شعار قسم مدونات

الأبوّة.. المسؤولية العظيمة

blogs أب

جمعتني طريقي يوما بأحد سكان منطقتي، كان يتحدث بحرقة وألم عن التدهور في المستوى المعيشي وباقي المستويات والتهميش الذي تمكنت أياديه من المنطقة. تحدثنا كثيرا عن الهموم التي نتشاركها كما نتشارك الأرض والتاريخ والمجد القديم.. أكبرت محدّثي وأجللت غيرته على البلدة واهتمامه بشأنها. لكن الأمر لم يتوقف هنا، فلو كان كذلك لاحتفظت بهذا الإجلال، لكن الرجل بدأ يرسم منحنى سقوطه من عيني حين عرّفني بنفسه وانشغالاته.

كان محدثي أبا لثلاثة أطفال -أظن-، عرفت منه أنه مياوم، وعادته يوميا الذهاب لمقهى بعيد بعدة كيلومترات، والتدخين من السجائر ما ينسيه همومه، ثم العودة لوقت متأخر من الليل إلى المنزل. كان بالمقابل يشكو الفساد الأخلاقي التربوي لأبنائه، وهو يحمل عبء ذلك كله على المؤسسة التعليمية. بعد تحية الوداع، كان كل ما ظل يشغل بالي مزدوجة التناقض هاته في مجتمعاتنا.

إن هذا النموذج مستفحل وهو السائد في المجتمع؛ الآباء يتركون أبناءهم بلا وعي أو تربية، ثم فور وجود انحراف سلوكي أو تطرف فكري في الأبناء، فإن العنف اللفظي أو الجسدي يبقى هو الحل، مع كيل من اللعنات على المدرسة والأستاذ أو الشريك في الزواج. ويتبلور هذا النموذج أكثر في غياب الحوار داخل الأسرة بين الآباء والأبناء، ولحالة الفساد السياسي والمجتمعي المنتشر.

آباء كثر يهتمون بكل ما من شأنه مصلحة أطفالهم لذلك تجدهم منذ ما قبل الولادة، "يلتهمون" كل الكتب والمقالات والبحوث العلمية المركزة على تربية الطفل والعناية به ونموه نموا سليما

لقد وصلت مجتمعاتنا لحالة من اليأس والإحباط صنعتها لنفسها، من خلال عدة مظاهر، يذكر منها أن الكوميدي الناجح في مساره هو الأكثر انتقادا لبلده ومجتمعه والأكثر رسما لليأس والإحباط من التغيير، ووسائل التواصل تعج بثقافة اليأس هاته، من خلال انتقاد الذات (المجتمع) والتأسيس لنظرة الخجل من الثقافة الأصلية وازدراءها. وهذا واضح، ينبغي لحله الحياد في رصد الثقافات ومعرفة أنه لا يوجد ميزان لقياس تفوق ثقافة على أخرى، وكل ميزان يسعى لذلك لا يمكن أن تتحقق فيه الموضوعية بأي شكل.

وهذا اليأس هو السبب الأول والأصلي والأساسي في التراجع والتخلف في كل المجالات حتى التربوي النفسي الأخلاقي الذي نرصده هنا. وهذا اليأس يزداد بالواقع الذي ينتشر فيه الفساد، فعزيمة الآباء تتحطم حين معرفتهم بأن التربية الأسرية وإن كانت نموذجية سيحطمها المجتمع. ومن الأسباب الأخرى المساهمة في تراجع دور الأسرة في العملية التربوية إلقاء عبء التربية والتعليم على المدرسة، فالآباء يتخلصون من مسؤوليتهم في سن الأبناء المبكرة التي يلتحقون فيها بالمدارس ورياض الأطفال، وهم لا يعرفون أن المسؤولية تبقى في أعناقهم حتى بعد التمدرس.

