شعار قسم مدونات

ماذا سيقول ابن سلمان في القمة العربية المقبلة؟

اقترب للعرب حسابُهم، وحسابُهم يوم قمّتهم المرتقبة في الرياض، حيث لا اتفاق على أيّ من الملفات الساخنة ووسط تدهور خطير للعلاقات العربية العربية، وتجرؤ غير عادي من ابن سلمان على المبادئ والقيم والأعراف والتقاليد، فلا عبرة للدين والجيرة واللغة. فهذه الأمور الثلاثة لم تعد قاسما مشتركا بين العرب لأنهم في النهاية اتفقوا أن يختلفوا، واتفقوا أن يحارب أحدهم الآخر على مرأى ومسمع من العالم كله، تغيرت كثير من الأمور وتبدلت كثير من الأعراف وصار المال والمصالح هي التي تقود العرب نحو العالمية، عفوا نحو الهاوية.
 
كثر الحديث عن حروب جديدة ستقع في المنطقة، بعد المآسي والمصائب التي حلت بالعرب، وكأن وسواسا خنّاسا أصابهم فانتفضت قلوبهم وخرّبوا بيوتهم بأيديهم، فاعتبروا يا أيها العرب، لا شيء يجمعهم إلا التفاهات، ولا شيء يفرّقهم إلا المهمّات، عندما تتألم الأمّة يتشتّتون وعندما يزمجر عدوّهم يهابون وعلى إرضائه يتكالبون، زعمت الرياض أنها ستجمعهم على طاولة واحدة وهي التي تسببت في شرخ كبير للعلاقات بينهم حيث حربها على اليمن دليل على توجّعها وألمها الذي لا ينتهي، حسبتْ أن اليمنيين سيستسلمون للأمر الواقع ولكنهم لم يستسلموا، وأكثر من ست سنوات من الحرب المتواصلة والأمراض المنتشرة والبنية التحتية المدمرة والمؤسسات المدنية والحكومية المنهكة، بقي اليمني شامخا فماذا سيقول ابن سلمان في القمة العربية المرتقبة؟ خاصة أنه أعلن من واشنطن عن صفقة جديدة للأسلحة المتطورة جدا ومن لندن صفقة أخرى بمليارات الدولارات وشعبه يصرخ نريد أن نعيش، أين الماء والكهرباء؟
 

حماس لن تترك الأمر حتى بعد قطع المساعدات عن الأونروا، وبعد تجويع الشعب الفلسطيني ، بل ستستمر في نضالها رغم الآلام، وستبقى تدافع عن نفسها وشعبها في غزة الأبية
أما ما قام به مع لبنان، فأمرٌ يدعو للسخرية حيث احتجز رئيس وزرائه أياما معدودات، وهدّده كما هدّد أمراءه بأن يسلك سياسة النأي بالنفس ويعلن الحرب على حزب الله أو لا رئاسة للوزراء ولا يشم مرة أخرى رائحة لبنان، فاختار الحريري أن يعود بوجه آخر غير الوجه الذي سار به وأعلن أنه فخور بعلاقته بابن سلمان ليعود إليها وفي حضنها مرة أخرى وهذه المرة زائرا مرحّبا به، فاختلطت الأوراق في لبنان وصار مضطربا ولم تعد الوحدة الوطنية هي العنوان.
  
أما حزب الله فله حساب آخر، فبعد أن جعله في قائمة الإرهاب وضمّه لإيران فلم يعد هذا الحزب بالنسبة إلا مجموعة من قطّاع الطرق ينبغي القضاء عليهم أينما كانوا، لذلك كانت علاقته مع إسرائيل هي الضامن له من خطر حزب الله، فلم يستحِ ولن يستحيَ أن يقول إننا وإسرائيل لدينا علاقات قويّة وتاريخيّة حتى كدت أصدّق مقولة أن الوهّابية جزء من الحركة الصهيونية، وأن هناك علاقات دم تربط بينهما، فكيف يستقبل ابن سلمان ميشال عون الرئيس اللبناني في القمة القادمة؟ أما سوريا فالحديث يكاد يكون عنها معدوما، حيث لم تعد من أولوياته بعد أن دمّرها سلفه، وبعد أن أرسلت السعودية أموالا طائلة وأسلحة فتّاكة لمحاربيها دعما لما تسميه المعارضة، فصارت سوريا أرضا خصبة لتفريخ الإرهاب، وأضحت مكانا لالتقاء الأعداء وكلٌّ يغنّي على ليلاه، فكيف سيردّ الدّيْن لسوريا الجريحة؟
 
