شعار قسم مدونات

حقائق عن حرب اليمن في ذكراها الثالثة

blogs الثورة اليمنية

ثلاث سنوات على بدء العمليات العسكرية للتحالف العربي، التي انطلقت في 26 مارس 2015، جرى خلالها تسويق كثير من المغالطات، لطمس ما يقابلها من حقائق ووقائع، ربما يجهلها الكثير ممن يقيمون خارج اليمن، وأنتهز هذه الذكرى لإعادة التذكير بهذه الحقائق حتى لا تمحى وتصبح في عداد الأساطير، ويصبح نقيضها هي الحقيقة التي لا تقبل التشكيك.

يدرك الحوثيون جيدا، أنهم ما كان لهم أن يدخلوا صنعاء، وهم الذين لا يتجاوز عددهم عشرة آلاف مقاتل، لولا وجود خيانة في صفوف القيادات العسكرية السابقة الموالية للمخلوع صالح، وبإيعاز من صالح نفسه، فضلا عن وجود ضوء أخضر خارجي من أنظمة عربية، كالنظام الإماراتي، والنظام السعودي السابق، بهدف تحقيق أهداف معينة، تتعلق بالقضاء على حزب الإصلاح، كبرى القوى السياسية والمحسوب على التيار الإسلامي، الذي تحاربه الإمارات داخلياً وخارجياً.

 

فنجح الحوثيون في الانقلاب على الشرعية، وهذا هدفهم، لكنهم فشلوا في القضاء على حزب التجمع اليمني للإصلاح، وهذا هدف الإمارات والنظام السعودي السابق، وهذه الحقيقة تؤيدها الشواهد على الأرض، بدءا بتصنيف اللواء 310 مدرع واظهاره كميليشيا تابعة لحزب الإصلاح، وتهيئة المناخ السياسي للقضاء على الحزب وإقصاءه عن المشهد السياسي، بتوافق الرئيس اليمني مع كل من السعودية والإمارات.

هدف عاصفة الحزم بالأساس كان لردع الحوثيين عن مهاجمة المملكة مستقبلاً، لكن الهدف المعلن كان استعادة مؤسسات الدولة، والقضاء على الانقلاب

وخلال تلك الفترة الممتدة من سقوط عمران في يوليو 2014، وحتى سقوط صنعاء في سبتمبر 2014، اتخذ حزب الإصلاح موقفا يتسم بالمهادنة وتجنب المواجهة العسكرية مع الحوثيين، وتحمل التضييق الذي مورس عليه، من قبل القوى الانقلابية التي أصبحت تحكم قبضتها على صنعاء، وهو يعكس إدراك الحزب لمخطط تصفيته أكثر من كونه خوف وإذعان للسيطرة الحوثية، وهذه الحقيقة يتم تغييبها عند الحديث عن موقف هذا الحزب أثناء سقوط صنعاء في سبتمبر 2014.

بعد فشل عبدالملك الحوثي تنفيذ المهمة الموكلة إليه، في تصفية حزب الإصلاح، وتوجهه للسيطرة على مؤسسات الدولة، شعرت الرياض وأبوظبي بخروج الحوثيين عن المساحة المخصصة لهم في الملعب اليمني، ولم تكن مناورات الحوثيين العسكرية قرب الحدود السعودية في منتصف مارس 2015، إلا تأكيدا على الخروج عن الدور المنوط بهم تنفيده، ورسالة منهم على انتهاء التعاون مع الرياض وأبوظبي، والاستمرار في مشروعهم الطائفي، الذي يتقاطع مع مشروع ولاية الفقيه في إيران، ولم يكن في هذه المرحلة من خيار أمام النظام الجديد في السعودية، سوى التعامل بحزم مع هذا الاستفزاز الذي تمارسه جماعة صغيرة عند حدودها من منطلق عقائدي تقف خلفه إيران، الدولة التي تحارب تحت راية مذهبية، لتصدير الثورة الخمينية، وهذه هي الحقيقة الأهم التي مهدت لانطلاق عاصفة الحزم في 26 مارس 2015.

من المهم التذكير أن تصرفات الميليشيا الحوثية قبل عاصفة الحزم، وبدعم من المخلوع صالح في مدن اليمن، كانت شبيهة بجائع أمامه أصناف متنوعة من الطعام، فلم يدري من أين يبدأ، واكتفى بالتنقل بين صنف وآخر، ليحقق أكبر قدر من التذوق فقط، دون سيطرة حقيقية على المائدة.. كانت تلك حقيقة سيطرة الحوثيين على معظم المدن، باستثناء مناطق معدودة قررت المقاومة وردع الغزو الانقلابي القادم. 

