منذ حوالي أكثر من ثلاثين عاما من هذا اليوم، في ستينيات من القرن الماضي على وجه التحديد، ظهر عقار الثاليدومايد Thalidomide واستخدم كمهدئ ومسكن في حالات الحمل وقد نشرت الشركة المنتجة أنذاك إعلاناً ادعت فيه أن هذا العلاج أمن بالنسبة للنساء الحوامل ـ هذا الادعاء الخاطئ كان قد كلف البشرية خسائر فادحة في الأرواح، ظهور عشرات الألاف من حالات الإجهاض والموت ما بعد الولادة وسبب ظهور تشوهات خلقية للأطفال ففي كثير من الحالات قد تم ولادة أطفال بدون أيدي أو أرجل، وشملت أيضاً حدوث تشوهات جزئية أو كلية في الأطراف العليا والسفلى، الأذنين وتشوهات في تكوين الحبل الشوكي كما في القلب والأعضاء الأخرى.
لقد تم تصنيع الثاليدومايد في ألمانيا الغربية وذلك بواسطة شركة كيمي Grünenthal، وتم تسويقه في أكثر من 46 بلدا على الأقل تحت العديد من الأسماء التجارية المختلفة. وأصبح الثالدومايد متوفراً على شكل أقراص tablets في أواخر عام 1959. وقد تم ترخيصه ليصرف بموجب وصفة طبية في 1 نيسان، من عام 1961م. وعلى الرغم من أن الثاليدومايد قد تم سحبه من الأسواق الألمانية والمملكة المتحدة في 2 ديسمبر عام 1961م، وبعد ثلاثة أشهر من سحبه بشكل كامل في هذه الدول. كان لا يزال متوفراً في بعض الصيدليات الكندية حتى منتصف مايو عام 1962م.
| في عام 1987م، طالب فريق حقوقي كندي بالزام الحكومة الكندية بدفع التعويض لضحايا الثاليدومايد. وذلك لأن الحكومة الكندية سمحت بتداول الدواء في السوق الكندي |
صنف الثاليدومايد في ذلك الوقت كمسكن أمن للنساء الحوامل، حيثُ لم تتطرق الدراسات لمعرفة مدى الأثار الجانبية الثاليدومايد على الطفل وهل من الممكن أن يعبر جدار المشيمة مما سيؤثر ذلك على تكون الجنين لاحقاً، وكان ذلك بعد فوات الأوان. فحدثت الفاجعة من تشوهات غريبة في المواليد، ووفيات في الأطفال الرضع. بالنسبة للأطفال الذين كان الحظ حليفهم ونجوا، فقد عانوا من تشوهات خلقية مذهلة منها : الصمم "أي عدم القدرة على الكلام " والعمى والحنك المشقوق، والعديد من الإعاقات الداخلية والخارجية الأخرى، وكانت الإعاقة الأكثر ارتباطا الثاليدومايد: هي حالة طبية نادرة سميت بفقمية الأطراف، حيث تمثلت هذه الحالة بولادات بأيد أو أرجل شبيهة بالزعانف عند البرمائيات.
وعلى الرغم من أن أعداد الحالات اختلفت من مصدر لآخر نظرا لعدم دقة وسائل الإحصاء أنذاك، لكن قدرت أعدادها ما بين عشرة الى عشرين ألفاً من الأطفال قد تم ولادتهم معاقين كلياً أو جزئياً نتيجة للثاليدومايد كما أن هنالك قرابة 5000 شخص من الناجين والذين لا زالوا على قيد الحياة حتى يومنا هذا في مختلف دول العالم، ولم يتم التطرق لأعداد ضحايا الإجهاض، أو الموت بعد الولادة، ناهيك عن عدد أفراد الأسر وأولياء الأمور الذين عانوا على مر السنين.
لينيت رو واحدة من هذه الحالات فقد ولدت دون ذراعين وساقين في عام 1962، دموعها لم تمحى من عينيها حتى اليوم، رفعت والدتها ويندي في مؤتمر صحفي في ملبورن قضية ضد الشركة الدوائية المنتجة للعقار، وتقاضت لينيت عدة ملايين كتعويض من شركة الدواء البريطانية نتيجة لتشوهها بعد أن تعالجت والدتها بالثاليدوميد أثناء فترة الحمل .لينيت رو إحدى الحالات الناتجة عن كارثة الثالديومايد قامت بمقاضاة الشركة البريطانية.

