واقع الأمة.. بين أمجاد الماضي ومآسي الحاضر

يمتعض الكثير من الشباب المسلم من واقعه الذي أصبح لا يطاق، يتطابق لديه النهار بالليل، اليوم بالأمس، والعام الحالي بالماضي وربما القادم، يجد نفسه بين واقع سياسي مزري، واقتصادي مفلس، واجتماعي مخرب ويتمنى أن يستيقظ ويقول "الحمد لله أنني أحلم".

لا يا إخواني، إنه الواقع المر، الذي وجدناه ولم نختره، ولا يجب علينا أن نكرر نفس أخطاء الماضي القريب والبعيد، فلنا في تاريخنا أمجاد وبطولات ومثلها من النكبات والهزائم والكربات، فيتحتم علينا أن نراجع أنفسنا على جميع الأصعدة والمستويات، ونمر من مرحلة التباكي وسط الفيافي إلى مرحلة الاستيقاظ والاستعداد، فلا يعقل أن تكون أمتنا بالملايير ولا نجد فيها قائدا يدعو لتوحيد صفوفنا.

لبناء أمة قوية، يجب أولا أن تكون هناك خلفية دينية، بمعنى الإلمام بكل جوانب الدين الإسلامي من قرآن وسيرة نبوية، وليس كمن يقرأ حديثا ويفسره على هواه، ويعتبر نفسه عالما ويخرج في الناس يدعوهم للجهاد وهو لا يعرف حتى شروط الجهاد ويؤدي بالكثير من الشباب المتهالك أصلا دينيا ومعرفيا إلى التهلكة، وهو جالس في أفخم القصور.

 

ركزنا كثيرا على ما يشتتنا، وتجاهلنا ما يجمعنا، وساعد على ذلك غياب موجهين لا يخافون في الله لومة لائم من حكام وعلماء ومؤرخين الا من رحم ربي

ثانيا أن يكون هناك تنوع ورصيد معرفي، مما يعني الانفتاح على جميع العلوم كيفما كانت، ثم التميز الآدائي بمعنى رحم الله من عمل عملا فأتقنه، والتذكير بماضيها المجيد، وبأبطالها الشجعان ليس للبكاء على الأطلال وإنما للعبرة والاقتداء، لأن الهدف الأول والأخير للغزو التاريخي طمس الهوية الإسلامية وتشويه صورتها، وإلصاق كل الكوارث فيها من قبيل مصطلحات الإرهاب والتشدد والفتن، ودمجها في المناهج الدراسية من أولها إلى جامعاتها، لجعل أمتنا تنمو نموا أعرجا، لا تعرف الصواب من الخطأ، ونتوجس وننسلخ من هويتنا الإسلامية، لنصبح عبيدا لا ننتج علما ولا نفكر ولا نكون قناعات.

وفي نفس السياق يقول المؤرخ والكاتب الأمريكي ديورانت ويل: "لا شك أن تحامل وإجحاف كثير من المؤرخين الغربيين على التراث العربي الإسلامي كان سببا في ضياع تاريخ علماء أمة الإسلام، إلا أنني أعتقد جازما أن إهمال المسلمين أنفسهم لتراثهم وتاريخهم كان السبب الرئيسي الأول لذلك الضياع". علينا جميعا أن نعي الواقع جيدا، من يحكم ومن يسود، من هو السيد ومن العبد، الواقع يقول أن أغلب اللاجئين في العالم هم مسلمون، ويقول أيضا أن الفقر والجهل ينتشر بين المسلمين، ويقول أن أكثر الحروب دموية حاليا تقع في بلاد المسلمين، لن أتحدث عن الأسباب التي هي في الأصل نتائج.

إذا سألنا أي شخص مسلم: ما أسباب تشتتنا؟ سيجيبك بـ: فرقنا حب السلطة والمال، فرقتنا المذاهب، فرقنا الاستخراب، فرقتنا الحدود الوهمية، فرقتنا الوطنية المزيفة، لكن إذا سألته: ما الذي يجمعنا: سيجيب بـ يجمعنا الدين الإسلامي، وهذا هو مربط الفرس والحل الحقيقي الجذري والواقعي الذي سيلم شملنا.

