شعار قسم مدونات

في فلسفة الاختيار

مدونات - الاختيار

إن كل دقيقة تمضي من أعمارنا تُغير بمرورها نظرتنا إلى الحياة، الكثير من المعتقدات التي نؤمن بها بشدة يتحول إيماننا بها مع الوقت إلى كفر تام، يكفينا مثالاً يؤكد هذا خاصية (استرجاع الذكريات) من فيسبوك، والتي تذكرنا كل مرة بكل ما كتبناه في السنوات الماضية، والتي نشعر فيها كل مرة كم تغيرنا، كم أن أفكارنا وقناعاتنا تغيرت، ولو سرحنا قليلاً فإنها ستذكرنا كم كنا مؤمنين بهذه الأفكار، بل وربما متعصبين لها تماماً، لكن الآن قد يصل بنا الحال بعد أن اخترنا غيرها أن نسخر من معتنقيها، وأن نشعر بأنها أغبى من أن يؤمن بها أحد، حقاً لقد كانت أفكاراً خاطئة تماماً، ولكن هذا يطرح سؤالاً: هل سنشعر بنفس الطريقة حيال ما نكتبه الآن -والذي يمثل قناعاتنا الحالية- عندما يذكرنا به فيسبوك بعد سنوات؟ ويمكن أن نطرح السؤال بصيغة أخرى: هل معتقداتنا وآراؤنا التي نؤمن بها الآن بشدة وندافع عنها هي معتقدات صحيحة؟ أم أنها خاطئة وسنعود لنغيرها ونختار غيرها وصولاً للمعتقدات الصحيحة؟

  
حسناً، تحذير: أنا لن أجيب عن هذه الأسئلة تماماً، أخشى أنني سأستمر في طرحها فقط! هذا ينقلنا إلى سؤال آخر: من الأساس أيهما يحدد الآخر؟ هل المعيار لتحديد اختياراتنا هو الصواب؟ أمم أن المعيار لتحديد الصواب هو اختياراتنا؟ فنحن في كل مرة نغير رأينا حيال معتقد ما فإننا نعتقد أننا على الصواب المطلق، ثم فيما بعد نغير رأينا مرة أخرى، ولكنَّ شيئاً واحداً لا يتغير وهو أننا نرى أنفسنا على الصواب المطلق مجدداً، وهذا يعني أن اختياراتنا هي معيار الصواب في هذه الحالة، وفي المقابل فإن اختيارنا رأياً آخر، يعني أننا وجدنا هذا الرأي الأكثر صحة قبل أن نختاره، وهذا يعني هذه المرة أن الصواب هو معيار اختياراتنا!
 

منذ أن نبدأ مسيرة الوعي نظل محكومين بالخيارات طوال حياتنا، يتوجب علينا أن نختار من بينها دوماً، وكل خيار نختاره يفتح علينا مجموعة أخرى من الخيارات وهكذا في دوامة من الاختيار اللامتناهي

إذن يبدو أننا لن نكتفي بعدم الإجابة على سؤالنا هذه المرة بل سنتجاوز ذلك إلى نفي كلا الإجابتين. وبالعودة إلى سؤالنا الأول إذا ما كانت معتقداتنا الحالية صحيحة أم لا، فإننا يجب أن نوجه لأنفسنا قبل الإجابة سؤالاً جديداً: وهل كل معتقداتنا هي خياراتنا نحن أصلاً؟ هل أسلوب حياتنا التي نعيشها هو من اختيارنا؟ أم أننا نتّبع الأسلوب الذي يريده الأقوياء ويسوقون له؟ هل الدين الذي نؤمن به هو من اختيارنا؟ أم أننا نؤمن به دون أن نختاره أولاً؟ ولنقس على ذلك تخصصنا الأكاديمي، عملنا، توجهاتنا الفكرية والأيديولوجية وغيرها.. إذا كانت اختياراتنا فلننتقل إلى قياس مدى صحتها، ولكنها إن لم تكن خياراتنا أصلاً فما قيمة إيماننا بها؟ حتى لو كانت معتقداتٍ صحيحةً -على فرض وجود معتقد صحيح تماماً- فما جدوى الإيمان دون اختيار؟
 
فالمفترض إذن أن الاختيار هو أساس الإيمان، فإن وُجِد الاختيار أولاً عدنا لسؤالنا بشكله الجديد: هلل "اختياراتنا" صحيحة أم لا؟ ولكن هل يعتبر السؤال نفسه سؤالاً صحيحاً، أي هل توجد خيارات صحيحة وخيارات خاطئة أصلاً؟ وإن افترضنا وجود خيارات صحيحة مطلقة، فكيف نستطيع معرفة الخيار الصحيح من الخاطئ قبل أن نختاره؟ فالطريقة الوحيدة لمعرفة صحة أحد الخيارات هي اختياره وتجربته، لكن وحتى في هذه الحالة سيكون من الصعب أن نعرف تماماً أيضاً؛ لأننا لن نتمكن من اختيار جميع الخيارات وتجريبها كلها، فالخيار الذي سنعتقد صحته قد يكون هنالك ما هو أفضل منه من بين الخيارات التي لم نجربها، والخيار الذي سنعتقد خطأه قد يكون هو -على مرارته- الأقل سوءً من بين الخيارات الأخرى الأسوأ والتي لن نجربها، وهذا في كل الأحوال ليس مدعاة للندم فالحياة ماهي -من وجهة نظري- إلا مجموعة لا متناهية من الخيارات، كل خيار فيها يحدد الخيارات التالية، وبالتالي يحدد مجموع التجارب والتي شكلت ماضينا ولا زالت تشكل حاضرنا وتؤثر على مستقبلنا من بعد.

