الإرث المغربي.. دعوات لمناصفة الإرث بين الرجل والمرأة!

مدونات - الميراث في المغرب

يدور في المجتمع المغربي اليوم حديث ساخن حول مسالة المناصفة في الإرث بين الرجل والمرأة أو بتعبير أدق بين أبناء المتوفى ذكورا وإناثا، ودعوى المناصفة تقوم على أساس أن المجتمع تغير وغاب المقصد والمبرر الذي كان بسببه الرجل يأخذ ضعف الأنثى في حالة التعصيب، وهذا المقصد يمثل في كون المرأة بنتا أو زوجة أو أما أضحت تشارك في النفقة وتتحمل هي الأخرى أعباء الحياة المالية..

 
وقبل أن نفصل الكلام ففي هذه الدعوى لابد أن نفهم الأسس التي تقوم عليها فلسفة الإرث في الإسلام، وهل هناك إمكانية التجديد في تنزيل نصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة. تقوم فلسفة الإرث في الإسلام على ثلاث أمور رئيسية:
أولها: درجة القرابة بين الهالك وورثته، فكلما اقتربت الصلة، زاد النصيب في الميراث، وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب في الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين.
وثانيها: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال. فالأجيال التي تستقبل الحياة، وتستعد لتحمل أعبائها، عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة. وتتخفف من أعبائها.
وثالثها: العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين، وهذا هو المعيار الوحيد الذى يثمر تفاوتاً بين الذكر والأنثى..

  

جاءت نصوص القرآن لتكون مجتمعا معينا لا لتتماشى معه أو تسايره بعيوبه أو تداهن ما فيه من فساد، بل جاءت لتغير الواقع أو تصادق عليه إن كان يتماشى مع النسق الإلهي في التشريع والرؤية

هذا المعيار هو سبب النقاش وحوله يدور الجدل، وهو نقاش معقول، لأن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان تستند على تجدد الفهم لنصوص الوحي وتغير تنزيلها بتغير المقاصد الذي جاءت من أجلها دون إلغاء للنص أو تعطيله، لكن الجهة التي تطرح هذا الموضوع اليوم هي التي غير مقبول منها الطرح، فهي جهة انتقائية تهدف إلى هدم الدين الإسلامي لا إلى إحلال العدالة الاجتماعية، حيث لو كان مقصدها العدالة الاجتماعية والسياسية لناقشت القضايا الكبرى: الحرية – العدالة – الكرامة – المساواة.. لكنها جهة مدفوعة لإثارة النعرات وتهييج المجتمع وإشعال فتيل حريق يغطي به النظام عن الحريق الأكبر وهو حريق الكرامة والحرية وطغيان الاستبداد والظلم..

  

إن أسوأ ما يواجه المغربي هو عدم وجود اتفاق بين مسيري الوطن ومفكريه وعلمائه على شكل المجتمع الذي يريدونه، فالنصوص المؤطرة لهذا الأمر نصوص فضفاضة ترضي جميع الأطراف وترسم مجتمعا ذا شكل فوضوي لا أساس له ولا قيم منضبطة تحكمه..، فهي تجعل المواثيق الدولية في نفس الدرجة مع التشريعات الإسلامية، والكل يعرف التناقض الموجود بين المواثيق الدولية والتشريعات الإسلامية، وفي مواضيع حساسة كالشذوذ والمناصفة في الإرث.. إن للمجتمع المسلم صفات لا يمكن الخروج عنها أو تحايل عليها، وأول وأهم هذه الصفات أخذ الدين كلا لا جزءا، فلا توجد انتقائية في الإسلام، فالإسلام منظومة متكاملة إذا غابت لبنة منها سرعان ما سيتداعى باقي البنيان وإن حافظ على تباته مدة من الزمن..

 

إن هذا اللعب اليوم وهذه الانتقائية، لم يعد ممكنا المواصلة فيها، فقد وصل الأمر إلى النهاية ولم يعد في الإمكان حسر الناس بين خيارين أحلاهما مر خيار الرضى بالظلم والاستبداد أو خيار زوال الدين بزوال النظام الحاكم، الذي يلعب على الوترين، وتر المتدينين ووتر العلمانيين ويظل ممسكا بخيوط لعبة العرائس التي يتقنها.. إن الأمر لا يتطلب تجديدا في تنزيل نصوص الإرث إنما يتطلب تغيير المجتمع إلى أحد الحاليين: مجتمع علماني تحكمه القوانين والمواثيق الدولية أو مجتمع مسلم تحكمه نصوص الوحي والإذعان لشريعة رب العالمين، وعندما تكون الصورة واضحة فالاجتهاد سيكون حسب الخيارات المجتمعية الكبرى الذي صادق عليها المجتمع.

 

وهنا تلفظ الخيل أنفاسها وتلوي النوق أعناقها وتوقف الرواحل سيرها لأن هذا المطلب، مطلب التغيير الشامل، مطلب تحديد أي نوع من المجتمعات نحن، مطلب تحديد الوجهة التي نسر نحوها وإليها.. لا يمكن لثلة الفساد والإفساد أن تسمح بأن يبرز نقاش من هذا المستوى فضلا أن يصل تغيير لهذا المستوى، فنصف تغيير هو إدراك جذر الخلل وأساسه وضده هو الانغماس ففي معاجلة البذور الفاسدة..

 

لا يمكن انسياق وراء هذه الدعوات لأنها لا تعالج المشكل بل تزيده، وتحول مشروع الأسرة من مشروع مودة ورحمة إلى شركة تجارية
لا يمكن انسياق وراء هذه الدعوات لأنها لا تعالج المشكل بل تزيده، وتحول مشروع الأسرة من مشروع مودة ورحمة إلى شركة تجارية
  

جاءت نصوص القرآن لتكون مجتمعا معينا لا لتتماشى معه أو تسايره بعيوبه أو تداهن ما فيه من فساد، بل جاءت لتغير الواقع أو تصادق عليه إن كان يتماشى مع النسق الإلهي في التشريع والرؤية. عموما لا يمكن إنكار أو تجاهل أن النصوص الدينية تحتاج تجديدا في الفهم، وإن عقولنا هي التي تحتاج إعادة تحريك لأنها تقادمت وركدت ولم تعتد تنتج شيئا بل ضحت منذ عصور غابرة تجتر ما أنتجه العقل المسلم لزمان ومكان خاصين.

 
وعودة بنا إلى موضوع الإرث، لا يمكن انسياق وراء هذه الدعوات لأنها لا تعالج المشكل بل تزيده، وتحول مشروع الأسرة من مشروع مودة ورحمة إلى شركة تجارية تقوم على المناصفة في كل شيء، وهذه هي الضربة القاضية للأسرة المغربية، لذا فالواجب هو تغيير السعي لتغيير المجتمع بدل السعي لإلغاء نصوص الوحي. النموذج الذي يقدمه الإسلام للأسرة والمجتمع نموذج راقي، يراعي كافة الجوانب المعنوية والمادية لحياة ملأها المودة والرحمة والعدل..

 

وخلاصة القول يكفي عبثا، يكفي خلق مشاكل لإشغال الناس عن مشاكل أكبر وأهم، يكفي تضييعا لحقوق هذا الشعب.. نريد مساواة في تقسيم خيرات الوطن، لا مناصفة في تقسيم بضع ريالات، نريد مساواة أمام القانون وفي الإدارات وفي التعليم والصحة..