شعار قسم مدونات

علام تنتخبون؟

في مصر انتخابات هذلية، الحاكم فيها هو المرشح والفائز والحَكم، فضلا عن أن يكون له أي مشروع أو خطاب.. بل كل ما وسعه فيلم تسويقي دعائي كان فيه أيضا الممثل والكاتب والمخرج.. وفي لبنان، ستجرى الانتخابات النيابية في 6 أيار/مايو القادم، بعد تأجيل استحقاق الانتخابات النيابية ثلاثا، ومرور 9 سنوات على آخر انتخابات نيابية حيث مدد فيها مجلس النواب لنفسه. تارة لضرورات أمنية بسبب دخول حزب الله إلى سوريا وما استجلبه من ترددات أمنية في الداخل اللبناني، وتارة، بسبب المطالبة بتعديل قانون 1960 الانتخابي القائم على مبدأ الأكثرية.

فكان قانون النسبية الذي طالبت به الكتل السياسية المسيحية تحديدا لكونه "أكثر عدالة وصحة للتمثيل المسيحي" برأيهم. فمثلا إذا نالت أي قائمة في دائرة ما 30 في المئة من الأصوات فإنها تحظى بـ 30 في المئة من مقاعد الدائرة الانتخابية، على خلاف النظام الأكثري الذي يتوقف نجاح مرشح فيه على تقدمه في النسب الأولى دون اعتبار لمسألة القوائم والحاصل الانتخابي لكل قائمة، أي أنه كان يسمح لتيار من غير طائفة ما قدرة على فرض مرشح من قبله عن مقعد الطائفة الأخرى في المناطق التي يهيمن عليها انتخابيا.

لا نعرف ما يدور ببال سعد الحريري أو يخطط له سوى حسن نية الناس فيه، وهذا لا وزن له إن لم يكن هناك وجود لمشروع حقيقي وفعال يواجه به نفوذ إيران المتزايد أكثر فأكثر

بداية طٌرح هذا القانون سنة 2012 بعهد حكومة نجيب ميقاتي، لكن تفاصيله كان لا بد لها من تعديل وهذه التعديلات لأسباب طائفية أيضا، فكانت المطالبات يومها من الكتل السياسي السنية، فجرى العمل على تقسيم الدوائر الانتخابية بشكل يضمن لهم جانبا تمثيليا أكثر حظا. وهذا يستدعي أيضا فرض نوع من التحالفات تضمن الحفاظ على المقاعد النيابية التي كانت تحظى بها كل كتلة سابقا خاصة تيار المستقبل المهدد بخسارة بعض المقاعد ممن كان محسوبا عليه من الطوائف الأخرى، بل خسارة بعض المقاعد في دوائر كانت تحسب له جملة وتفصيلا.

ولأنها السياسة ولأنها فن الممكن، جاءت التحالفات صادمة لكثيرين، فلهذه التحالفات السياسية دور في إعادة تشكيل خارطة القوى والنجاح الانتخابي، وأي قيادي في أي كتلة سيعمل على تحالفات بكل الاتجاهات الممكنة، فكيف بالقوى السنية؟ وكيف سيكون تموضعها؟ بعد خروج الجيش السوري من لبنان، هيمن حزب الله على مفاصل الدولة أكثر. واليوم جاء مشروع قانون الانتخابات النيابية والتقسيم المُقترَح للدوائر الانتخابية، على قياس "حزب الله" والمتحالفين معه، ليكرّس هيمنة الحزب على كل المفاصل الانتخابية والسياسية.

إذا ضيق الخناق أكثر، وبرأيهم لا بد من تحالفات جديدة ومغايرة لما كانت عليه في السابق، كأن نرى تنسيقا وتحالفا ما بين التيار الوطني الحر والمستقبل في دوائر ما. لكن ماذا عن الخطاب والمشروع الانتخابي الذي ترجو من بعد كل هذا؟ لقد جاء الخطاب الانتخابي لهذه القوى عاطفيا فارغا من أي مشروع حقيقي واعد على الأرض، مكررا لنفسه في 2005 و2009 ففي حين يفرض عليك علم الاجتماع السياسي أن يكون خطابك الانتخابي متضمنا للمسائل التالية:

جاءت خطابات سعد الحريري على نحو عبارات اعتراف بالفضل والمحبة لحاضنته الشعبية، مستحضرا رمزية والده بعيدا عن أي جديد
جاءت خطابات سعد الحريري على نحو عبارات اعتراف بالفضل والمحبة لحاضنته الشعبية، مستحضرا رمزية والده بعيدا عن أي جديد
 

1- التعامل مع قضايا الشعب واهتماماته خاصة النهوض المعيشي والاقتصادي، والقضايا العاجلة والأولويات المفروضة.
2- الوحدة الوطنية.
3- مقاومة الضغوط الخارجية.

جاءت خطابات سعد الحريري على نحو عبارات اعتراف بالفضل والمحبة لحاضنته الشعبية، مستحضرا رمزية والده بعيدا عن أي جديد سوى عبارات ذم الواقع المعيشي من جهة، ومشيرا إلى "مواجهة الوصاية الإيرانية والسورية" على لبنان من جهة أخرى.

أما الأولى فقد كانت مشاريع خجولة وفردية محدودة لم تنهض بأحوال المناطق تلك، وأما الثانية، فيتساءل كثيرون: كيف ومتى وأنى هذه المواجهة مع حزب الله؟ فحتى في ذروة تلك المواجهة التي حصلت يوم إعلانه الاستقالة من الرياض عاد الحريري وتراجع عنها لظروف البلاد الصعبة وحفاظا على وحدته وأمنه واستقراره.. وكذلك عندما وعد بالعمل من أجل عفو عام يطال المعتقلين الإسلاميين، لم يحصل أي شيء حتى الآن وهي مسألة لا بد وأن تحسم قبل الانتخابات النيابية القادمة من جهة، ولكونها تمس كرامة الطائفة السنية بأن ترى مظلومية أبنائها من قبل حزب الله الذي يهيمن حتى في القضاء. لا نعرف ما يدور ببال سعد الحريري أو يخطط له سوى حسن نية الناس فيه، وهذا لا وزن له إن لم يكن هناك وجود لمشروع حقيقي وفعال يواجه به نفوذ إيران المتزايد أكثر فأكثر.. فهل سيكون؟ وإن لم يكشف في ليالي الانتخاب والتجييش فمتى يكشف؟