كما نجد من بين الأسباب الاهتمام بالجوانب المادية دون الجوانب الحسية السلوكية والفكرية والمعرفية من طرف الآباء، فشراء بذلة جديدة من وقت لآخر مسؤولية معتبرة من قبل الأبوين للطفل، في حين تعليمه أو تصحيح بعض المظاهر السلوكية لديه، أو تعليمه عادة حميدة، ليست في حسبانهما إطلاقا. من الأسباب الهامة في ضياع دور الأسرة التمثلات السابقة للآباء وأهدافهم من إنشاء الأسرة، ومن المؤسف أن نجد سيادة المفهوم الغريزي -الحيواني- في الزواج، وهذا المفهوم ظهر موازاة مع تصدير الإباحية الغربية. وهذه الإباحية هي التي ألغت مفهوم الزواج في الإسلام ثم الثقافات العربية، وكرست ازدراء المرأة. في حين تراجع نموذج المفهوم البنائي للمجتمع في الزواج، باعتباره نواة مؤثرة في المجتمع ومؤسسة بر وتقوى وتربية تضيء المجتمع في كافة المجالات بالصلاح والإصلاح. إن الوقوف على الجانب السلبي، حتى وإن كان مستفحلا، يعزز ما تحدثنا عنه من اليأس من الإصلاح والنهضة، لذا فإم من الموضوعية الوقوف على الجوانب النيّرة والإيجابية، من خلال نماذج من واقعنا في الإحساس بمسؤولية الأبوة.

من النماذج التي عاينتها، آباء كثر يهتمون بكل ما من شأنه مصلحة أطفالهم منذ ما قبل الولادة، فتراهم "يلتهمون" كل الكتب والمقالات والبحوث العلمية المركزة على تربية الطفل والعناية به ونموه نموا سليما. إن هذا النموذج بالرغم من ندرته وقلته حتى لدى المثقفين إلا أنه بحق نموذج مثالي واقعي في الاهتمام بالطفل ونشأته المتوازنة والإحساس بمسؤولية الأبوة.

يجب إيجاد تكوين تعليمي نظامي أو ذاتي قبل الإقبال على الزواج، بالتعرف على أسس التربية الصحيحة ومقوماتها وأساليبها ومرتكزاتها
يجب إيجاد تكوين تعليمي نظامي أو ذاتي قبل الإقبال على الزواج، بالتعرف على أسس التربية الصحيحة ومقوماتها وأساليبها ومرتكزاتها
 

من المقبلين على الزواج أيضا، من يهتمون بالشريك ويقيّمونه باعتبار قدرته على التربية الحسنة للأطفال وعلى صناعة القدوة والمثال المحتذى، وهذا بالطبع ينبغي أن تتوجه له أذهان المقبلين على الزواج من قدرتهم على تحمل مسؤولية الأبوة وضمان الجو الأسري الآمن والأمثل للطفل قصد إيجاد تربية ونمو عقلي سلوكي سليم لديه. أيضا، نجد في الواقع، من يلغي فكرة الزواج بشكل نهائي بدعوى عدم إمكانية إيجاد التربية السليمة -التي تحدثنا عنها- في ظل المجتمعات اللاأخلاقية، هذه الفكرة وإن كانت تنازلا فنلمس من خلالها ذاك الإحساس بالمسؤولية الأبوية وعظمها.

وجدت أيضا الكثير من الناس يرفعون تحدّيا قويا، ليس أمام المجتمع فحسب، بل أمام العالم بأسره، بأنه قد آن الأوان لتكون تربية الأبناء تربية شاملة ومتوائمة مع الفساد والقصف الفكري وسياسات "التآمر".. وهذا التحدي أراه يمثل ذروة الوعي بالواقع وشروط التربية والتنشئة. فالتربية هي التسليح بالعلم والبصيرة والتفكير الصحيح السليم والرؤية النافذة المنطقية وتنمية المواهب ورسم القدوات وإبراز الأمثلة، والتزويد بكل الأسلحة المعرفية التي من شأنها التصدي لما يسميه البعض "الرّدّة" الثقافية، والاعوجاج القيمي والسلوكي بكل مظاهرها وأشكالها.

إنني أدعو ختاما إلى إيجاد تكوين تعليمي نظامي أو ذاتي قبل الإقبال على الزواج، بالتعرف على أسس التربية الصحيحة ومقوماتها وأساليبها ومرتكزاتها، مع رصد حاجيات الجيل القادم خاصة وخصائصه، لنبني الأسرة وبالتالي المجتمع الذي طال انتظاره. كما ينبغي بعد ذلك وإلى جانبه تفعيل آلية الحوار الأسري البنّاء والنقاش المنطقي الذي من شأنه تعزيز التربية باعتباره أهم خصائصها ومرتكزاتها، وكذا تخصيص أوقات للاجتماع الأسري يكون فيها من الأنشطة الترفيهية والتعليمية والتربوية والثقافية والمهارية ما ينمي المهارات والثقافة ويبلور الشخصية والرأي المستقل للنشء.