ثلاثيّة الثقافة والحضارة والإسلام

ﻳﻤﺜﻞ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺬﺍﺕ ﻣﺪﺧﻼً ﻣﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﻃﺒﺎﺋﻊ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻭﻣﻜﺎﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻧﻘﻄﺔ ﻓﺎﺭﻗﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺴﻖ ﻣﻊ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻬﻢ ﻭﻛﻴﻒ ﻳﻘﻴﻤﻮﻥ ﻋﻼﻗﺎﺗﻬﻢ ﻣﻊ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺍﻟﺒﻌﺾ، ﻭﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺳﺆﺍﻝ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺗﺤﺪﻳﺪ ﻣﺎﻫﻴﺘﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻱ ﻟﻜﻞ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﻧﺒﺘﺖ ﺃﻭ ﺫﺑُﻠﺖ، ﻭﻋﻠﻴﻪ ﻭﺩﻭﻥ ﺇﻏﺮﺍﻕ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻧﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻧﺘﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﺛﻼﺛﻴﺔ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﻹﺳﻼﻡ.

 

ﻭﺩﺧﻮﻝ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺩﻟﺔ ﻫﻨﺎ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ ﺍﻟﺪﻳّﻦ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩ ﻓﻠﻺﺳﻼﻡ ﻃﺎﺑﻌﻪ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺍﻷﺩﻳﺎﻥ ﻭﻟﻪ ﻧﺴﻖ ﻭﺗﺼﻮّﺭ ﻣﺘﻤﻴﺰ ﻋﻨﻬﺎ، ﻓﻌﻼﻗﺔ ﺍﻷﺩﻳﺎﻥ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩﺓ ﺑﺎﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻋﻼﻗﺔ ﺳﻄﺤﻴﺔ ﻭﺗﺼﻮّﺭ ﺍﻷﺩﻳﺎﻥ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩ ﻟﻠﺤﻀﺎﺭﺓ ﺃﻭ انخراط ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺘﺪﻳﻨﻴﻴﻦ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺩﻳﺎﻥ ﻓﻲ ﺃﻱ ﻧﻤﻂ ﺣﻀﺎﺭﻱ ﻟﻴﺲ ﻧﺎﺟﻤﺎً ﻣﻦ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﺪﻳّﻦ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩ ﺑﻞ ﻧﺎﺟﻢ ﻣﻦ ﻓﻄﺮﺗﻬﻢ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳّﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻔﺮﺽ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻷﻧﻬﻢ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻮﻥ ﻣﻌﺎﻛﺴﺔ ﺗﻴﺎﺭ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ ﺃﻭ ﺳﻨﺔ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﺣﺪﻳﺜﻨﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻫﻨﺎ ﻧﻌﻨﻲ ﺑﻪ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺃﻭ ﺑﺘﻌﺒﻴﺮ ﺑﻴﺠﻮﻓﻴﺘﺶ ﺍﻟﺸﻬﻴﺮ.. ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻲ.

ﻛﻼًّ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻳﻤﺜﻼﻥ ﺧﻄﻴﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴّﺔ، ﺣﻴﺚ ﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﻔﻦ ﻭﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﻭﺍﻟﻤُﺜُﻞ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻓﺘﻤﺜﻞ ﻧﻤﻄﺎً ﻣﺨﺘﻠﻔﺎً ﻳﺠﻤﻊ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﺍﻟﻤﺎﺩة

ﺇﻥ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻫﻮ ﺣﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ، ﺃﻱ ﺃﻥ ﻧﻤﻂ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺍﺕ ﻫﻮ ﻧﻤﻂ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻲ، ﻭﻫﻮ ﻧﻤﻂ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻹﻓﺎﺩﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻣﻬﺎ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻟﻠﺒﺸﺮ، ﻭﻟﻤﺎ ﺗﺤﺪﺙ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻋﻦ ﺗﺴﺨﻴﺮ ﺍﻷﺭﺽ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻴﺮﺍﺕ ﻭﻣﻮﺍﺭﺩ ﻣﻜﻨﻮﻧﺔ ﻭﺗﺤﺪﺙ ﺑﺎﻟﻤﻘﺎﺑﻞ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻌﻘﻞ، ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻳﻌﻨﻲ ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ، ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻷﺭﺿﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ. ﻭﺍﻟﺒﺸﺮﻳّﺔ ﻣﺘﻰ ﻣﺎ ﺍﻛﺘﻔﺖ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺃﻳﻀﺎً ﺳﺘﻀﻞ ﻭﺗﺘﻴﻪ، ﻓﻤﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺇﻻ ﻧﻤﻂ ﻣﻔﺮﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﺘﺪ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻭﺃﻋﻤﻖ ﺃﻃﻮﻝ.

