شعار قسم مدونات

أقر أنا المقهور أعلاه

شبح يطاردني، يلازمني حيناً، ويفارقني آخر، في حلي وترحالي، افتقده في الظلام الحالك، والفجر الساطع، يذكرني حتى يكاد يتفجر رأسي من أنين الظلم، وعلو الباطل، وخفوق الحق، وتسلط الخبثاء. تزداد وتيرة هذا القهر، وهجومه في ساعة الصفر، وقت الاستسلام لإرادة القاهر، من أشباه البشر على المقهورين الأحرار، تلك الظلمة التامة في الحياة، وقتها تتعلق النفس الفاعلة في الروح الهائمة، وتقيدها بقيد الجسد المنهك، تحت التعذيب في سلخانات أمن الدولة المصرية، ومراكز التعذيب الممنهج.

هناك، فيما وراء الشمس وبين دفتي الفساد وأجهزته القمعية، ومؤسساته البوليسية، التي لم يعد لها همم غير وأد المعارضين وهزيمتهم المعنوية. في هذه الظلمة الحالكة، يصبح فيها الخلاص من ألم الجسد، وصراخ النفس يفوق قوة الروح، ولحظات الانهيار السوداء سبيلا للنجاة والأنسان منعدم الإرادة مكسور الجناح متحكم فيه كالدمية.

وتسري إرادة القاهر على المقهور، فيستجلب عليه روح الذل، وقيد الخنوع؛ لينطق بكل شيء، ويبوح بأي شيء، ساعتها يعرف الضابطُ المستجوب ورفيقاه المجرمان في حفلات التعذيب. الرفيق الأول طبيب بشري، يخون إنسانيته؛ ليحافظ على سلامة البدن لأطول فتره ممكنه تحت التعذيب، أما الثاني طبيب نفسي يدوس كرامته ليدل على مواطن الضعف في الضحية، عساهم يصلون لمرادهم: نقطة البوح ولحظة السقوط والاعتراف.

بعدها تراجع الضحية ثلاث مرات: الأولى لتأكيد الاعترافات المنتزعة مع الجلود والأظافر، والثانية لتدقيق كل كلمة تحت سوط الجلادين، والثالثة لتثبيت هذا القهر في الدفاتر والأذهان، إنه منهج إبليس النظام المصري الحصري. ويكتب في أسفل الصفحة: أقر أنا المقهور أعلاه، أن ما صدر مني بمحض إرادتي المقهورة سلفاً، وبكامل حريتي المنزوعة جبراً، وخطته يمين جسدي المنهار. وفي كثير من الأحايين لا يتحمل الجسد هذا التعذيب، ولا النفس ذلك القهر، فتصعد الروح إلى بارئها تشكو ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وقد فاضت عليها الرحمات بخروجها وخلاصها لرب السماوات.

عندما يسطوا القهر وسلطته كما يقول بن خلدون: يضيق على النفس في انبساطها، ويذهب بنشاطها ويدعوها إلى الكسل، ويحملها على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه

أيها الجسد أنت بناء الرب لعن الرب من هدم بناؤه، أيتها النفس اطمئني، فخلاصك ليس في قهرك وإذلالك، أيتها الروح اطمئني، فسوف تصعدين إلي روح وريحان، ورب عليك غير غضبان، سكنت في جسد يديره قلب نابض، وعقل واعٍ، سعيا بكل إخلاص للإصلاح والتغيير، لتحرير الناس من عبودية السلطة المستبدة، لعبودية الله الذي خلقنا أحرار، ولم يخلقنا تراثاً أو عقاراً.

ويتنوع القهر النفسي، بين قهر مباشر للخصوم النشطاء في مقاومة فساد الدولة العسكرية المصرية، وبين قهر عام عن طريق وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة لعامة الشعب. فيكفي أن ترى بعينيك القبض على مسؤولين كبار من مديرين ومحافظين ورؤساء قطاعات مختلفة، بتهمة الرشوة والفساد بالمليارات، ثم تفاجأ بعد حين بحصولهم على منصب أرفع مما كانوا عليه فتدور عجلة القهر العام، لترسخ في نفسك أنه لا سبيل للإصلاح ومن أراد الوصول فعليه ركوب الأمواج.

ومن دروبه الطبقية الحاكمة لمصر، كسلم هرمي نفعي، فثلاثون أسرة كما عدهم أحد الباحثين يتفردون بثروات مصر نهباً واستحوذاً، وباقي الأسر يزداد نصيبها بقربها وولائها. مما يجعل من المستحيل الوصول إلى سلم المناصب على أبناء الشعب الفقير، حتى لو كانوا من أذكى الأذكياء، فهؤلاء يتعلمون في مدارس أجنبية، لا يسمح لعامة الشعب بالالتحاق بها، ويعالجون في مشافي دولية، ويحصلون على نصيب الطبقة المسيطرة من المدراء في البنوك والبورصة والقطاعات الكبرى. ويزداد أبناء الشعب قهراً فوق قهر، وذلاً بعد ذل، للحصول على فرصة علاج أو وظيفة. أما أجهزة الإعلام فحدث ولا حرج، تجعل الملاك شيطاناً والحليم حيراناً، وتصنع من العلقم شراب السكر، فتزداد قائمة القهر والذل، فلا يكتب ويشتهر بالتعبير إلا عربيد عميل. فيقهر الشعب بصوت اللسان، وتوأد الآمال بالبيان، وتصنع من صورة النظام شمشون الجبار، الذي لا يهاب الخصوم، ولا تحفه الحتوم.

