شعار قسم مدونات

الحرية الموهومة!

مدونات - رجل يمشي
عندما ترى أما غاضبة أو أبا غاضبا يضرب طفله الصغير بوحشية فتنصحه أو تدافع عن الطفل، فهذا جيد ومستحسن.

وعندما تجد شابا مراهقا يتسكع ويتحرش بالفتيات المارات فتمنعه، فهذا جيد ومستحسن.
وعندما ترى شابا يشرب المخدرات أو الحشيش أو حتى الدخان فتنصحه، فهذا جيد ومستحسن.
من عشر سنواتٍ فقط، عندما ترى شابا يفطر جهارا في نهار رمضان فتنصحه، فهذا جيد ومستحسن.

 

أما اليوم أضحى الأمر ليس من شأنك، وبات يعتبر تعدٍ صارخ على الحرية! يا عزيزي إن القرآن الكريم جاء بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهدفٍ عظيمٍ وسامٍ، فقد جاء به ليجعل هذه الأمة أمة واحدة، وما يضر قومي يضرني، وما أخشاه على نفسي أخشاه على أخي وغيري. ولأقرب لك ما قصدته تأمل معي هذا المثال المشاهد يوميا تقريبا:

 

لنفرض أن إشارة المرور حمراء ولا يوجد عسكري أو شرطي يراقب السير، فيقرر البعض أن يلتزم بالإشارة من باب النظام فنجد باقي السيارات تباعا تلتزم وتقف معها فينتظم السير، حتى اذا جاء شخص فقطع الإشارة، فإذا بالسيارات الواقفة تبدأ شيئا فشيئا في متابعته من مبدأ "هو على راسه ريشة"، حتى يلحق بهم هؤلاء الفضلاء الذين قرروا الوقوف في البداية فتتعاظم المصيبة ويتفشى الخطأ، ولهذا صاحب المعصية يفتح الباب لكثير من الناس باتباعه، وضرره يعود على الكثير من الناس.

 

نصوص الشرع أتت بأن كل أمتى معافى إلا المجاهر. إن إظهار المعصية أو حتى ما يُشعر بالتهاون بالحكم يُرسخ في النفوس التهاون ويشجع ضعاف النفوس وصغار السن على التقليد

ولك أن تقيس مثل هذا المثال البسيط على كافة الأمور الحياتية كالرشوة والواسطة والمحسوبية في مصالحنا، وصدقني لولا معرفتك أن هناك من يتجاوز لما تجاوزت ولما حرصت على البحث عن ثغرة بدورك. لا أنكر أن الكثير قد أساء استخدام هذا المبدأ فتحول لنوع من الغباء والتطرف في كثير من الأحيان، وللأسف استُخدم في أمور يَسع الخلاف فيها والسكوت عنها مما فتح الباب أمام الكثير من الناس للانتقاد اللاذع والتعميم المطلق.

 

ولا أنكر أنه من الخطأ أن يمتد الأمر إلى "حكم" على الأشخاص "وتقسيم الجنة والنار" على الناس، فتكون غير المحجبة عاهرة والمدخن حشاش، وفاعل المعاصي كافر، إلى آخر هذه الخيالات المريضة والبعيدة كل البعد عن الدين. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن "المظاهر" لا قيمة ولا معنى لها، وأن الإنسان مطالب بأن "يخليه في حاله وفقط"، فهذه معالجة التطرف بتطرف آخر، فالأمر كما اسلفت سابقا لا يقتصر أبدا على صاحب الذنب أو الفعل القبيح فقط بل يمتد إلى أكثر من ذلك بكثير! والضرر بالمحصلة يعود على الأمة ككل، وبالنهاية سيصل إلى أهلنا وناسنا ومن يخصنا!

 

لقد نص الكثير من الفقهاء والعلماء على إلزام صاحب العذر كالمسافر والمريض في نهار رمضان بألا يُجاهر بفطره رغم أن هذا "حقٌ له" بل من الأمور المحببة لله كم قال الرسول عليه الصلاة والسلام "إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته"، وما ذلك إلا لأن إظهار ذلك يُشعر الناس بالتهاون والاستهتار بهذه العبادة، كما أن نصوص الشرع أتت بأن كل أمتى معافى إلا المجاهر. إن إظهار المعصية أو حتى ما يُشعر بالتهاون بالحكم يُرسخ في النفوس التهاون ويشجع ضعاف النفوس وصغار السن على التقليد، ومن استصلاح الشرع للنفوس حرصه على عدم إشاعة السوء.

 

وخلاصة الأمر، إن من مبادئ الشرع حث الناس على الاستتار عند المخالفة والمعصية، فإن نفسك ضعُفت فباب التوبة مفتوحٌ في كل وقت وضررك على نفسك فقط، ولكن أن نترك أصحاب المعاصي الظاهرة والمؤذية دون نصحٍ أو إرشاد من باب "ليس لي بغيري" فهذا يفتح باب المتابعة على المخالفة والمجاهرة بها وبهذا فنحن نشارك الشيطان في رسالته بإضرار الناس وتضييع الأمة، ولهذا وجب علينا أن ننصح من أضر بأمتنا فهذا بالطبع من شأننا، ولا نبالي بمن أراد أن يضيع دينه ولكن هذا لا يلغي أن بقاء النصح والإرشاد واجبٌ علينا.