ﺇﻥ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻫﻲ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﻧﺘﺞ ﺇﻓﺮﺍﺯﻫﺎ ﺃﺻﻼً ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺪﻝ ﺍﻟﺪﺍﺋﺮ ﺣﻮﻝ ﻣﺎﻫﻴّﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﺑﻞ ﺇﻥ ﻣﺠﺮﺩ ﻭﺟﻮﺩ ﻣﺼﻄﻠﺤﻲ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻣﻮﺱ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻫﻮ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻧﻀﺞ ﻋﻤﻴﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻟﺘﻌﺮﻳﻒ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﻟﻮ ﻭُﺟﺪ ﻣﺼﻄﻠﺢ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺣﺪﻩ ﺩﻭﻥ ﻣﺼﻄﻠﺢ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻟﺪﻋّﻢ ﺫﻟﻚ ﺗﺼﻮﺭ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﻭﺟﺪ ﻣﺼﻄﻠﺢ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺣﺪﻩ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻟﺪﻋّﻢ ﺫﻟﻚ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﺪّﻳﻦ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩ، ﺃﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﻮﺟﺪﺍ ﻣﻌﺎً ﻓﺬﻟﻚ ﺑﺬﺍﺗﻪ ﺗﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﺟﺬﻭﺭ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻋﺒﺮ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ.

ﺇﻥّ ﻛﻼًّ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻳﻤﺜﻼﻥ ﺧﻄﻴﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴّﺔ، ﺣﻴﺚ ﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﻔﻦ ﻭﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﻭﺍﻟﻤُﺜُﻞ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻓﺘﻤﺜﻞ ﻧﻤﻄﺎً ﻣﺨﺘﻠﻔﺎً ﻳﺠﻤﻊ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﺍﻟﻤﺎﺩﺓ، ﻭﺑﺼﻮﺭﺓ ﺃﻛﺜﺮ ﺩﻗﺔ ﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺨُﻠﻮﺩ ﻭﺍﻟﺜﺒﺎﺕ ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻓﺘﻤﺜﻞ ﺍﻟﺘﺠﺪﺩ ﻭﺍﻟﺘﻄﻮّﺭ، ﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﺃﻣّﺎ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻓﺘﻤﺜﻞ ﺍﻷﺭﺽ، ﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻮﺟﺪﺍﻥ ﻭﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻲ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺩ. كذلك إن مجرد معرفة الخطأ والصواب تنتمي للحضارة، أما القدرة على إنفاذ الصواب وتجنب الخطأ فتنتمي للثقافة، فالمعرفة نمط علمي والإنفاذ والتجنب نمط ديني والعلم ينتمي للحضارة والدين مصدر الثقافة.

ﺑﺎﻟﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﺪﻭ ﻭﻛﺄﻧﻬﺎ ﻣﺘﻨﺎﻗﻀﺔ ﻣﺘﻨﺎﺛﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ، ﻓﺈﻧﻪ ﻻ ﺗﺴﺘﻘﻴﻢ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ ﻣﻌﺎً ‏( ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ‏) ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﺴﺘﻘﺮ ﺑﻬﻤﺎ ﻭﻳﻀﻄﺮﺏ ﺑﺄﻓﺘﺮﺍﻗﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ، ﻭﺍﻷﻣﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﺇﻧﻬﺎﺭﺕ ﺑﻨﻴﺘﻬﺎ ﻓﺮﻃﺖ ﻓﻲ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﻨﻤﻄﻴﻦ ﺩﻭﻥ ﺍﻵﺧﺮ . ﻓﻤﺎ ﻣﻮﻗﻒ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻣﻦ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﻔﻜﺮﺗﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰﻳﺘﻴﻦ ﺍﻟﻨﺎﺑﻌﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ؟.

ﺍﻟﺮﺅﻳﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻧﺎﺑﻌﺔ ﺑﺎﻷﺳﺎﺱ ﻣﻦ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﺻﻠﺐ ﻣﺘﻴﻦ ﺭﺻﻴﻦ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻌﺮﻳﻒ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺸﺄﺕ ﻋﺒﺮﻩ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻼﺋﻢ ﻣﻊ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺑﺄﻧﻪ ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ ﻣﻦ ‏( ﺍﻟﻘﻴﻢ ﻭﺍﻷﺧﻼﻕ ﻭﺍﻟﻔﻨﻮﻥ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ ‏) ﻭﻫﻲ ﺗﻤﺜﻞ ﻋﺎﻟﻢ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻌﺒِﺮ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ‏( ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ‏). ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻳﻤﺜﻼﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﺀ، ﻓﺈﻥ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻫﻮ ﻛﻠﻴﻬﻤﺎ ﻣﻌﺎ، ﻭﺍﻟﻤﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻳﺠﺪ ﺫﻟﻚ ﺟﻠﻴّﺎً ﺑﻞ ﺑﺴﺮﺩﻳّﺔ ﻣﺬﻫﻠﺔ ﻭﺟﻤﻴﻠﺔ ﺗﺒﻴّﻦ ﻣﺪﻯ ﻋﻤﻖ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، ﻓﺎﻟﻘﺮﺁﻥ ﻟﻢ ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﻭﺣﺪﻩ ﻛﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺣﺪﻩ ﺑﻞ ﺇﻧﻪ ﻳﺪﻭﺭ ﻓﻲ ﻓﻠﻚ ﻣﺘﻨﺎﺳﻖ ﻳﺪﻣﺞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻣﺘﻤﺜﻠﺔ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻣﺘﻤﺜﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻳّﻦ.

 

الإسلام ﻫﻮ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺒﻨﻲ اﻟﻘﻴﻢ اﻷﺧﻼﻗﻴﺔ اﻟﺮﻓﻴﻌﺔ وﺗﺴﻌﻰ ﻟﻠﻮﺻﻮل ﻟﻠﻤُﺜﻞ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ في اﻵن ذﺍﺗﻪ إﻃﺎر ﻟﻠﺤﻀﺎرة داﻓﻊ ﻟﻠﻨﻬﻀﺔ اﻟﺤﻀﺎرﻳّﺔ وﻣﺤﺮض ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻠﻢ
 

ﺇﻥ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﻔﻦ ﻭﺍﻟﺪﻳّﻦ ﻣﺼﻄﻠﺤﺎﺕ ﺗﻌﺒِﺮ ﻋﻦ ﻋﺎﻟﻢ ﺁﺧﺮ ﻏﻴﺮ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ، ﻋﺎﻟﻢ ﺫﻭ ﻣُﺜﻞ ﻭﺃﺧﻼﻕ ﻭﻗﻴﻢ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻤﻰ ﻓﻲ ﺍﻹﺳﻼﻡ (ﺍﻵﺧﺮﺓ‏)، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺗﻌﺒِﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻭﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ ﻓﻲ ﺍﻹﺳﻼﻡ ‏( ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ‏) ، ﻭﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻋﺒّﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻵﺧﺮﺓ ‏( ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ‏) ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺗﺪﻣﺞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ ﻭﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﺣﻴﺚ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ : "ﻭَﺍﺑْﺘَﻎِ ﻓِﻴﻤَﺎ ﺁﺗَﺎﻙَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺍﻟﺪَّﺍﺭَ ﺍﻟْﺂﺧِﺮَﺓَ ۖﻭَﻟَﺎ ﺗَﻨﺲَ ﻧَﺼِﻴﺒَﻚَ ﻣِﻦَ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ۖﻭَﺃَﺣْﺴِﻦ ﻛَﻤَﺎ ﺃَﺣْﺴَﻦَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺇِﻟَﻴْﻚَ ۖﻭَﻟَﺎ ﺗَﺒْﻎِ ﺍﻟْﻔَﺴَﺎﺩَ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ ۖﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻟَﺎ ﻳُﺤِﺐُّ ﺍﻟْﻤُﻔْﺴِﺪِﻳﻦ َ". ‏(ﺍﻟﻘﺼﺺ 77).

