إلى أيمن العتوم.. لكَ من مصر سلامٌ طيبٌ

blogs أيمن العتوم

"شاعِرٌ وروائيٌّ أردنيٌ، وُلِدَ في الثاني من مارس/ آذار لعام اثنَيْن وسبعين وتسعمائةٍ وألف، في جرش بمحافظة عمان، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية"

 

هكذا يُعَرَّفُ الأديبُ الفذُّ أيمن العتوم في السطور الأولى بصفحته الخاصة على ويكيبيديا أشهر موسوعات المعلومات على الشبكة العنكبوتية، وفي باقي السطور إطلالةٌ مُختصَرةٌ على رحلته المليئةِ بزخاء القلم ومداد الفكر.

عرفتُ العتوم أول مرةٍ في شارع المُعزِّ لدين الله، التحفةِ الأثريّةِ الباقيةِ في بلادنا من زمن القاهرة الفاطميَّة، كانت الزيارة للمُعزِّ بدعوةٍ من صديقتي السوريَّة سوزان، لكنّها لم تُخبرني عبر الهاتف أنّنا سنمرُّ هناك بالرَّبْع الثقافيِّ، حيث مَخطوطات عربية ومُترجمة في شتَّى أنواع الأدب بأسعار رمزية، حين دخلنا الربع التقطَتْ كتابًا من أحد الكتب المُتراصّة كأنّها تعرف إحداثيات المكان مُسبقًا، وكتبتْ على صدر أول صفحاته عبارتها المميزة حين يُعجبها مُؤلَّفٌ أدبيٌّ: هذا الرجل يكتب بيدٍ من ذهبٍ، إليكَ عزيزي أهدي تُحفته.

كانت هدية صديقتي (يا صاحبَيْ السجن)، الرواية الأبرز في مسيرة العتوم، والعمل الأكثر ضجيجًا في حياة الكاتب الأردني، أبحرتُ معها لثلاث ليالٍ متتابعاتٍ لم أذُقْ فيهم النوم إلا قليلًا، غمرني الرجل بتجربته القاسية في سجون بلاده، وأبكاني محبسه الانفرادي في مخدعٍ يبعد عن أبيه وصل فؤاده بمئات الأميال، وأسرني بجمال عباراته وجزالة كلماته ودقه وصفه، حتى خُيّلَ إليّ أن الرجل يملكُ مفاتيح اللغة.. ولستُ أبالغُ.

العتوم، الشاعر الذي لا يُمَلّ حديثُه عن بيت المقدس في ديوانه الشعري (خذني إلى المسجد الأقصى)، والأديب العارف بالحب ولهفة المُحبين ولوعة الفراق في (ذائقة الموت)

العتوم، الرجل الباقي من الزمن القديم، لوهلةٍ تظنّ أمام جودة قلمه أنّكَ في حضرة أصحاب البيان من العرب الأوائل، أو تحسب أنّكَ أمام رجلٍ تربّى في صالون العقّاد بصحبة منصور ومحفوظ وطه حسين، أو تعتقد أنّكَ في حضرة رافعيٍ جديد أتى بما لم يأتِ به أقرانه من كمال العِبارة وحُسن الصياغة وجمال البيان.

العتوم، أديب المهندسين أو مهندس الأدباء، الأديب الخلوق الذي استطاع أن يُرسيَ طيب ذكره في نفوس القُرّاء حين وافق على نشر أعماله إلكترونيًا تسهيلًا وتخفيفًا على محبي الاطلاع حول العالم، والمهندس المدني الذي صمّمَ قواعد الأمان والاتزان على صفحات كتبه، فتراها ثابتة غير قابلة للاهتزاز أو الوقوع من صدى الذاكرة.

العتوم، الرجل الذي يُحدّثُكَ بالآية والحديث.. حتى تؤمن إيمانًا تامًّا أنّكَ أمام حافظٍ مُتقِنٍ للمصحف الشريف من ألِفه إلى يائه، ويغوص بكِ في بحار الفلسفة وعلوم المنطق.. فكأنّكَ في صحبة نيتشه وسقراط وديكارت، ويعرج بكَ إلى منابع التاريخ والسير وعلم الاجتماع فكأنّ ابن خلدون يُحدّثكَ عن قرب، ثم يقدم لكَ وجبةً طازجةً من عملٍ روائيٍ رفيع المقام.. أوليس هذا قمة الإعجاز؟!

العتوم، الشاعر الذي لا يُمَلّ حديثُه عن بيت المقدس في ديوانه الشعري (خذني إلى المسجد الأقصى)، والأديب العارف بالحب ولهفة المُحبين ولوعة الفراق في (ذائقة الموت)، والوطنيّ الثائر في رحاب الجامعة حين يُحكّيكَ (حديث الجنود) عن إضراب طلابي قام به أقرانه في ثمانينات القرن الماضي في إحدى الجامعات الأردنية، والسياسيّ البارع حين يُفصّل يوميات السجناء على اختلاف طوائفهم وأيديولوجياتهم ويناديهم بنداء يوسف الصدّيق (يا صاحبَيْ السجن)، والإنسان الكريم الذي يكتب عن رياض الشام اليابسة فكأنها (خاويةٌ) على عروشها تنتظر أمطار الفرج القريب، وإلى كل ذلك لا ينسَى حبه للعروبة ولا يُنكر عشقه لأمّ الدنيا في كل مَحفَلٍ.

رواية  تسعة عشر للأديب أيمن العتوم (مواقع التواصل)
رواية  تسعة عشر للأديب أيمن العتوم (مواقع التواصل)

بيننا وبين الأردن علاقة حبٍ ومودةٍ برغم آلاف الأميال الفاصلة، لم يَكُن محمود الجوهري إلا حلقة وصلٍ فيها حينما تولّى قيادة منتخب النّشامَى في بداية هذا الألفية قبل أن يخلُفَه حسام حسن في نفس المنصب، ربما ينقلنا إليها بالفؤاد عروبتنا ولغتنا المشتركة والدين الحنيف، لكنّ القرّاء في أنحاء مصر يُرجِعون سبب حبهم للأردن بأنها مهد العتوم ومستقر فؤاده، وكان ذلك واضحًا حين أحاطَ الرجل المئاتُ والمئاتُ من المحبين في معرض القاهرة الدولي للكتاب والذي عُقِدَ في بداية هذا العام، وعلى خلفية تواجده في مصر، وقف العتوم وقال كلماته البليغة في حب منارة الشرق من أمام برج القاهرة، مُذكّرًا نفسه والجميعَ بذكريات طفولته في رياض القاهرة قبل أربعين سنةً.. حين كان وأبوَيْه يسكنون بنت المعز فترةً من نهايات القرن المُنصرم.

في العشرين من فبراير/شباط الماضي جاءني طردٌ مغلقٌ من لندن لهديةٍ لا أعرف راسلها، حين طالعتُها ألفيتُها روايةً قيّمةً من صديقتي سوزان كُتِب على صدر أول صفحاتها: عزيزي عليّ، إليكَ (تسعة عشر) تحفةُ العتوم الجديدة والتي صدرت أولى طبعاتها بمصر العزيزة، أتمنّى أن تنالَ إعجابكَ، ربما يجمعنا القدر مرة أخرى لنتناقشَ بشأنها كما فعلنا بالسابق في وطنٍ حرٍ وتحت مظلةِ سماءٍ تُحكّيها حكايا غائبتكَ التي ما استطعتُ أن أداويكَ منها، وحتى هذا اللقاء لكَ وللعتوم منّي سلامًا طيبًا ووردةً.