وما أدراك ما أثر هذا القهر فعندما يسطوا القهر وسلطته كما يقول بن خلدون: يضيق على النفس في انبساطها، ويذهب بنشاطها ويدعوها إلى الكسل، ويحملها على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه. بالرغم من علمه بالمكر والخديعة، وتصير هذه عادة وخلقاً، وتفسد معاني الإنسانية من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه، أو منزله وتصير عيالاً على غيره في ذلك، بل وتكسل النفس عن اكتساب الفضائل، والخلق الجميل، فتنقبض عن غايتها ومدى إنسانيتها، وترتكس وتعود في أسفل السافلين. وهكذا يقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف. أ هـ 

وما أن يثور الشعب ويطالب بالحرية والعدل والمساواة، إلا التفت عليه أفاعي النظام لتخنقه وتقهره وتعيد الأمر أسوأ مما كان وتبدل زمن القهر الناعم بالقوة الغاشمة. ويقف العقل في نور البصيرة الذي تختفي عنده حد القهر، وقوة إيمان تتلاشى عندها أوهام سلطة الباطل، ويزداد الثائر الحر ثباتاً ويقيناً أمام سلخانات الأجهزة القمعية فيختفي ظلها ويستبين زيفها، وتأبى النفوس الحرة أن تبيع أو تهادن من بغو على حرماتها.

سلام على الصامدين في سلخانات التعذيب بمصر، سلام على الصابرين في سجونها، سلام على الأحرار الصادعين بالحق في وجه فراعينها
سلام على الصامدين في سلخانات التعذيب بمصر، سلام على الصابرين في سجونها، سلام على الأحرار الصادعين بالحق في وجه فراعينها
 

فلا يبقى للسلطة غير القهر المباشر في ظلمات السجون الجديدة والقديمة، حيث يقبع الأحرار الذين تجاوز عددهم الستين ألفا والحرائر الآتي تجاوزن الثلاثمائة. ليثبت النظام المصري الفاشي ساعة الحقيقة، عند حد المنع من حياة الأحرار في ظل مجتمع العبيد المستكين. تحت آلة القمع والتعذيب المشمول بمنع الطعام والعلاج والتواصل، وحتى عن النوم في بعض الأحيان لقتلهم ووائد نبتة الحرية. في خضم هذه المعركة يساق الآلاف، ليعلقوا ويشنقوا ويقطعوا وينالوا صنوفاً متنوعة من أساليب التعذيب بالكهرباء، والضرب والكي بل والاغتصاب.

فتصبح نفوسهم بين ظلمة الإقرار بالقهر، ونور الثبات على الحق، وتشوه النفوس حتى بعد نجاتها، لتطاردها كوابيس التعذيب، وأصوات المعذبين، وضيق الصدور من الاحتجاز في أماكن أقرب للقبور. وفي الضفة الأخرى يهرب الأحرار خائفين، يترقبون كما خرج موسى لينجو من فرعون، ويهاجرون يسعون في مناكب الأرض، عسى أن يصل صريخهم يوماً فيوقظ ثُبات النائمين، ويحي موات المستكينين، فينبت غراس يختصه الله لها، يحرر مصر من ذل الكسر والأسر والقهر.

لكنهم يكتبون نفس الإقرار: أقر أنا المقهور أعلاه أني خرجت من سجن مصر وذلها، طالباً السلامة لديني ونفسي وعقلي ومالي وعرضي، عسى أن يعود جيلاً بعد تيه، فيفتح البلاد، ويخلصها من ظلم الجلاد. ويبقى في النفس قهر البعد، وهجر وغربة وكُربة ألم التعذيب والسجن وسأمه وخيالاته، التي تتوالى فتستحوذ على الذكريات، تنادي كل حر وتحذر كل غر، ما دامت الأوطان للقاهرين وما قامت البلدان على طبقية الفاسدين وما خلدت الذكرى بالطيب إلا للمحسنين.

فسلام على الصامدين في سلخانات التعذيب بمصر، سلام على الصابرين في سجونها، سلام على الأحرار الصادعين بالحق في وجه فراعينها، سلام على المهاجرين بدينهم من ذل سلطاتها، سلام على شباب نبت بالخير وسط مستنقعات مغرياتها، سلام على الشهداء في الأولين والآخرين، وسلام على الثابتين على العهد إلى يوم الدين، سلام على القلوب النابضة باليقين، والعقول الواعية بخداع المسلطين، والنفوس المطمئنة إلى النصر المبين، والأرواح المشرئبة إلى الجنان في الخالدين.
سلام أقر به أنا المقهور أعلاه..