للأسف ركزنا كثيرا على ما يشتتنا، وتجاهلنا ما يجمعنا، وساعد على ذلك غياب موجهين لا يخافون في الله لومة لائم من حكام وعلماء ومؤرخين إلا من رحم ربي، لنكون صريحين جدا، الصليبيون لا يريدون ولا يتمنون نهوض أمة محمد مرة أخرى، ولا يتخيلون أنفسهم في زمن سليمان القانوني، أو سليم الأول أو حتى طارق بن زياد و صلاح الدين الأيوبي، ولا يتخيلون أيضا بروز قائد من هذه الأمة يحاول لم شملها ويكسر شوكتهم كما فعل الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي والأمير عبد القادر الجزائري ويوسف بن تاشفين وعبد الرحمان ناصر، هؤلاء كانوا بحق من رموز الأمة الذين لا نسمع لهم خبرا لا على الشاشات الفضائية ولا في موقع التواصل.

أؤمن أن أمتنا إذا ثارت، فلن تتوقف، فالمعروف عنها عبر جميع الأزمنة خلال حكم المسلمين يسود العالم سلم وطمأنينة
 

نحن المسلمون، لدينا مسلمة مفادها "أننا أمة لا تموت أبدا" تجرعنا ونتجرع الأحزان والمآسي في كل البقاع وفي كل الأزمنة، من بداية رسالة الإسلام على يد قادة قريش وفي محاكم التفتيش بشتى أنواع التعذيب على يد الإسبان، وفي القرن الماضي على يد أعتى الجيوش الصليبية ولا زلنا نتجرع من هذا الكأس مزيدا من التقتيل والتهجير من طرفهم، ووصل الحقد إلى البوذيين الذين شردوا مئات الآلاف من المسلمين، وكل هذا لسبب وحيد أننا مسلمون، ورغم ذلك صامدون، صابرون على هذا الابتلاء الرباني الذي يحمل رسائل لكل مسلم.

أؤمن أن أمتنا إذا ثارت، فلن تتوقف، فالمعروف عنها عبر جميع الأزمنة خلال حكم المسلمين يسود العالم سلم وطمأنينة، لذلك علينا أن نعيد النظر في أنفسنا أولا قبل البحث عن تغيير شامل، إصلاح النفس وتطعيمها بشتى العلوم الدينية والدنيوية وتهذيبها وتقويتها، أؤمن أن العلم هو مفتاح نهضة الأمم.

 

ولنا في أمتنا خير مثال، ففي أيام ازدهارها وازدهار العلوم فيها خرجت وأنتجت لنا نوابغ وعلماء في جميع المجالات، ونذكر بعضهم على سبيل المثال لا الحصر، ثابت بن قرة الذي أكاد أجزم أن أغلب قراء هذا المقال لا يعرفونه، والذي أستحضر ما قاله فيه المؤرخ والكاتب الأمريكي ديورانت ويل: "إن العالم الإسلامي ثابت بن قرة هو العالم الذي أفاد علماء الغرب فيما بعد في تطبيقاتهم وأبحاثهم الرياضية في القرن السادس عشر، والتي كانت أساسا لظهور الحضارة الغربية المعاصرة". وعبد الرحمان بن عوف والرازي وابن الهيثم والطبراني وعباس بن فرناس ابن رشد وبن خلدون والكثير الكثير…

تمر على أمتنا أيام عصيبة، وخصوصا في الواقع الحاضر، لذلك يتوجب على كل مسلم غيور على دينه أن يحاول بما استطاع من علم ومعرفة أن يمرر رسائل التفاؤل والمضي قدما لبناء مستقبل مشرق لأمة أعزها الله بالإسلام وهو المنهج القويم الذي أشاد به العدو قبل الصديق وحاربوه قبل ظهوره، والاستسلام ليس من شيم المسلم، لذلك يبقى التفاؤل في غد مشرق ليس ببعيد.. عندما تحقق وحدة الأمة وتتوحد أقطارها إلى كتلة واحدة تحت المسمى "العالم الإسلامي الكبير".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

مع التطور الطبي الذي نعيشه، تثار أسئلة حول طرق العلاج التي كانت تستخدم قديما، وكيفية تعامل المسلمين القدماء مع المرض، والمراحل التي تطور فيها الطب في عصر الإسلام.

التراث العربي بديع في جانبه العاطفي، فقد تنوعت فيه مشاهد العشاق. أغلبهم لم يقدر على اللقاء بالمحبوب، وبعضهم تمكن من إتمام نهاية سعيدة.. تعرف عليهم في هذا التقرير الشيق.

الأكثر قراءة