شعار قسم مدونات

غزة لا تقتل الأحلام

مدونات - شباب غزة

دعتني صديقتي لحضور حفل توقيع كتابها الأول باللغة الإنجليزية بعنوان "In Gaza I Dare to Dream"، فكّرت كثيراً هل لازال هناك متسع لأن يحلم الغزّيون رغم الحصار المشدد "بحراً وبراً وجواً " والممتد لكل تفاصيل حياتهم بعد عام هو الأشد منذ بداية الحصار. عام 2018 لازالت غزة كما هي مساحتها 27 ألف كيلومتر، السكان في زيادة، البطالة أيضاً في زيادة، والفقراء أصبحوا أفقر الفقراء، مازالت محاصرة لكنها أبت ذلك الحصار ان يمتد لعقول وقلوب شبابها ورجالها ونسائها بل وحتى اطفالها وأطلقت العنان للحلم يزهر في كل مكان فيها.
 
مع كل ارتفاعٍ لبطالةٍ أو فقرٍ أو مرض، ترتفع نسبة الأمل، نعم لا مقياسٌ محدد ولا إحصائية رقمية تُحصي ذلك، لكن عيون الشباب وأفعالهم تُخبرك بذلك. حينما تجد شباب غزة اليوم يطلقون مئات المبادرات، للتخفيف عن مرضى السرطان، لدعم الأيتام، لنساء الشهداء، تنظيف المشافي، مساعدة في رسوم الطلاب الجامعيين، توزيع وجبات للأسر المستورة، عليك أن تعلم جيداً أن في غزة تختلف المقاييس، نعم تختلف فمقياس الأمل خاص بشباب غزة وعلاقته عكسية مع حصارها "كلما زاد الحصار زاد الأمل".
 
شباب غزة يجلسون في مقاعد الدراسة الجامعية، ويعلمون جيداً بل ويحفظون آخر احصائية للبطالة، لكنك تجدهم يدرسون ويتفوقون، وهم يعلمون أنهم سيصطفون لطوابير العاطلين عن العمل بمجرد انتهاء مراسم حفلة التخرج، لكنهم يُكافحون ويمضون رغم كل الصِعاب في سبيل الوصول لأحلامهم المُنتظرة. شباب غزة يتجولون بين المؤسسات، يُقدمون العون لمن حولهم عبر مبادراتهم الجميلة، وهم لا يملكون أي مبلغ من المال يوصلهم الى بيوتهم في نهاية يومهم الشاق.
 

في غزة، امرأة صابرة.. هي صمام الأمان للحياة، تُساند زوجها في كل أوقاته، تُخبره أنها معه على الحُلوة والمُرّة، وإن غاب ذاك الزوج عن الحياة تقف سداً منيعاً لحماية أطفالها الذين أصبحوا أيتام

شباب غزة يتجولون في الأسوق لجمع الخضروات بمبادرة إبداعية، أي شخص من الناس يقوم بشراء أي صنف من الخضروات، يتبرع بحبة واحدة في سلة الخير الموضوعة جانباً، يقوم الشباب بعدها بجمع الخضروات كُلما امتلأت، ليُسارعوا في إرسالها للبيوت المستورة قبل موعد الغداء فيسدوا جوع أطفالهم بعد عودتهم من مدارسهم، وربما تجد القائمين على المبادرة لا يجدوا ما يسدوا به جوعهم حين عودتهم إلى منازلهم.

  

في غزة، تجد الشباب يُصارعون أيام دراستهم الجامعية من أجل التخرج، ويُقاتلون الحياة من أجل خلق أي فرصةٍ لهم للعمل عبر الانترنت وغيره، يُحاولون التحليق في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي وتنفيذ مشاريعهم الصغيرة، يُدخلون البهجة على الفلسطينيين حتى المغتربين منهم في الخارج عبر تبادل إرسال الهدايا في المناسبات المختلفة أينما كانوا.

 

وإذا جلست مع شابة في الجامعة، تحدثك عن حلمها في إكمال الدراسات العليا فور تخرجها من الجامعة، وحينها لن تقبل بمعدل عادي، فهي تسعى للتفوق والتميز لتدخل الفرحة على قلب والديها، وتزين مشروع تخرجها بأسماء والديها وهي تهديهم إياه وتحدثك أيضاً عن الزوج المستقبلي الذي ستختاره لكي يشجعها على تحقيق طموحها والا فتخبرك ببسمة خجولة "بلا منه". وإذا جلست مع طفل ترى في لمعة عينيه بريق أمل لغد مشرق، فهو يلعب في الطرقات بكرة قدم مهترئة لكن مع ذلك يخبرك أنّ مستقبله سيكون أفضل من "ميسي".

   undefined

 

ورب الأسرة الذي تتوقع عند جلوسك معه أنه سيشكو الحال وهو حزين، ستجده يشكو الحال فعلاً لكن سيصبر نفسه بعبارة "الوضع على الكل، وسيمضي لا محالة"، رغم أنه مُثقل بالأعباء والمطالب بتأمين الأقساط المدرسية والجامعية لتحقيق الأحلام لعائلته، لكنه لا يضجر رغم ذلك، ولا ينسى أن يَعِد ابنته أنه سيقف إلى جانبها حتى يُلبسها ثوب التخرج، وتجده لا ينسى أرحامه رغم ضيق الحال وبلغة حنونة يخبر زوجته أن تُبيّض وجهه بصنع طعامٍ طيب لأقاربه. وعندما يضجر ابنه الشاب الذي أصبح في سن الزواج يطبطب عليه، ويخبره أنه سيحقق مراده واعداً إياه أن الغد أفضل.

 

وخلف كُل ذلك العطاء والأمل، امرأة صابرة، هي صمام الأمان للحياة، تُساند زوجها في كل أوقاته، تُخبره أنها معه على الحُلوة والمُرّة، وإن غاب ذاك الزوج عن الحياة تقف سداً منيعاً لحماية أطفالها الذين أصبحوا أيتام، وإن أصبحت أم شهيد تطلق الزغاريد ، وتُخبر الجميع أنها هي من أرسلته محفوفاً بالدعاء كي يُحرر الوطن المسلوب.

 

غزة برجالها ونساءِها وشيوخها وأطفالها أفسدت كل نتائج الدراسات التي تُخبرك أن غزة تموت، الغزيّون وحدهم مقياس الأمل ومنبع الصبر ومقاومة الحياة، وبعد كل ذلك يخرج من يقول في غزة تقتل الأحلام، لا والله في غزة تولد الأحلام الجميلة وستزهر يوما في كل مكان .

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.