كانت عدن على وشك السقوط في وقت تقاطعت فيه مصلحة اليمنيين الرافضين للانقلاب، ومصلحة الجارة السعودية الراغبة في تأديب الميليشيا، وكسرها بعد المناورة العسكرية القريبة من حدودها، فكانت عاصفة الحزم في 26 مارس 2015 هي الفيصل الذي رحب به اليمنيون أملاً باستعادة الدولة وعودة الشرعية، وعاصفة الحزم ما كان لها أن تحدث، لولا أن الحوثيين قرروا مواجهة الرياض، عبر المناورات الحدودية.

 

فهدف عاصفة الحزم بالأساس كان لردع الحوثيين عن مهاجمة المملكة مستقبلاً، لكن الهدف المعلن كان استعادة مؤسسات الدولة، والقضاء على الانقلاب، وهذا الهدف تقاطع مع مصلحة غالبية اليمنيين، وهنا تكمن الحقيقة الأهم في الحرب الدائرة في اليمن، فتدخل التحالف العربي جاء بطلب من السلطة الشرعية، لكن هدفه الرئيسي لم يكن استعادة الشرعية كما أُعلن، بقدر ما كان ضرب الميليشيات التي أضحى نفوذها يهدد المملكة السعودية، وإعادة قوتها إلى ما كانت عليه سابقا.

التحالف العربي يمتلك القدرة على حسم المعركة، لو أخلص النية، وساند الجيش الوطني كقوة عسكرية وحيدة، بدل تأسيس كيانات موازية على حساب هذا الجيش
التحالف العربي يمتلك القدرة على حسم المعركة، لو أخلص النية، وساند الجيش الوطني كقوة عسكرية وحيدة، بدل تأسيس كيانات موازية على حساب هذا الجيش
 

وهناك حقيقة مهمة، تتمثل في هشاشة التحالف العربي، وانحرافه عن مساره الذي أعلن عنه، إلى تحقيق أهداف توسعية تشمل أهداف قديمة متجددة كالقضاء على حزب الإصلاح، أول حزب سياسي أعلن تأييده للتحالف العربي، وهو ما يتضح من خلال الهجوم الإماراتي المستمر على الحزب، والذي يقابل عادة بلغة هادئة من قيادات الإصلاح لا يمكن تفسيرها سوى في إطار" التقية السياسية" التي برع الحزب في استخدامها بشكل متكرر خلال الفترة الماضية.

 

كما أن انحراف مسار التحالف العربي، وصل لما هو أخطر من استهداف حزب معين، وصل للتوسع الميداني وممارسة الوصاية بكل أشكالها، مثل دولة الإمارات التي عملت ولاتزال، على تقويض السلطة الشرعية، وإيجاد حل سياسي يبقي على طرفي الانقلاب ضمن السلطة التنفيذية، فضلاً عن دورها المشبوه في المناطق المحررة، وسيطرتها على مواقع حيوية، عبر ميليشيات محلية وسط صمت مطبق من السعودية، القائد الرئيس للتحالف العربي، إن لم يكن تواطئا.

ومن الحقائق المؤلمة أيضا، هي أن التحالف العربي يمتلك القدرة على حسم المعركة، لو أخلص النية، وساند الجيش الوطني كقوة عسكرية وحيدة، بدل تأسيس كيانات موازية على حساب هذا الجيش، وتمييع المعارك لتحقيق أهداف معينة، فالأحداث تكشف عدم جدية التحالف العربي، في تحرير ما تبقى من الأرض اليمنية، من براثن الميليشيا الانقلابية، والامتناع عن دعم الجيش الوطني بالأسلحة الثقيلة، والاكتفاء بتنفيذ غارات محدودة أثناء المعارك.

بعد ثلاث سنوات، تبرز هذه الحقائق، كحلقة متصلة، تظهر طبيعة المعركة اليمنية، فالتحالف العربي لايزال يمارس دورا عسكريا يعمل على إطالة أمد الحرب، حتى تصل المعركة لمرحلة تمكّن التحالف من فرض إرادته وأجندته الخاصة، ولو كانت على حساب اليمنيين، وهذا ما يتطلب من السلطة الشرعية أن تكون عند مستوى المسؤولية، بدلا من الانزواء في الهامش والاكتفاء بالتفرج.