شعار قسم مدونات

لماذا نرقص؟

قد تجدون أن السؤال الذي سأحاول الإجابة عنه في هذا المقال غريب، لكن لو تمحصناه بعين فلسفية بعيدا عن البساطة في التحليل، فسنجده سؤالا يستحق الوقوف عنده ومحاولة سبر أغوار تلك التموجات الغريبة التي نقوم بها عندما نسمع الموسيقى والتي نسميها الرقص فنجد نفسنا مكرهين على تحريك أجسادنا أو في أضعف الإيمان أطرافنا، هذا الخضوع للإيقاع الذي صار بديهيا ولا نعرف لا أصله ولا من أسسه، قديم قدم الإنسان، لكن بعد النبش في قلب البديهيات لا نجد سوى الفراغ، حركات بسيطة بالجسد لها سحر خاص علينا، فلماذا نرقص؟ وهل نرقص بمحض إرادتنا أم لا خيار لنا أمامه؟

ما إن تشتغل الموسيقى بإيقاع مغري حتى نحس برغبة دفينة داخلنا تنادي بالتفاعل مع الإيقاع، ربما الموسيقى جزئ من كينونتنا لكنها تعيش خارجا فنحن مصدر الفن وهو ما يميزنا كبشر وعند الاستماع إليها تسحرنا، كحمل صغير ينادي أمه وسط القطيع فنتجاوب معها بالتموج على أنغامها باسطين أيدينا للفرح مقتحمين عالما يحضر فيه الجسد أكثر من العقل، عالما ينادي بالسعادة وفهم الجسد أكثر ومع كل تمايل تنبثق مشاعر الفرح حتى لو كنا غارقين في ظلمات الحزن، كأن الموسيقى تدعوك لعشاء متميز بعد صيامك دهرا وتقطع علاقتك مع الزمن مؤقتا؛ كثقب أسود لا زمان فيه ولا مشاعر سوى الفرح.

الرقص لا يشمل حالات الفرح فقط بل يمتد كترياق للحزن وللنسيان فنرقص بالفرح.. ونرقص عندما نشعر بالاكتئاب ولنفرغ الأفكار السيئة

نرقص حين تنتابنا الفرحة فتتفتح أيادينا وتتحرر مشاعرنا فنمتلك محيطنا ونسبح فيه بكل حرية، نرقص كرد فعل تلقائي لطرد الحزن والألم قبل أن تستوطن جسدنا، نرقص لنقول أننا هنا ولسنا جزئا من النظام المتكرر ونواجه جنون العالم بجنون أكثر منه، نرقص تكسيرا للروتينيات التي غرقنا فيها.

نرقص منذ طفولتنا، قبل أن نتعرف على الفن وحتى قبل القدرة على الأكل دون مساعدة وقبل نطق كلماتنا الأولى فالأطفال يرقصون غريزيا دون أن يتلقوا درسا في الرقص ويعبرون عن فرحهم به، الرقص ظهر مع ظهور البشر فرقصوا منذ قدم التاريخ بعد اكتشافهم مدى السعادة التي تسكنهم حين يتمايلون بجسدهم، بل أن الرقص يمتد حتى للحيوانات، راقبوا الطيور في السماء ستجدونها تشكل فرقا راقصة تتموج وترقص.

مهما قاومت الرقص إلا وستجد نفسك مستسلما بعد حين ولو قاومته بذهنك فستجد أصابعك تتمايل لوحدها، أما لو كنت في مزاج لائق فلن يوقفك شيء عن الرقص والتمايل بجسدك، وفي حالات النجاحات الشخصية كم منا يشغّل الموسيقى ويرقص فرحا، كأن الرقص تعبير لسعادة أكبر من أن تحتويها ابتسامة، لكن الرقص لا يشمل حالات الفرح فقط بل يمتد كترياق للحزن وللنسيان فنرقص بالفرح لنقول "لقد اكتملت فرحتنا بالرقص".. ونرقص عندما نشعر بالاكتئاب ولنفرغ الأفكار السيئة فنصرخ، نرقص ونطلق العنان لأنفسنا هاربين مؤقتا من الهموم والذكريات إلى حين انتهاء المقطع الموسيقي.

إن حاولنا الاتفاق على غاية الرقص فلربما سنجد أنه وسيلة  تعبير عن فرح كبير، ومساعد فعال للهروب من شبح الهم، وهنا يكمن سحره
إن حاولنا الاتفاق على غاية الرقص فلربما سنجد أنه وسيلة  تعبير عن فرح كبير، ومساعد فعال للهروب من شبح الهم، وهنا يكمن سحره
 

في المغرب توجد ظاهرة غريبة تسمى ب"الجدبة" وهي حالة من الرقص الهستيري تُدخل صاحبها في رقص إيقاعي حاد لا يخرج منه إلا وهو مغمي عليه، وهاته الظاهرة مرتبطة بموسيقى "كناوة" ويفسرها الموروث الشعبي المغربي بأن السبب في هذه الهستيرية الراقصة هي تلبّس الشخص بجني حينما يسمع موسيقى كناوة يخرج ويرقص بجسد صاحبه، لكن تُفسر هذه الظاهرة من الجانب العقلاني على أنها نتيجة تراكمات أزمات نفسية ومكبوتات تُفجر بعد الاستماع لموسيقى "كناوة" ،والنقطة المشتركة بين جميع من دخلوا هاته الحالة الهستيرية أنهم لا يعون بما يفعلون ويحسون براحة نفسية بعد الانتهاء من رقصهم، لربما الرقص في هاته الحالة نتيجة حتمية لتراكم الأحزان لا يُستشار صاحبه فيه حتى يجد نفسه وسط ساحة الرقص منتفضا دون وعيه عن كل أثقاله وآلامه.

وإن حاولنا الاتفاق على غاية الرقص فلربما سنجد أنه وسيلة  تعبير عن فرح كبير، ومساعد فعال للهروب من شبح الهم، وهنا يكمن سحره، فكيف لشيء أن يجمع بين  إحساسين متناقضين، ينشط المهمومين وفي نفس الوقت يكرس به السعداء سعادتهم بل ويمتد الرقص حتى للجانب الديني فهناك رقصات خاصة للعبادة في عدة أديان ومعتقدات، حتى في الإسلام فالمولوي في الصوفية ينطلق ويتسامى بروحه لعبادة  الله بدورانه حول نفسه وغيرها من حالات للرقص في أديان أخرى، إن الرقص حماية الذات لنفسها من الغرق في نظام الحياة المتكرر وتعبير عن الانعتاق.