كما تعتبر شركة Grunenthal الألمانية مُدانة حتى اليوم لألاف الضحايا بملايين الدولارات، يذكر أنه في عام 1987م، طالب فريق حقوقي كندي بالزام الحكومة الكندية بدفع التعويض لضحايا الثاليدومايد. وذلك لأن الحكومة الكندية سمحت بتداول الدواء في السوق الكندي بعدما كانت تدرك وجود العديد من التحذيرات حول الآثار الجانبية المرتبطة مع الثاليدومايد، وقامت كندا بترك الدواء متاحاً في السوق وذلك بعد ثلاثة أشهر من سحب الدواء في غالبية دول العالم، بذلك تتحمل حكومة كندا مسؤولية أخلاقية كبيرة لضمان التعويض لضحايا الثاليدومايد بشكل قانوني.
اليوم وبعد حدوث هذه الكارثة الحقيقية بثلاثين عاماً، هنالك ثمة سؤال قد يتبادر إلى أذهاننا لعل أبرزها هل من الممكن أن يتكرر الأمر نفسه في الأيام القادمة؟ للإجابة على هذا السؤال، علينا أن نعترف بأمرين بأن آثار الثاليدومايد على الناجين لن تنتهي أبدا. فبالتالي سيعيشون حياتهم بهذه الإعاقات التي لا علاج لها في الحقيقة، أما بالنسبة لهم فلا يهمهم هذا السؤال كثيرا، كما أن فضيحة الثاليدومايد لازالت موجودة بالفعل حيث الأثار الجانبية التي يسببها الدواء كالتهاب المفاصل والأعصاب وأمراض القلب التاجية.
في عام 1964، بعد قرابة عامين من سحب الثاليدومايد من الأسواق العالمية، اكتشف الطبيب الاسرائيلي يعقوب شيسكن أثراً للثاليدومايد في علاج بعض الأمراض الجلدية كمرض الجذام وهو مرض تشوهي معدي قاتل، واستخدم الثاليدومايد علاجاً ناجحاً للكثير من الحالات الطبية التي لا تهدد الحياة كالأرق والتوتر وغثيان الصباح، وقد اتسع نطاق الاستطبابات الممكنة للثاليدومايد الآن لتشمل العديد من الأمراض بما في ذلك سرطان نخاع العظم (المايلوما المتعددة)، وداء الذئبةlupus، والقروح الناجمة عن الإصابة بنقص المناعة المكتسبة "الإيدز". وعلى الرغم من ذلك، ففي البرازيل، حيث الجذام كان مستوطناً، بينعامي 1970 و1996، ظهرت هنالك 33 حالة جديدة من حالات الولادة المشوهة بسبب الثاليدومايد. وقد تم الكشف عن وجود حالات جديدة مؤخرا في عام 2007، مما دفع بعض الخبراء للاعتقاد بأن حجب الرقم الحقيقي بسبب ندرة خدمات الرعاية الصحية في المناطق المتضررة.

في الولايات المتحدة عجل الثاليدومايد من المرور السريع لتعديل قانوني سمي ب "كيفافير-هاريس" عام 1962 م، وكان التعديل يتضمن قانون سلامة الأدوية المنصوص عليه منذ عام 1938 م، وذلك بعد كارثة مذيبات السلفانويل أميد والتي أدت الى العديد من الوفيات بسبب الالتهاب الكلوي الحاد، وكان للتغيرات الاجتماعية أيضا أثراً كبيراً على إدخال أدوية جديدة. في العديد من الدول اليوم، تعتبر عملية الإجهاض أو إنهاء الحمل جزءا مقبولا من الطب التناسلي، خاصة مع ظهور أساليب اختبار واسعة النطاق ما قبل الولادة. في الواقع، كانت كارثة الثاليدومايد أحد الأسباب الرئيسة وراء ظهور نشطاء للمطالبة في الحق في عملية الاجهاض أو إنهاء الحمل.
اليوم وعلى الرغم من التطوير الكبير في علم تجارب الأدوية بعد كارثة الثاليدومايد وبعد أواخر عام 1940م، و1950م حيث ظهرت التجارب السريرية على الحيوانات والبشر للأدوية، أصبح من الصعب لمثل هذه الأخطاء أن تتكرر، تثقيف الناس وتوعيتهم حول خطورة أخذ الأدوية المحظورة أثناء الحمل لعب دوراً كبيراً في هذا الموضوع، لكن يبقى السؤال الكبير وهو أحد الأمور لضمان عدم حدوث هذا الأمر مجدداً، على افتراض صعوبة حدوثها في الأدوية المرخصة لكن هل تنتظرنا فاجعة بشرية جديدة في أحد الأيام نتيجة للأدوية التي تباع للنساء في السوق السوداء وبطرق غير مشروعة!؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