 
   undefined

 

والحقيقة أننا منذ أن نبدأ مسيرة الوعي نظل محكومين بالخيارات طوال حياتنا، يتوجب علينا أن نختار من بينها دوماً، وكل خيار نختاره يفتح علينا مجموعة أخرى من الخيارات وهكذا في دوامة من الاختيار اللامتناهي، وعندما نتحدث عن عملية الاختيار فإننا لا نتحدث عن شكل ما بعينه منها، بل إننا في الحقيقة نواجه في حياتنا وبشكل متكرر أنماطاً مختلفة من عمليات الاختيار، تختلف في أنواعها وأهميتها وعدد الاختيارات المتاحة في كل منها، وبالتالي في أسلوب الاختيار فيها.
 
ففي بعض المواقف التي تكون فيها المعلومات تامة والخيارات واضحة يكون الاختيار أكثر وضوحاً ودقة، فمثلاً عندما يُخيَّر أحدنا بين عملين يحصل من أحدهما على مرتب عالٍ جداً لكنه لمدة شهرين فقط ثم يعود بلا عمل مدة طويلة، أما الآخر فمرتبه مقبول لكنه دائم فإنه من الطبيعي أن يختار العمل الدائم ذو الراتب الأقل دون أن يبذل جهداً كبيراً في التفكير، لكن كثيراً ما تكون العملية أصعب فنتجه إلى قياس المحددات الخارجية وموازنتها مع المعطيات الخاصة بنا، ثم نُقدّر الخيار الأفضل من بينها، كالمفاضلة بين أن يحصل أحدنا على عمل براتب جيد لكن في مكان بعيد، أو عمل براتب مقبول في مكان قريب، وهنا يحدد اختيارَه مدى الفرق في كل من الراتب وبعد المسافة.
 
وأحياناً فإن عملية الاختيار تعتمد على ما يسمى بـ"القرارات الاستراتيجية" وهنا لا يكفي أن نجتهد في الوصول إلى الخيار المناسب بالنسبة لنا، بل علينا أن نبذل جهدنا أيضاً في توقع الاختيارات التي سيختارها الآخرون، أي أن هذه الحالة تتميز بالاعتماد المتبادل للقرارات، فلو بحث أحدنا عن عمل، وخُيِّر بين عملين عليه أن يذهب لمقابلة توظيفية واحدة في واحد منهما، وهنالك متقدمون آخرون للوظيفة، فإنه في هذه الحالة لن يكتفي بقياس أيّ العملين أنسب بالنسبة له، لأن عليه أن يأخذ خيارات الآخرين (المنافسون على الوظيفة ورؤساء العمل على حد سواء) بعين الاعتبار.
  

عملية الاختيار تقوم على هدف واضح نختاره لمرة واحدة حسب مبادئنا ثم تتوالى الاختيارات فيما يلي سعياً لتحقيق هذا الهدف
عملية الاختيار تقوم على هدف واضح نختاره لمرة واحدة حسب مبادئنا ثم تتوالى الاختيارات فيما يلي سعياً لتحقيق هذا الهدف
 

وعملية الاختيار تقوم على عدة ركائز، منها زمان الاختيار ومكانه والبيئة المحيطة بعملية الاختيار، فالاختيار الذي يكون مناسباً الآن والذي يحقق نجاحاً في الوقت الحالي في ظل الظروف والمعطيات الحالية، ليس مؤكداً أن يحقق النجاح نفسه في مكان مختلف أو في ظل ظروف مختلفة في وقت مختلف، وبالتالي فإن تغيير رأينا حيال أمر ما لا يعني بالضرورة أن رأينا السابق خاطئ وأن الحالي هو الصحيح، فقد يكون كلاهما صحيحاً على اختلافهما، بسبب اختلاف الظروف المحيطة، وقد يكون كلاهما خاطئاً، أو يوجد أفضل منه على الأقل.

 

كذلك فإن عملية الاختيار تقوم على هدف أو مجموعة من الأهداف الواضحة والمحددة نختارها لمرة واحدة حسب مبادئنا -والتي يفترض بها أن تبقى ثابتة لا تتغير- ثم تتوالى الاختيارات فيما يلي سعياً لتحقيق هذه الأهداف، فيكون معيار الاختيار هو تحقيق الهدف، ولكننا كثيراً (كأفراد وجماعات) نتوه في دوامة الخيارات فتتحول -دون قصد غالباً- الخيارات والوسائل المنوط بها تحقيق الأهداف إلى أهداف بذاتها يصعب العدول عنها.
 
نهايةً هذه ليست دعوة لا للتشبث بآرائنا ولا للتراخي في مبادئنا، ولكنها دعوة للتوازن: فلنكن صريحين في خياراتنا، ولنغيرها إن لزم الأمر، الأهم أن نهيئ أنفسنا دائماً لاحتمال عدم صحتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.