ﻳﻘﻮﻝ ﺑﻴﺠﻮﻓﻴﺘﺶ ﻣﻌﺒﺮﺍً ﻋﻦ ﺭﺅﻳﺔ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﻣﺘﻨﺎﻭﻻً ﻣﻮﺿﻮﻉ ﺍﻟﺰﻫﺪ ‏(ﻓﻲ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻗﺪﺭٌ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻫﺪ؛ ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﺤﺎﻭﻝ ﺑﻪ ﺃﻥ ﻳﺪﻣﺮ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﺃﻭ ﺍﻟﺼﺤﺔ، ﺃﻭ ﺍﻟﻔﻜﺮ، ﺃﻭ ﺣﺐ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻉ ﺑﺎﻵﺧﺮﻳﻦ، ﺃﻭ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﻤﺘﻌﺔ. ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻫﺪ ﺃُﺭﻳﺪ ﺑﻪ ﺗﻮﺍﺯﻧًﺎ ﻓﻲ ﻏﺮﺍﺋﺰﻧﺎ، ﺃﻭ ﺗﻮﻓﻴﺮ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺍﻟﺮﻭﺡ.. بين ﺍﻟﺪﻭﺍﻓﻊ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻭﺍﻓﻊ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ).

ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻓﺈﻥ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻫﻮ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻨﻲ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﺍﻟﺮﻓﻴﻌﺔ ﻭﺗﺴﻌﻰ ﻟﻠﻮﺻﻮﻝ ﻟﻠﻤُﺜﻞ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ في ﺍﻵﻥ ﺫﺍﺗﻪ ﺇﻃﺎﺭ ﻟﻠﺤﻀﺎﺭﺓ ﺩﺍﻓﻊ ﻟﻠﻨﻬﻀﺔ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻳّﺔ ﻭﻣﺤﺮﺽ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺇﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺑﻤﺎ ﺳﺨﺮﻫﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ، ﻓﺎﻹﺳﻼﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺭﻭﺣﻲ ﻳﻌﺒﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺃﻳﻀﺎً ﻫﻮ ﻣﺎﺩﻱ ﻳﻌﺒﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ، ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ "ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺍﻟَّﺬِﻱ ﺳَﺨَّﺮَ ﻟَﻜُﻢُ ﺍﻟْﺒَﺤْﺮَ ﻟِﺘَﺠْﺮِﻱَ ﺍﻟْﻔُﻠْﻚُ ﻓِﻴﻪِ ﺑِﺄَﻣْﺮِﻩِ ﻭَﻟِﺘَﺒْﺘَﻐُﻮﺍ ﻣِﻦ ﻓَﻀْﻠِﻪِ ﻭَﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ ﺗَﺸْﻜُﺮُﻭﻥَ ‏(12‏) ﻭَﺳَﺨَّﺮَ ﻟَﻜُﻢ ﻣَّﺎ ﻓِﻲ ﺍﻟﺴَّﻤَﺎﻭَﺍﺕِ ﻭَﻣَﺎ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ ﺟَﻤِﻴﻌًﺎ ﻣِّﻨْﻪُ ۚﺇِﻥَّ ﻓِﻲ ﺫَٰﻟِﻚَ ﻟَﺂﻳَﺎﺕٍ ﻟِّﻘَﻮْﻡٍ ﻳَﺘَﻔَﻜَّﺮُﻭﻥَ"، ‏(13 ﺍﻟﺠﺎﺛﻴﺔ).



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الأمير زيد بن رعد الحسين إن حصار الحكومة السورية للغوطة لنصف عقد تضمن كثيرا من جرائم الحرب، بينها استعمال السلاح الكيميائي.

المسألة الكورية أكثر تعقيدا من مجرد تقسيم بلد في العام 1945 من قبل المنتصرين في حرب المحيط الهادي إلى دولتين عصفت بهما بعد ذلك حرب بين الأشقاء.

الأكثر قراءة