المعارضة المصرية في الخارج المسكوت عنه

أربعة أعوام تقريبا مضت على انقلاب عبد الفتاح السيسي على أول تجربة ديمقراطية مصرية استطاع خلالها ترسيخ حكمة، وإعادة بناء جدار الخوف ليسكن من جديد داخل أفئدة وعقول المصريين الذين ملئوا الدنيا هتافا للحرية قبل عامين ونصف من انقلابه. استطاع السيسي السيطرة على الأحزاب والإعلام والقضاء وإخضاع الشباب الثوري، استطاع ترويض المراكز الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، وأيضا البطش بأخطر منافسيه داخل المؤسسة العسكرية أو ممن انتموا إليها يوما.

أربعة أعوام مضت تمكن خلالها عبد الفتاح السيسي من بناء شبكة علاقات إقليمية ودولية وربط أسر حاكمة عربية بمصالح استراتيجية داخل مصر، فضلا عن التماهي التام مع الأجندة الصهيونية والعمل على جعل إسرائيل أكثر أمنا وحماس أكثر حصارا وتضييقا. ولكن في المقابل، ماذا قدمت المعارضة المصرية في الخارج؟ 

"15"عاما قضاها الزعيم الإيراني آية الله الخميني في المنفى، في عصر كانت أشرطة الكاسيت هي الوسيلة الوحيدة لإيصال صوته إلى الداخل الإيراني ، وبعدها عاد ليجد ملايين من البشر يستقبلونه في مطار طهران حتى كادت السيارة التي تقله أن تُحمل على الأعناق، وبالمقارنة تجد أن المعارضة المصرية التي تملك القنوات الفضائية حيث آلاف الساعات من البث المباشر، والمواقع الصحفية حيث آلاف المقالات والمدونات، فضلا عن مواقع التواصل الاجتماعي والواتس آب، والبريد الإلكتروني، والفيديوهات التي ينتجها الهواة للسخرية من النظام، كل هذا وفرته التكنولوجيا للمعارضة المصرية على مدار أربعة أعوام ومع ذلك لم تنجب قيادة كاريزمية واحدة يمكن أن تستدعي الكتلة الحرجة وتحركها كما فعل الخميني بأشرطة الكاسيت التي كان إدخالها إلى ايران يتطلب فضلا عن الوقت المبذل، التحلي بروح المغامرة والتضحية.

في الخارج رغم امتلاكهم رفاهية العمل السياسي دون ملاحقات أمنية، فلا رؤى أو استراتيجيات أو أوراق صالحة أو ندوات أو اجتماعات، ولا سعي لخلق مجموعات شبابية طليعية

وإذا رجعنا إلى الوراء قليلا لوجدنا أن الزعيم الروسي "فلاديمير لينين" كان يستخدم الخطابات البريدية للتواصل مع الداخل الروسي، ورغم ما تستغرقه هذه الوسيلة من وقت لا سيما في بدايات القرن العشرين حيث كانت القطارات هي الوسيلة الأسرع لنقل الخطابات، إلا ان لينين استطاع تحريك الثورة ما مكنه من قيادتها عندما عاد إلى روسيا ليقول مقولته الخالدة: لن يرحمنا التاريخ إذا لم نتقدم لقيادة البلاد الآن.

ما هو سر هذا الأداء غير الجيد للمعارضة المصرية؟

إذا قمنا بحساب الوقت الذي كان يحتاجه أحد أشرطة "الخميني" حتى يصل إلى الداخل الإيراني ثم الوقت الذي يحتاجه حتى يتم نسخه لينتقل من بيت إلى بيت فتنتشر الرسالة الثورية التي يحملها في ربوع إيران، وقارنا بين ذلك وبين الوقت الذي يحتاجه السياسي المصري الذي يعيش في الخارج لإيصال صوته إلى كل بيت مصري بالظهور فقط في إحدى البرامج التي تبث من اسطنبول والتحدث بكل حرية، إذا قارنا بين هذا وذاك لأدركنا أن أربعة أعوام في ظل هذه الثورة التكنولوجية الهائلة وتطور وسائل الاتصال زمن كاف لإسقاط انقلابيين عسكريين مثل انقلاب عبد الفتاح السيسي.

 

ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود رؤية أو استراتيجية أو خطة عمل لدى رموز المعارضة في الخارج، فاكتفوا بالإعلام، واكتفوا من الإعلام بذلك المبني على قصائد هجاء عبد الفتاح السيسي عند كل خطوة أو موقف أو قرار، فوقعوا في خطيئة تنفيس الغضب بدلا من خلقة وتوجيهه، وبمرور الوقت اختزلت رسالتهم الإعلامية في عبارة واحدة "السيسي خائن" يدورون حولها دوران الفراش حول اللهيب، وهم دون شك سيسقطون بداخله ويحترقون فيه إذا لم تحدث فيما بينهم ثورة تغيرهم وتدفعهم إلى العمل الجاد حتى تنجح ثورتهم ضد السيسي.

