شعار قسم مدونات

أجمل ثلاث نساء في العالم!

blogs الأم

أحسن جبران التعبير يوم قال: "أجمل ثلاث نساء في العالم: أمّي وظلّها وانعكاس مرآتها". وأجاد المؤلف الموسيقي الفرنسي أندريه غريتري حين نعت قلب الأم بواحد من روائع خلق الله. نعم هو واحد من روائع خلق الله، إذ بثّ فيه حياة عظيمة توزّعها سخاء على أبنائها وتسكبها حنانا من إبريقه الكبير!

من منّا لا يذكر أناشيد الطفولة الأولى وأناشيد الأمومة ولم يحمل مع الفتى الجوال ريمي ونحوّل وكوزيت وسالي همّ اللقاء بأمهاتهم، من منا لم يهتزّ قلبه لأبيات تصدح "أمّي" ومن منّا لم يردّد:

يا ربّنا يا ذا الكرم يا واهبا كلّ النعم
هذا أبي نعم الأب من أجلنا كم يتعب
أمي التي أحيا بها من مثلها في فضلها
باركهما يا ربنا واحفظهما دوما لنا

 
نحيا بها كما يحيا النبت بالمطر، نحيا بها كما يحيا الضوء في القمر، نحيا أطفالا ونظل صغارا لا نكبر، فمن مثل الأمّ في حبّها وعطفها وخوفها وحرصها وعطائها وصفحها؟

 

علّمتني أمّي أنّ الطّفل لا يكبر داخل حصنها المنيع، أنّ الطّفل مهما نما يظل في عينيها الولد الرضيع. علمتني أمّي أنّي الحياة فلطالما أخبرتني أنّي اسم على مسمّى، علمتني أن أكون قويّة الشخصيّة وعالية الهمّة، علّمتني كيف أتسلق جبال أحلامي وكيف أحفظ القمّة، علمتني أن القمّة لا أصل إليها إلّا بحفظي لله فإن أنا حفظت الله حفظني، علّمتني أنّ فعل الخير عبادة كالصلاة ولم تبرح توصيني به في البشر والحيوان والشجر، علّمتني أن الله لن يغلق في وجهي بابا إلّا وقد فتح لي بابا أوسع وأجمل، أوصتني ألّا أضيق، علّمتني كيف الطريق إلى ذاتي، إلى حياتي، إلى الناس، علّمتني التواضع والصبر الجميل، علّمتني أن أقتسم اللقمة والفرح مع غيري بل علّمتني ألّا آكل ليأكل غيري وأن أسهر لينام غيري وأن أتألّم إن تطلّب الأمر شرط ألّا يتوجّع غيري.

 

مع أمّهاتنا نحن معذبّون بالحبّ حتى أثناء المرض لكن محظوظون، ولا أعتقد أن أحدا لم يجرّب مصيبة الإطعام الإجباري وعبارة "لا يهمّ إن تقيّأته، المهمّ أن تتغذّى وتنهض بالسلامة وألّا تدوخ عند أخذك الحقنة"

علّمتني أن أبتلع الدمعة وأن أحترق كالشمعة لأضيء على غيري، وأن أمشي في الحياة حياة، أنثر الزهور والسرور أثناء سيري وأن أنقل الأمان والسلام والحبّ والحنان إلى كل من يصافح قلبي. علّمتني كيف أحترم الكبير وكيف أرحم الصغير وكم كانت دروس احترام الكبير صعبة في محيطي المتسلّط! علمتني أن أشارك الناس أحزانهم وأحسّ آلامهم، وأتذكر أنّها كانت ترفض كلّ أشكال الفرح في بيتنا عندما يبشّر أحدنا بالنجاح وفي بيت جيراننا راسب، فعلّمتني بحكمتها كيف أحترم مشاعر غيري.

 
لا زلت أتذكر زمن الطفولة وكيف كانت أمي تحمّمني وتدلّك جسدي النحيف حتى لتكاد الروح تخرج منه وكيف كانت تختم حمّام العذاب الساخن الجميل ذاك الذي أفتقده اليوم بامتصاص الماء من أذنيّ لتجفّفها، لم تكن أمّي تثق بالمنشفة بقدر ما كانت تثق بشفتيها فما يكون للمنشفة إلّا أن تقوم بعمل ثانوي. كنت أتساءل في داخلي بعد كلّ حمّام عن هذه العادة لكنّني لم أجرأ يوما على سؤالها فقد كنت أشعر بالحبّ دائما.

