هي صورة لا متّسع فيها للوفاء للمبادئ ولا للإمساك بجمر الثوابت، ولا للتطلع إلى الأهداف الكبرى كتحرير الأرض وطرد المحتل، ولا للالتفات إلى الذات لتقوية مناعتها وتدعيم بناء صمودها، ومدها بأسباب التفوق والبقاء ومناوءة الظلام. لكن غزة صاغت صورة مخالفة لكل تلك الافتراضات، ولم تزل تدهشنا خلال السنوات العشر الأخيرة، تشيع فينا التفاؤل وهي المستهدفة بالتيئيس، وتواسي جراح عزائمنا وهي الجريحة المستنزفة، وتحمي آخر جيادنا من الترويض وهي الواقفة في وجه أعتى العواصف، تُعرض عن كل من يغريها بالانحناء لها قليلا.
خلال آخر شهر فقط كان لدى غزة فيضٌ من الجديد: كمين العلم على حدودها الذي أطاح بآلية صهيونية، كشفها خيوط مسرحية استهداف موكب رئيس وزراء السلطة في زمن قياسي، تمكّن أربعة فتية من أبطالها من إحراق آلية حفر صهيونية تنقب عن الأنفاق على حدود غزة، مناورات كتائب القسام العسكرية التي استفزت أعداءها وكل من في قلبه مرض أو في نفسه وهن، ثم التحضير لمسيرة العودة الكبرى على حدودها.
| هذا باختصار حال غزة، يدها أمينة، وقامتها عالية، وهامتها مرفوعة، وإننا نستظل ببركة ضيائها، ونتعلم من إبائها، ونحمل معها الهم ذاته، ونستعذب لأجله كل أذى، ونرقب معها طلوع فجرها، لأنه فجرنا |
ففي غزة بيئة طافحة بالحياة، لكنها حياة لا تشبه تلك التي اعتادها عموم الناس، هي حياة وقودها التحدي وحاديها الإصرار، لأنها في صعود دائم، حتى وإن بدا أنها تغرق في أزماتها المفتعلة، لكن الجانب الآخر لتلك الأزمات يقول إنها هزمت عوامل إضعافها، وتفوّقت على هشاشة واقعها، وظلت تصعد وترتقي درجات التميز فيما يغوص محاصروها في أوحال بؤس مشاريعهم وانقراض المؤمنين بجدوى منهجهم.
وإنك إذ تستحضر مفاجآتها العسكرية خلال الحروب الثلاث التي صاغت ملحمة معنوية جديدة نهل منها الفلسطيني آيات عزة ومعاني افتخار، لا يمكن أن تنسى أنها عام 2011 أدخلت الفرح إلى قلوب وبيوت آلاف الفلسطينيين بإنجاز عملية (وفاء الأحرار) التي تحرر بموجبها مئات الأسرى من أصحاب الأحكام العالية.
ويحضرني اليوم موقف واحدة من أمهات هؤلاء الأبطال المحررين يوم استقبلت المهنئات بتحرر ابنها الذي كان محكوماً بعدة مؤبدات، وقد حاولت بعض المهنئات مواساتها نظراً لأن ابنها تحرر إلى غزة وليس إلى بيت أهله في الضفة الغربية، فقالت بثقة واطمئنان: "لكنه في غزة في أيدٍ أمينة".
هذا باختصار حال غزة، يدها أمينة، وقامتها عالية، وهامتها مرفوعة، وإننا نستظل ببركة ضيائها، ونتعلم من إبائها، ونحمل معها الهم ذاته، ونستعذب لأجله كل أذى، ونرقب معها طلوع فجرها، لأنه فجرنا، وفجر كل مؤمن وحرّ ومنعتق من الهوان.
تلك برقية ولاء ومحبة لا بد أن نبرقها لغزة من حين لآخر، ليس فقط لنقول إننا منحازون لمظلوميتها، وفخورون بجهادها، وعتادها، ومفاجآتها، بل أيضاً لنهمس في أذنها بأن تحاول المفاصلة مع المجرمين ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، حتى لا يفسدوا بهاءها، ولا يشوّهوا صليل سيوفها، ولا يتركوا فيها شيئاً من نذالة طبعهم وهوان حالهم وصَغار نفوسهم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

