شعار قسم مدونات

نشوء الصحافة اللبنانية

تعرضت الصحافة اللبنانية في بداياتها للكثير من الأحداث الدراماتيكية إثر الوضع السياسي والاقتصادي الذي كان يعصف بالمنطقة وما حولها من تحولات وانقلابات بدأت من القرن السابع عشر وإلى ما بعد انهيار الدولة العثمانية التي كانت الأكثر تأثيرا بالصحافة وأشكالها الحالية.

 

سنبدأ من القرن السابع عشر وبدأ تشكل النسيج الأولي للمجتمع اللبناني فطبيعة لبنان الجغرافية جعلته ملجئ للأقليات من حول العالم فكل أقلية أتت إلى لبنان من مناطق مختلفة حول العالم اتخذت منطقة في لبنان مكان لها، الطائفة المارونية حظيت باهتمام ورعاية دولية في لبنان في منتصف القرن السابع عشر، حدثت نهضة ثقافية كان سببها الطلاب الذين درسوا في روما، نتج عنها أول مطبعة في الشرق، وكانت باللغة السريانية عام 1610، كان أول كتاب طبع في لبنان في دار ماريوحنا.

 

هذه النهضة الثقافية أدت لنشوء الصحافة في لبنان وكانت كل العوامل والشروط المطلوبة لإنشاء جريدة وصحف كانت متوفرة في لبنان، أولها المطابع وثانيها الثقافة والتعليم وأخيرا المشاكل والصراعات، كل تلك الشروط كانت السبب في نشوء أول صحيفة في لبنان على يد "خليل الخوري" وكان عمره 22 عاماً في عام 1858، كان رجلاَ مثقفا وشاعرا وكانت جريدته خاصة غير رسمية، كان هدفها تجاري وأدبي، هنا يمكننا القول أن الفضل يعود للأفراد وليس للسلطة آنذاك في نشوء الصحافة.

هل كانت السلطة بعيدة عن الصحافة؟
شهد لبنان انفتاحا ثقافيا في عهد المتصرف "عبد العزيز" فكان التعليم عنصرا هاما وكان في ذلك الحين من يلمع نجمه في التعليم يتمنى العمل مع جريدة أو صحيفة

لا فكان التدخل الأول للسلطة في الصحافة عام 1860 من خلال توعية اللبنانيين ونشر الوعي الوطني والثقافي، في عام 1860 وبعد أول حرب طائفية في لبنان أنشأ "بطرس البستاني" جريدة "نفير سورية" كان هدفها نبذ الطائفية والفرقة وتوحيد الشعب ديموغرافيا بعد أن تسببت الحرب الطائفية بشرذمة الشعب وتشتيته كما الحال اليوم.

ماذا حصل في الصحافة بعد هذه الأحداث الدامية وكيف كان التأثير على الصحافة؟

بعد هذه الأحداث قررت الدولة العثمانية نقل المتصرفية إلى لبنان وكان أول متصرف في لبنان هو "داوود باشا" الذي أصدر أول جريدة رسمية كان اسمها "جريدة لبنان الرسمية"، استحضر لها طابعة خاصة وكان رئيسها "يوسف شلفون" كانت تنشر الإعلانات الرسمية والقوانين الرسمية وأوقفت الصحيفة على يد المتصرف الذي تلى "داوود باشا".

شهد لبنان انفتاحا ثقافيا في عهد المتصرف "عبد العزيز" فكان التعليم عنصرا هاما وكان في ذلك الحين من يلمع نجمه في التعليم يتمنى العمل مع جريدة أو صحيفة الذي زاد نسبة إنشائها في ذلك الحين. في عام 1876 صدرت جريدة المقتطف وهي مجلة علمية ثقافية وكان مؤسسيها "يعقوب مصروف" و"فارس نمر" كانت سببا في نشر الثقافة والوعي والعلم والاطلاع على المسائل الحديثة طبيا وفلكيا واكتشافات علمية فكان لها فضل بصياغة لغة علمية عربية، مستوردين العلم من الغرب وتعريبه ورحلت المجلة لمصر، كان مؤسسيها من نخبة العلماء وساهموا بتطوير المجتمع وصقله.

صحيفة "لسان الحال" اسسها "سليم سركيس" وفي نفس الوقت صدرت أكثر من 15 صحيفة وكان السبب في ذلك الحين الانفراج في الدولة العثمانية في عهد السلطان "عبد العزيز"، دام ذلك الانفراج لحد اعتلاء السلطان "عبد الحميد" العرش فكان ليبراليا. في عهد هذا السلطان شهد لبنان تقييدا لحريات الصحافة مع تشديد القبضة الأمنية واختراع مراقب للمواد الصحافية التي تنشر وكان هو الذي يوافق والذي يرفض نشر المواد وكان بعرف بالـ "المكتبجي".

وكان من ينشر من دون إذنه يتعرض لعقوبة اسمها "الفلق"، مع هذه الأجواء غادر الصحافيون والإعلاميون لبنان ورحلوا لمصر والعالم كله وتفجرت طاقاتهم الإعلامية في شتى أنحاء العالم حيث أنشأوا الجرائد في العالم، وأول جريدة أسستها لبنانية في الخارج اسمها "روز اليوسف" وكانت صاحبتها فاطمة اليوسف.

 

جريدة البيرق اللبنانية (الجزيرة)
جريدة البيرق اللبنانية (الجزيرة)

أسهم اللبنانيون في نشر الثقافي في كل العالم وأبرزهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وشهدت الصحافة الدينية في ذلك الحين تطورا في ظل القمع التي تعرضت له الصحافة الحرة حيث تم تأسيس نشرة الفنون الإسلامية كان ورائها صحافيا واحدا، والبشير التي كانت مسيحية ومدعومة خارجيا في عام 1908.

 

أعيد العمل بدستور مدحت باشا مما تسبب بعودة الكثير من الصحافيين إلى لبنان لأن الدستور يعطي الحرية للصحافيين، حينها صدرت صحف كثيرة وهنا كانت البداية.. صدرت امتيازات ورخص لأكثر من 50 صحيفة منهم جريدة "البيرق" وجريدة "الحمارة" الهزلية الفكاهية التي كانت تنتقد السلطة والحكام وتنفس عن الشعب، حينها بدأت تتطور الصحافة اللبنانية وتتألق مع بداية تأسيس أول جمعية لأصحاب الصحف التي تحولت لنقابة حاليا مع التغيرات التي باتت تلحق بالمجتمع اللبناني وتغير الطابع الديني لطابع ثقافي أعطى الصحافة منحى استقلالي مما وضعها في صدام مع السلطة.

 

الأمر الذي تتطور في حكم "جمال باشا"، الذي أعدم في يوم 6 أيار نخبة من المثقفين والعلماء وكان من بينهم 16 صحافي أعدمهم "جمال باشا" في ساحة الشهداء في بيروت وتعتبر تلك الحادثة أول حالة قمع دموية للصحافة في لبنان لنطوي بذلك حقبة تاريخية للصحافة اللبنانية مع ظهور تباشير لمرحلة جديدة غاب عنها الدور العثماني.