير انتخابات، بل هو أحرص ما يكون لاستيفاء صحة الركائز والإجراءات التي تؤسس لحكمه مدّة حياته. استطاع السيسي بناء حكمه إذن على ركيزة قديمة واستطاع توظيف الواجهة الحديثة لأجل الصورة الخارجية. "التفويض" و"التأييد/البيعة" هما ركائز حكم مصر في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وليست الديمقراطية والانتخابات والاختيار الحر والمشاركة والموازنات السياسية.



حول هذه القصة

أعادت مراكز الاقتراع في مصر فتح أبوابها لليوم الثاني على التوالي لاستقبال الناخبين في انتخابات وصفها منتقدوها بأنها “تمثيلية” باعتبارها محسومة للرئيس عبد الفتاح السيسي، وتغيب عنها شريحة الشباب.

27/3/2018

ما حال الديمقراطية التي نادت بها بعض شعوب الشرق الأوسط؟ هل تلاشت؟ وهل يعد السيسي بمصر أشد قمعا من مبارك؟ وماذا عن أحوال البلدان العربية الأخرى في هذا السياق؟

27/3/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة