الجزيرة.. منارةُ الإعلام المهني

blogs الجزيرة

على مدى عقودٍ غابرة من الزمن، عاشت الساحة الإعلامية عاصفةً من الاحتكار السلطوي للمعلومة وموجةً عارمةً من الاستبداد الممنهج للأخبار ومصادرة الحريات العامة وتكميم الأفواه البريئة، لقد شهد العالم الحديث سيطرة فظيعة من طرف ديكتاتوريات الإعلام الإمبريالي أمثال شبكة CNN الأمريكية وإمبراطورية فوكس الميردوخية وغيرها على مفاصل التغطية الميدانية الآنية لأبرز الأحداث الساخنة والوقائع الدولية البارزة.

 

إلى غاية منتصف التسعينات من القرن الماضي حيث انبثق مفهوم جديد ومغاير كلياً لمبادئ ومعايير الممارسة الحقيقية والنزيهة لمهنة الصحافة النبيلة، ووجد الجمهور العربي متنفس ثاني ورئة ثالثة يستمد منها أكسجين الأنباء الحية والمستجدات الراهنة لإشباع الغريزة المعرفية والفضولية لديه، فالإعلام العربي كان حبيساً للتبعية الأجنبية المهيمنة منذ فترة طويلة على المضامين والمحتوى الصحفي الموجه للجماهير والرأي العام العالمي.

في رحاب دولةِ قطر الشقيقة، ومن سماءِ عاصمتها المضيئة الدوحة أشرقت شمسُ قناة الجزيرة، المشروعُ الإعلامي العظيم، الذي كان بمثابة نقلة نوعية في عالم الكلمة الحرة النزيهة وخطوة مفصلية في ميدان الرأي والتعبير، لقد كانت سيدة الفضائيات الإخبارية العربية من دون منازع سباقة في النقل الحصري والمباشر لكبريات الوقائع الإقليمية والدولية كالحرب في أفغانستان والعراق بالإضافة إلى ثورات الربيع العربي ومختلف الملفات الجوهرية ذات الاهتمام العالمي الواسع.

 

مضامين الجزيرة هي بمثابة ثورة على حركات التضليل والتعتيم الإعلامي الذي كان يمارسه المتلاعبون بالعقول والقابضين على خيوط السلطة في بلدان الديموقراطية المزعومة

في الفاتح من نوفمبر عام 1996 وتحت رعاية سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ولدت أيقونة الصحافة المهنية، وسطع نجمُ الحرية وأول صوت مستقل في الشرق الأوسط، لقد كان الأمير حمد هو صاحب الفكرة وذو الفضل الكبير في إنشاء وتأسيس قناة الجزيرة، والتي أصبحت فيما بعد شبكة إعلامية رائدة على المستوى الدولي تحت شعار الرأي والرأي الآخر والذي آمنت به خلال مسيرتها ومشوارها الصحفي لأكثر من عقدين من الزمن.

لقد رصدت الجزيرة جل ما يدور في فلك الإعلام وقامت بتحريك المياه الراكدة، هي قدمت دائماً الجديد لجمهورها الوفي ولا تزال تقدم الأخبار على مدار الساعة من خلال النقل الحي والمباشر بكل احترافية ومصداقية، عملت قناة كل الشعوب على تصوير الواقع الملموس والتطرق لكافة القضايا الشائكة والملحة ومختلف الأحداث المصيرية، حيث أنها تتميز عن نظيراتها من القنوات بمواصفات مرموقة كالحيوية والإثارة والتنوع في المحتوى بالإضافة إلى التشويق أثناء عملية العرض والدراما والحركة في تغطية الأحداث.

 

لقد كانت تُعايش واقع الناس ونبض الشارع السياسي، فدعمت الشعوب العربية المظلومة وساندت القضايا الإنسانية العادلة، مضامينها هي بمثابة ثورة على حركات التضليل والتعتيم الإعلامي الذي كان يمارسه المتلاعبون بالعقول والقابضين على خيوط السلطة في بلدان الديموقراطية المزعومة، إن المنظومة الإعلامية لقناة الجزيرة كان لها دور فعال في بروز الوعي وبناء القيم الإنسانية وخدمة كافة الأجناس والأعراق والطوائف والقوميات، فهي لا تسعى إلى الربح المالي على حساب مصالح الشعوب والمجتمع المدني، لقد عملت على تحرير عالم صناعة الإعلام من القيود السياسية والاقتصادية.

تعتمد استراتيجية الجزيرة على جودة المحتوى الصحفي وإنتاج مضامين إعلامية ذات مصداقية من خلال كشف الحقيقة ورفع السرية عن مختلف كواليس الأحداث وإسقاط الأقنعة التي يقف خلفها سفراء التمويه والتلاعب الذي كان هدفهم في المقام الأول هو تضليل عقول البشر وتطويع الجماهير وترويض الشعب لمصالحهم الخاصة.

 

وفي ظل الأوضاع السياسية المتأزمة التي كان يتخبط فيها الشارع العربي سعت الجزيرة دوماً إلى إعطاء مساحة أوسع وهامش أكبر من الحرية والتعبير، فنجحت في مراعاة اهتمامات المشاهدين وتحقيق اتصال تلفزيوني فعال جعل منها مرجعاً أساسياً في الإعلام المهني والصناعة الإخبارية لذلك هي تمثل حجر الزاوية للصحافة العربية فيما تقدمه من خدمة غير محدودة للجمهور واستطاعت تغيير ملامح المشهد الإعلامي العربي الذي كان يتسم بالاختلال والضبابية.

تعد الجزيرة تجربة ثرية في رحاب صاحبة الجلالة وكل ما يتعلق بالإنسان كقيمة والأماكن النائية والناس المنسيين حيث أن كاميرتها كانت سبباً في إعادة البسمة لهم
تعد الجزيرة تجربة ثرية في رحاب صاحبة الجلالة وكل ما يتعلق بالإنسان كقيمة والأماكن النائية والناس المنسيين حيث أن كاميرتها كانت سبباً في إعادة البسمة لهم
 

الجزيرة تواصل الريادة وكشف الحقائق ونقل الأحداث بعمق رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها إقليمياً ودولياً والمضايقات المتكررة التي تتعرض لها من طرف بعض الدول الشقيقة التي قامت بافتعال الأزمة الخليجية وفبركة التصريحات ومحاولة شيطنة دولة قطر والإساءة إلى أميرها العظيم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث تطالبه بغلق قناة الجزيرة مقابل رفع الحصار المفروض على البلاد منذ أكثر من تسعة أشهر، لكن قناة الحرية والتعبير شمسها لا تغيب وبقيت دوماً منبراً حراً لجميع الأطراف وحافظت على المهنية العالمية والصبر والالتزام بالخط التحريري.

قالوا إن الإعلام قبل الجزيرة ليس كما هو بعدها إذ أن القناة فتحت منذ انطلاقتها عام 1996 الأبواب الموصدة أمام الأعينِ والعقول على حد تعبير أحد صحافييها، ولم يغب ملف عن شاشة الجزيرة وذهبت بكاميراتها ومذيعيها ومراسليها إلى أكثر من مكانٍ ونقطةٍ ساخنة حول العالم، لقد كانت حاضرة لمتابعة تطورات الأوضاع ومواكبة كل الوقائع الحاصلة في المعمورة.

تغطيتها لا تزال مستمرة بغض النظر عن مختلف العراقيل والحصيلة المؤسفة لضحايا طاقمها الصحفي الذين دفعوا حريتهم ثمناً للكلمة، وعليه توجه قناة الجزيرة رسالة إلى أولئك الذين يطالبون بإغلاقها وإسكاتها، وإلى من يسعون لحرمان الناس من الوصول إلى الحقيقة والخبر الصادق، فلديها مطالب مهنية، تطالب أن يتمتع الصحفي بحقه في ممارسة عمله دون مضايقات أو تهديد، تطالب أن يحفظ للناس حقهم في الوصول إلى المعلومة دون انحياز ولا تدليس، تطالب بإسماع صوت المهمشين والمنسيين في أصقاع العالم، تطالب بعرض الآراء المتباينة وتقبل وجهات النظر المختلفة دون خوف، تطالب ألا يعامل الصحفي كمجرم، تطالب بأن تبقى الصحافة حرة، فهي تسعى جاهدة إلى نقل قصص الناس والكتابة عن همومهم وحياتهم وتأدية العمل على أكمل وجه دون معوقات.

رسالة الجزيرة الإعلامية النبيلة هي أسمى من كل شيء وهدفها تقديم المعلومة المدروسة والموثوقة والكشف عن الخبر أينما كان والجرأة في طرح التغيير

تعد الجزيرة تجربة ثرية في رحاب صاحبة الجلالة وكل ما يتعلق بالإنسان كقيمة والأماكن النائية والناس المنسيين حيث أن كاميرتها كانت سبباً في إعادة البسمة لهم فهي ترى بعين الحاضر والمستقبل وتأخذ على عاتقها مسؤولية كبيرة ودور أكبر في أن تنقل ألمهم وأملهم، لقد كانت الجزيرة أول قناة إخبارية ناطقة باللغة العربية تنطلق من منطقة الشرق الأوسط وتحولت خلال عقدين من تلك الانطلاقة من قناة إخبارية ناطقة بالعربية إلى شبكة قنوات ناطقة بلغاتٍ عدة وتغطي أخبار العالم بشبكة مراسلين أضخم وتقدم المعلومة أولاً وقبل الآخرين وتصل بالجمهور إلى عمق الخبر وتنقل الحدث قبل أن يجف حبره، وتكون حيث ولد الخبر، فتقترب من حيثياته وتبحر في تفاصيله وتغوص بنا إلى عمقه وأكثر.

صحيح أنها كانت مجرد فكرة لكنها من تلك التي تولد كبيرة ولم تتخلى إطلاقاً عن رسالتها الإعلامية النبيلة التي هي أسمى من كل شيء وهدفها تقديم المعلومة المدروسة والموثوقة والكشف عن الخبر أينما كان والجرأة في طرح التغيير فاستطاعت أن تفرض نفسها بين كبار الأقطاب الإعلامية البارزة حول العالم.

وتشهد البيئة الإعلامية العربية على مدى السنين بأن قناة الجزيرة كان لديها كوادر صحفية لا مثيل لها على رأسهم الرائعة خديجة بن قنة والدكتور فيصل القاسم بالإضافة إلى المبدع محمد كريشان واللامع جمال ريان ونخبة كبيرة من عمالقة الشاشة الإخبارية، كما نخص بالذكر بعض الأسماء الخالدة في مسيرة الجزيرة، أبرزهم ماهر عبد الله الذي قدم أطول تغطية مباشرة لرجل واحد في يوم سقوط بغداد ولا ننسى أبداً المراسل الحربي طارق أيوب الذي توفي على الهواء مباشرة حين أصابته قذيفة وبقي بذلك جرحاً ينزف في كتاب الصحافة العربية وصولاً إلى محمود حسين القابع في السجون المصرية لأكثر من سنة بدون محاكمة ويعيش وضعاً مزرياً من وراء قضبان زنزانته.