شعار قسم مدونات

واقع الجزائر.. هل تقع المسؤولية على السلطة فقط؟

يعتقد معظم الجزائريين أن جلّ المشاكل التي يعرفها بلدهم سببها الرئيسي النظام الحاكم أو السلطة ممثلةً في شخص رئيس الجمهورية، الوزراء، نواب البرلمان، المنتخبين المحليين بالإضافة إلى كبار ضبّاط المؤسسة العسكرية، وأن الحلول لن تتجسد إلا برحيل كل هؤلاء لتحل محلهم مجموعة أخرى من الأشخاص لعلّها تكون أكثر كفاءة وصلاحا من سابقتها فتعمل على تحقيق طموحات كل الجزائريين وتخلصهم من كل الكوابيس التي لطالما أرهقت كواهلهم ونغّصت عليهم حياتهم، ونسي أو تناسى الجزائريون بأنهم يتحملون الجزء الأكبر وبنسبة كبيرة من المسؤولية على ما آلت إليه أوضاع البلاد الاقتصادية، الاجتماعية، الأخلاقية وفي شتى المجالات الأخرى من انهيار ونزول إلى الحضيض.

 

فعلى سبيل المثال، نجد أن جل الناس تشتكي من سوء الأوضاع المعيشية من غلاء في الأسعار، قلة فرص العمل، أزمة السكن وغيرها، لكن لا أحد تقريبا تحدث عن ضرورة القيام بالواجبات قبل المطالبة بالحقوق، فالإنسان الجزائري بصفة عامة تهاوت قيمة العمل لديه وأصبح لا يفكر إلا في طرق الكسب السريع من دون كد وجد ولو تطلب منه الأمر استخدام كل السبل المباحة والممنوعة، كما أنّ العمال في مختلف القطاعات أصبحوا لا يتوانون في القيام بالإضرابات من أجل المطالبة بحقهم من الريع رغم عدم قيامهم بواجباتهم على أتم وجه سواء في المدارس، الجامعات، المؤسسات الصحية وبقية المؤسسات الأخرى، وهنا نستثني القليل منهم من لا يزالون يؤدّون ما عليهم من واجبات.

 

تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة انهيارا أخلاقيا غير مسبوق وفي العديد من المستويات، في المدارس، في أماكن العمل، في الشوارع وغيرها وهذا يعود إلى تهاوي سلم القيم لدى المجتمع الجزائري

أمر آخر يجب الحديث عنه في هذا السياق وهو نفور فئة الشباب من الجزائريين من القيام ببعض الأعمال كالفلاحة والبناء وتفضيلهم لمهن أخرى غير منتجة ولا يمكن لها أن ترتقيَ بالاقتصاد الوطني، هذا الأمر جعل قطاع الفلاحة يعاني من نقص معتبر في اليد العاملة مما ولّد قلة في الإنتاج وأدى بالعديد من أصحاب الأراضي الفلاحية إلى بيعها لتُقامَ عليها في أغلب الأحيان مشاريع سكنية، نتحدث هنا عن قطاع استراتيجي كان مزدهرا بالجزائر في العقود الماضية قبل أن يتراجع في السنوات الأخيرة ويؤديَ بالدولة إلى استيراد غذاء شعبها من الخارج بملايين الدولارات سنويا كما جعلها ثاني بلد مستورد للقمح في العالم رغم مساحتها الشاسعة ومناخها الملائم.

 

نضيف أيضا أن الدولة أصبحت تفتح الباب للأجانب من أجل العمل في العديد من الميادين وأخص بالذكر قطاع البناء، حيث أصبحت الشركات الأجنبية تتولى مهمة إنجاز مختلف المشاريع من سكنات، جسور، طرقات وغيرها، وتعتمد على يد عاملة أجنبية مع تشغيلها لعدد قليل من الجزائريين وهذا بسبب نقص تأهيلهم في البناء من جهة، ورفض الكثير منهم العمل في الورشات من جهة أخرى. قطاع اقتصادي آخر يعاني الركود في الجزائر، وهو الصناعة، حيث لا توجد تقريبا مصانع كبرى في بلدنا ويفضل معظم المستثمرين استيراد مختلف حاجيات الجزائريين من أغذية، ألبسة، أدوية وكل ما هو ضروري وحتى كمالي للحياة، وهذا حتى يتسنى لهم تحقيق أرباح مالية معتبرة وفي فترة وجيزة إضافة إلى إمكانية تحويل أموالهم إلى الخارج، في مقابل كل هذا يتهافت العديد من الجزائريين وخاصة الشباب منهم على العمل كأعوان حراسة أو سائقين وهي كما ذكرنا سابقا مهن لا تتطلب بذل مجهودات كبيرة كما أنها لا تخلق ثروة، كل هاته الأمور جعلت الجزائر بلدا ريعيا لا يصدر سوى المحروقات ويستورد كل ما يحتاج إليه شعبه كما أنها جعلت اقتصادنا رهينة سعر برميل النفط الذي يعرف انخفاضا مستمرا منذ سنوات.

  
تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة انهيارا أخلاقيا غير مسبوق وفي العديد من المستويات، في المدارس، في أماكن العمل، في الشوارع وغيرها وهذا يعود إلى تهاوي سلم القيم لدى المجتمع الجزائري الذي طغت عليه النزعة المادية إلى حد أصبح الفرد الجزائري يسعى نحو تحقيق مصالحه الشخصية بأي طريقة كانت، وأصبح الفساد شعارا لكل من يريد الإثراء، فلكي تحقّقَ ثروة في الجزائر أو "تنجح" عليك أن تكون مرتشيا، لصا، مراوغا محترفا أو بالتعبير الجزائري "قافز"، ولم تعد النزاهة، الجد، التعب والتفاني في العمل أمورا مطلوبة من أجل النجاح في الجزائر بل صار كل من يتصف بواحدة من هاته الصفات أحمقا أو "جايح" في نظر عامة الناس عندنا، وهو ما يعبّر مرة أخرى عن تهاوي قيمة العمل عند العديد من الجزائريين. أمر آخر لا بد أن نشير إليه وهو المحاباة والمحسوبية أو بالتعبير الشعبي الجزائري "المعريفة"، إذ أصبح كل من يريد قضاء مصلحة معينة يجب عليه أن يتعرف على شخص يُمكّنه من الوصول إلى تحقيق مبتغاه.

 

فطالب العمل مثلا يجب عليه أن يطلب وساطة من أحد أقاربه أو أصدقائه والذي يشتغل بدوره لدى مدير مؤسسة معينة أو لديه علاقة صداقة معه، فتَوفُّر هذا الأمر لدى طالب العمل يمكنه من الظفر بالمنصب بغض النظر عن كفاءته وتأهيله، هذه الآفة -"المعريفة"- فرضت نفسها بقوة وتفشّت وسط الجزائريين إلى درجة أن بعض التجار أصبحوا يمتنعون عن بيع بعض السلع كالحليب إلا لمعارفهم وأصدقائهم كما أن المرضى في المستشفيات أضحوا لا يتلقون العلاج والرعاية اللازمين إلا إذا كانت لهم علاقات صداقة مع الأطباء أو الممرضين أو بعد تدخل وسيط من أجل تمكينهم من تحقيق غايتهم..