 

مع أمّهاتنا نحن معذّبون بالحبّ، معذّبون إلى درجة الضحك، فهي من توقظك ساعة قبل موعد الاستيقاظ وتنادي عليك "قم قد فاتك الوقت"، وهي التي تعرّج بغرفتك ليلا كلصّ عاشق لتلفّك في الأغطية. مع حلول شتاء هذا العام استيقظت متأخرة، نمت نوما عميقا لم أشعر بعده إلّا بنور الصباح يعرّي وجهي، ولم أسمع أثناءها منبّه البيت "أمي" توقظني. عندما شرعت بالنهوض وجدت أن حجم الغطاء أثقل من المعتاد وأدركت أن غطاء آخر قد انضمّ للمجموعة، اكتفيت بالضحك وأخذت ألقّنها ككلّ مرّة قاعدة النوم الشتوي لديّ وهو أنه كلما زاد حجم الغطاء كلما زاد الحجم الساعي للنوم لديّ بسبب التنعّم بالدفء والإبحار في محيطات الحلم، وأنّني أخفّف الغطاء عمدا كي أستيقظ باكرا، لكن قلبها لا يعترف بهذه القاعدة. مرّ يوم بعدها فوجدت أختي تشتكي، قالت: "هل رأيت هذا النوع من الحنان؟" ضحكت وسألتها إن كانت تقصد الحنان القاتل والحنان القاتل مصطلح وضعناه للدلالة على كمية الحنان الذي يسطو علينا ليلا في شكل أغطية إضافية.

   undefined

  

مع أمّهاتنا نحن معذّبون بالحبّ، معذّبون لحدّ القهقهة، فهل جرّبت الخروج مع أمك إلى سوق الألبسة لاقتناء بذلة جديدة؟ لا شكّ في ذلك، فلطالما لبسنا أذواق أمهاتنا وآبائنا لكنّنا سرعان ما تحرّرنا منها واخترنا أذواق جيلنا وعصرنا، لكن هل جرّبت أن تشير عليك أمّك بثوب يعود إلى عصر المماليك وتضيف قائلة: "رائع، جلده متين وشكله مستور"، مع العلم أن حجمه يصلح لدخول أنت (أس اثنان) فيه وأن جلده يعود إلى عهد الفايكينغ وستبدو فيه مثل "فيكي" الذكي وستحبّك أضعافا مضاعفة وأنت تعوم فيه لأنك ستكون مثل رضيع ملفوف في غطاء صوفي. لا زلت أتذكر معطفا حجمه أكبر من حجمي اشترته لي أمّي وقالت أنّني سأسمن وسيناسبني جدّا، مضى على قولها اثنا عشرة سنة ولا زال في أرشيف مزارع جدّي يكبرني مرتين، وأعتقد أنه قد شغل في إحدى المزارع منصب حارس ساقية من سواقي المياه مع غيره من الأقمشة التي يسدّ بها الماء بين الشجر.
 
مع أمّهاتنا نحن معذبّون بالحبّ حتى أثناء المرض لكن محظوظون، ولا أعتقد أن أحدا لم يجرّب مصيبة الإطعام الإجباري وعبارة "لا يهمّ إن تقيّأته، المهمّ أن تتغذّى وتنهض بالسلامة وألّا تدوخ عند أخذك الحقنة" ويبدو أنّ هذا النوع من الإطعام لوحده كان كافيا لأن تقوم من فراش المرض وتهرب من بين يديها خاصة إذا كانت نوعية الأكل الصحيّ هذا تحتوي على أصناف تكرهها أو كنت طفلا انتقائيا. 

وتكبر في الطفولة
يوما على صدر يوم
وأعشق عمري لأنّي
إذا متّ
أخجل من دمع أمّي

 
كدرويش أنا يا أمّي أعشق هنا عمري! وأعشق الفضّة يا أمي لأنّها يا سيّدتي رسمت في عينيك فاستقرّ الجمال فيهما وظلّ يناجيك، عشقت البحر والنهر والسماء وكل شيء فيه وحي عينيك، عشقت كلّ شيء نسجته يديك، خبز الدّار، أعشيتنا التي عاشت فيـنا، أشياء حاكتها يديك شتاء لتدفّينا كلّ شيء سيّدتي، كلّ شيء أمّي. لن أنسى دموعا وأدعية وأحضانا ثبّتّنا بها، لن أنسى أثواب الدمى التي صنعتها يداك لنا، لن أنسى مشطا ناعما دغدغتِ به شعراتنا، لن أنسى وجبات طيّبة أدفأتِ بها بطوننا، لن أنسى خطواتك التي رافقتنا إلى المدرسة وكيف أنسى من في شاطئ عينيها قلبي رسا؟ فيا ربّي أمّي.