شعار قسم مدونات

عن تآلف الأرواح.. هل تُرانا نلتقي

مدونات - أهل الشهيد
"‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ.. قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي"
الإعجازُ الإلهي والسرُ الكوني المودع في أروقة عقولنا، والمخبأ في دهاليز قلوبنا، ما يجعل الحياة تدبُ بِنَا وتسري في عروقنا، ما يُشكِّل غاية المعجزة وحقيقة العظمة الكائنة بين أضلع الإنسان ونسيجه ومكوناته، هي الروح، التي تسبح في أعماق الإنسان ودواخله المظلمة، فتبني من هيكلٍ ولحم ودم، عاطفةً وحساً وشعور، لتكوِّن المشاعر الإنسانية على تباينها واختلافها وتعدُّد منازلها ودرجاتها عند كلّ امرئٍ منا، حيث تُشعل الروح بصيص النور في العقل تاركةً إياه يتأوه، ويتقلب ما بين المنطق والوضوح، وأمر الروح الذي لا مرد له، فالقلب الذي يملك زمام الأمور، ويشكل رأس الأمر في الحكم على ماهية الشعور لا يملك إلا أن يركع صاغراً أمام الروح إذا تلاقت وتآلفت فأودعت الألفة والمودة في سائر الجسد.
 

إنها كيمياء القلوب التي يحدثنا عنها الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم، فيقول "الأرواح جنودٌ مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف" فتعارفُها أمرٌ جعلها الله عليه، ولُقياها قدرُ الله لها في هذه الفانية، واجتماعها حكمُ الله فيها ، وقد قال الخطابي في تفسير حديث الحبيب عليه أفضل الصلاة والتسليم "تآلفها هوما خلقها الله عليه من السعادة في المبتدأ، وكانت الأرواح قسمين متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت، بحسب ما خلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى الأشرار"، حيث أن القلب يتقلب والعقل يتفكر ولكن الروح تدرك الحقيقة فتميل الميل كله، أو تنفر وتبتعد البعد كله..
   

الروح لن تبلغ هذا الرقي والسمو إلا إن كابدت هوى النفس، فالجسدُ هو الضد الذي تؤكد الروح وجودها بردعه وقمعه وكبحه والتسلق عليه، وبهذا يتباين الناس بين مسرف ومقتصد

فهي انسجام الظاهر والباطن في وحدة مُتناسقة متناغمة، وكمالُ التصالح الداخلي للإنسان مع نفسه، وصفوة الشعور الذي يحيكه الفؤاد بأنامل السمو الروحي، ويصبغه بألوان التقاء جوهر المرء مع نفسه، ورؤية كينونة ذاته، وحقيقة مراده في شخص غيره، حيث يستوي مفهوم (الأنا) و(الأنت)، لتتكامل مفاهيم التضحية والإيثار، وتتكافل الأحلام والآمال، وتتماسك المبادئ والأفكار، وتتعاضد الآلام والأحزان، وتتماهى الجروح في انعقاد الروح بالروح، فينبت من جنبات هذه الوحدة المتآلفة رابطةٌ وثيقة، وعهد سرمدي أصله ثابت وفرعه في السماء، يُمطرُ القلوب بغيثِ السكينة والاطمئنان جاعِلاً من ألحان الصدق المتواترة عن الشاعرة (أمينة قطب) سُقيا للأفئدة ورَيَّا خيرٍ للألباب، فبعد استشهاد زوجها المناضل (كمال السنانيري ) خطّت بماء روحها وعبير فؤادها أصالة العهد بين الروح ونيفها، فكانت رائعتها التي تقول في مطلعها:

هل ترانا نلتقـي أم أنهـا
كانت الُّلقيا على أرض السراب!؟

  

الوفاء والثبات والإخلاص الذي جعل مرارة الظلم وعلقمة القهر وفداحة المصاب، استكمالاً لدرب الإيمان بأن الله يدافع عن الذين آمنوا، ويجبر القلوب، ويدفع الأحزان، ويؤلف بين الأرواح فتكون اللقيا من حياة الفناء إلى دار البقاء، ولكن الروح لن تبلغ هذا الرقي والسمو إلا إن كابدت هوى النفس، فالجسدُ هو الضد الذي تؤكد الروح وجودها بردعه وقمعه وكبحه والتسلق عليه، وبهذا يتباين الناس بين مسرف ومقتصد، وبقمع هوى النفس والتغلب عليها تستردُ الروح هويتها كأميرة حاكمة وتعبر عن وجودها، وتثبت نفسها، وتستخلص ذاتها من قبضة الطين، لتبقى مُحلقةً بسماء النقاء فهي السر الذي لا يعلم كنهه إلا الله "قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي".. مُردِدةً أنشودة الكفاح والثبات، والنضال والإخلاص "هل ترانا نلتقي؟".

 
الأرواحُ على صفاء نواياها تلتقي..