وتبقى فلسطين الدولة المأمولة والمغيّبة عن المشهد العربي والعالمي قضية على الهامش بعد أن قرّر الرئيس الأمريكي نقل سفارته إلى القدس، كنا نعتقد أن الشعوب العربية ستنتفض من أقصاها إلى أقصاها، غير أن الوضع بيّن أن العرب في سبات عميق، استخفّهم ترامب فأطاعوه، طلب نتنياهو من ابن سلمان أن يفتح مجاله الجوي ففتح له أجواء السعودية كلّها، وصارت السعودية مكشوفة لليهود يسهل مراقبة ما يجري فيها من مناسك ومشاهد وأحداث، بل إنه استدعى أبو عباس الذي لم يستطع أن يتحدث عن ابن سلمان إلى اليوم وما جرى في حديثه معه، هدّده هو الآخر بأن يقبل بما يمليه عليه اليهود أو يرحل، فاستشاط غضبا على السفير الأمريكي في تل أبيب ووصفه بابن الكلب، فكيف سيستعيد ابن سلمان قضية القدس وقضية فلسطين؟
   

سيمجّد بن سلمان ترمب وأن السعودية تفعل الصواب وتخرج من قمقمها وعباءتها القديمة إلى العالم الجديد، إلى عالم الانفتاح على إسرائيل
سيمجّد بن سلمان ترمب وأن السعودية تفعل الصواب وتخرج من قمقمها وعباءتها القديمة إلى العالم الجديد، إلى عالم الانفتاح على إسرائيل
  
وفي الوقت نفسه أمره بقطع العلاقة مع حماس وتدبير خطة لإبعادها عن القطاع بأي وسيلة من الوسائل، وجاءت قصة محاولة الاغتيال، وكاد الحمد الله يدفع ثمن هذه المقايضة بين بن سلمان وعباس، لولا لطف الله، ليهدد عباس بعدها حماس إما الاستسلام واستلام قطاع غزة أو تحمّل المسؤولية ومعنى ذلك أن حماس لن تسلّم القطاع إلا بضمانات، وعليها أن تستعد لحرب قادمة قد تكون مؤلمة جدا وتنهي وجودها في غزة.
 
لكن حماس لن تترك الأمر حتى بعد قطع المساعدات عن الأونروا، وبعد تجويع الشعب الفلسطيني، بل ستستمر في نضالها رغم الآلام، وستبقى تدافع عن نفسها وشعبها في غزة الأبية وستواجه الجيش الإسرائيلي كما واجهته في حروب ماضية، وستدخل المنطقة في دوامة حرب لا تنتهي ويدفن الشعب الفلسطيني المصالحة إلى الأبد، إذا لا تواصل بين حماس وفتح على طول الزمن، فكيف يعالج ابن سلمان ذلك في القمة العربية المقبلة؟
 
أما الملف الأقوى في القمة العربية فعلاقته بدولة قطر التي أقام عليها حصارا مجحفا، وأغلق المنفذ البري الوحيد لها، وتركها تموج في بحر من العواصف، فهل ستغفر له هي الأخرى أم أنها تختار المواجهة بالمثل، وهل سيبعث ابن سلمان برسالة دعوة لقطر للقمة العربية المقبلة في الرياض أم أنه سيتجاهلها؟ ليس له حق تجاهلها لأن قطر دولة عربية ومن حقها الحضور والإدلاء برأيها في القمة المرتقبة.
 
يا لها من قمّة! إنها على ابن سلمان عسيرة، وعلى جميع الرؤساء الآخرين غير يسيرة، غير أنه في اعتقادي أن ابن سلمان سيتحدث عن موضوع لا صلة بالعرب ولا بعلاقة العرب بعضهم ببعض، ولا بمآسي العرب، ولا بما يجري في اليمن ولا بما يجري في سوريا ولا بحصار قطر ولا بالتغيير في لبنان، ولا في غيره من البلدان، سيتحدث عن القدس عاصمة أبدية لحليفه الجديد إسرائيل، والاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقة معها وسيجبر العرب على ذلك، وربما عباس الذي قد يحضر أو يحضر أحد بديلا عنه بعد أن طردته أمريكا وأهملته، بل سيمجّد ترمب وعلاقته الشخصية به وأن السعودية تفعل الصواب وتخرج من قمقمها وعباءتها القديمة إلى العالم الجديد، إلى عالم الانفتاح على إسرائيل الدولة المنسية والممقوتة، يدافع عن حق لليهود في وقت بدا الدفاع عن حق العرب حراما ممنوعا، وسيهدد بقطع المساعدات عن كل من لم يفعل ذلك وربما هدده بحرب اقتصادية أو عسكرية لتحقيق ذلك.