إلى متى سأظلُ "نصف مواطن"؟

blogs رجل مصري

كلنا أبناء بني آدم؛ وآدم من تراب، فالأصل واحد ومنه خلقنا وإليه ننتهي. لقد خلق الباري بني آدم، وهو يحمل جميع أصناف البشر؛ وذلك من مختلف التراب بنوعها الأبيض والأسود والأحمر. فهي عبرة وعظة للبشرية جمعاء، ودرسا لكل من يفرق بين أبناء بني آدم وحجة في وجه العنصريين.

 

أنا إنسان، لدي كل الشروط الإنسانية فهي مختومة في جسدي، فلدي جميع أعضائي ولم أخلق ناقصا غريبا والحمد الله فأنا أحمل جميع ملامح البشرية جمعها.. ولم أعرف يوما أن هناك إنسانية أحسن من التي أنا منها، فالجميع من أشكالي اعتبرتهم مثلي وأنا مثلهم، ولم يبادر في ذهني يوما لم اشرد وأذل، وأكون منبوذا بين بني قومي؛ ولم أفهم إلى الآن سبب إبعادهم وجفائهم لي، أعجب وأحزن ولا أفهم شيئا..

 

قالوا لي لونك لم يكمل شروط إنسانيتك؛ ولم تعد مرحبا بيننا، فرفقتك معنا معيبة لا تنفك عنا، فابتعد عنا ولا تنتسب إلينا فمثلك للضواحي والأزقات يناسبه؛ ولا يوجد لديك موضع استقرار بيننا.. سألتهم ما العيب وما العلة في لوني، قالوا لا نعرف! طلبت حقوقي.. ورغبت السلام والحياة؛ فقلت: أليس لي منصب أطلب من خلاله حقي، ويكون لي صوت يمثلني ويعطيني حق الوجود والقرار؟ فأنا لست طالبا سلب حقوق الغير؛ فما هو طلبي إلا إثبات الوجود وإظهار اسمي بين يدي هذا الإنسان في هذه البقعة من أرض الله.. فأعطوني جوابا قطع الوصل بيني وبينهم؛ حينما قالوا "أنت نصف مواطن/ مواطن من الدرجة الثانية"، فلا حق لك في الجلوس معنا لتقرير المصير ولطلب حقوقك؛ فأنت معنا ولكن جزئيا، فما عليك إلا التواجد والاستماع، فلا الرفض أو الاعتراض من شيمك وأدبك.. 

 

المتعصب والعنصري، هو ضعيف النفس وجاهل العقل، لأنه يفقد ركائز أساسية في الحياة، ألا وهو قبول الآخر. وإن الحياة بالتنوع تتقدم وتزدهر..

عجبا لأمري فمع أني من خلق الله تعالى؛ واعتنق بدين الإسلام وأؤمن بالنبي المختار عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، إلا أنني غير مكتمل بسبب العشيرة التي أنتمي إليها وبسبب لوني وشعري ومظهري، فلم أجد تقديرا وتكريما لا بسبب ديني ولا بإنسانيتي، فكل الطرق إلى العنصرية ذاهبة، وكلام ربنا كأنه ليس في الفؤاد حاضر وموقر.

 

لا أغضب ولا أتعصب، فإني بكلام الله متمسك وبدينه معتنق، وسيأتي يوم يفرق الله بين عباده بموازين أكثر حكمة وإلهية، وعند الحساب سيحاسب ربي يومئذ كل من استهزأ بخلقتي وبشخصيتي؛ وسيكون مقياس الميزان "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ".. حينها سوف يفهم ضعفاء القلوب وقليلي الإيمان أن الله خلق الإنسان ليعمر الأرض وليعبده إلى أن تأتيه المنية، وأن الشكل والجاه والمال كانوا مجرد أشياء زائلة والباقي التقوى، في هذا الوقت لا رجوع إلى الوراء فقد قدموا أعمالهم..

 

وأكثر ما يحزنني ويؤرق مضجعي هو أنني أتلقى التقليل من قدري، والدونية بكل أنواعها من قبل المجتمع، والمواطنين، وصارت عادة مستشرية فيهم بأن أكون مثالا للسخرية وعدم القبول، ففي حلهم وترحالهم لا يغيب في مجالسهم الاستهتار والإهانة التي يكنون إليها.. ونماذج تلك الأمور موجودة وبكثرة لعل الله يفرج عني كربتي..

 
وأخيرا.. المتعصب والعنصري، هو ضعيف النفس وجاهل العقل، لأنه يفقد ركائز أساسية في الحياة، ألا وهو قبول الآخر. وإن الحياة بالتنوع تتقدم وتزدهر.. فمجرد تسميات ومعتقدات باطلة وحدها لا تكفي لإبعاد إنسان أو التقرب إليه، فالمقاييس أعظم وأجل من ذلك، فحسن الطبع والمعشر والشهامة والفطنة وما إلى ذلك من الصفات الحميدة للإنسان هي التي تقيم شخصية الإنسان.. فسوف يعيش المتعصب والعنصري حياة بائسة لا راحة ولا مشاعر فيها، وغيره يتنعم بالمحبة وطلاقة الوجوه والقلوب الكبيرة ويكون خير من يحتذى به..