الخميني كان يمتلك رؤية للمستقبل ولشكل الحكم كان ينقلها عبر أشرطة الكاسيت، كذلك كان لينين يمتلك رؤية حول نظام وشكل الحكم يرسلها عبر البريد، وكلاهما كانا يعقدان الاجتماعات في الخارج للتواصل مع أصحاب الأفكار والمشاريع السياسية لبلورة تصور نهائي يمكن تصديره إلى الداخل ليجد قبولا لدى ملايين من البشر، ومع توالي الأزمات الداخلية كما في حالة روسيا القيصرية، وحالة إيران الشاة، يصبح هؤلاء البشر أكثر استعدادا للتضحية من أجل تطبيق هذه الرؤى بغية تحسين سُبل العيش ورسم ملامح أفضل للمستقبل.

أيها المعارضون بالخارج، فقط قدموا الرؤية، أنتجوا الحلم الصالح، عندها لن يتأخر الشعب بتلبية النداء، والتاريخ سيحاسبكم إن لم تتحركوا الآن
 

السيسي يمتلك الدبابة، وفي المقابل يجب أن تمتلك المعارضة قرار الملايين من البشر للحشد في مواجهة الدبابة، تلك هي المعادلة الوحيدة التي يجب أن تفهمها المعارضة المصرية، وقرار الملايين لا يمكن الحصول عليه بمقدمات تليفزيونية نارية أو تاريخية أو حتى "لوزعية"، الناس تتحرك فقط لتحقيق رؤية آمنوا بها فتهون التضحية بمواجهة آلات البطش لتحقيقها، ولا يستطيع أن يدعي أحد من قيادات المعارضة امتلاك هذه الرؤية، حتى مسألة عودة الرئيس محمد مرسي إلى الحكم حال قيام ونجاح الثورة لم يحسموها فيما بينهم.

إن العمل الإعلامي يجب أن يأتي تاليا للعمل السياسي، لإلقاء الضوء عليه وتحليله وتسويقه للجماهير، ولكن العجب كل العجب أن حوض السياسة المصرية كما جف في الداخل، جف وتحطم أيضا في الخارج دون أي مبرر رغم امتلاكهم رفاهية العمل السياسي دون ملاحقات أمنية، فلا رؤى أو استراتيجيات أو أوراق صالحة أو ندوات أو اجتماعات، لا تواصل جاد مع قوى في الخارج أو في الداخل أو السعي لخلق مجموعات شبابية طليعية، لا خطط، لا منهج عمل، لا فلسفات، لا حل للإشكاليات الجدلية، لا تصور كيف يمكن إدارة مرحلة انتقالية اذا نجحت ثورة في الإطاحة بالسيسي غدا.

هناك اسباب كثيرة جعلت المعارضة المصرية في الخارج تقع فريسة لشهوة العمل الإعلامي دون السياسي، ومن العمل الإعلامي تكتفي بقصائد هجاء السيسي دون التفكير في بناء عقلية مصرية نقدية تفكيكية تسقط تلقائيا الأساطير التي بُني عليها الحكم العسكري، والشعب بفطرته لن يعود إلى الشارع إلا اذا قُدمت له رؤية شاملة تتضمن عقدا اجتماعيا جديدا، وتصورا شاملا لإدارة مرحلة ما بعد السيسي، ورسما صالحا لوجه مصر المحروسة بعد نجاح ثورتها، رسما يطمئن الكتلة الحرجة بأن القادم أفضل، وأن هناك معارضة إن وصلت للحكم ستضمن تيسير سُبل الحياة للبسطاء، والحفاظ على الهوية والموروثات الدينية والثقافية، وتحدد شكلا جديدا للدولة ونظام الحكم فيها وآليات العمل فيه ووصولا إليه، رؤية تضمن صياغة جديدة لمؤسسات الدولة والعلاقات فيما بينها وايضا علاقتها مع المواطن، وربما تدشين مؤسسات أخرى جديدة تتعاون مع القديمة لصالح المواطن. أيها المعارضون في الخارج، فقط قدموا الرؤية، فقط أنتجوا الحلم الصالح، عندها لن يتأخر الشعب في تلبية النداء، والتاريخ سيحاسبكم إن لم تتحركوا الآن.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

نفى وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور في تصريحات صحفية بمطار الخرطوم عقب عودة الرئيس السوداني عمر البشير من القاهرة صحة تقديم مصر أي مقترح يقضي بإدارة مشتركة لحلايب.

يمثل مثلث حلايب أبرز القضايا الخلافية بين السودان ومصر منذ عام 1958، حينما اعترضت مصر على جعل السودان منطقة حلايب إحدى الدوائر الجغرافية بالانتخابات العامة التي جرت في السودان حينها.

الأكثر قراءة