العقلانية الشديدة.. أبو حنيفة النعمان أنموذجاً

مدونات - تاريخ علماء

قبل أن أبدأ الحديث عن عقلانية الإمام أبي حنيفة النعمان -رحمه الله- لابد أن أذكّرَ بأن العقلانية المقصودة في هذا المقال هي عقلانية الإتباع والاجتهاد، المبنية على نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وليست تلك العقلانية المرفوضة المذمومة التي تعتمد على العقل المطلق، "كالعقلانية اليونانية"، أو حتى تلك التي تأويل تأويلاً بعيداً مخالفاً للشرع الحنيف كعقلانية "المعتزلة" مثلاً.

 

عود على بدء.. عاش الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- حياته ما بين العلم والتجارة بالبيع والشراء، مُهتماً بالحياة السياسية ما بين العصر الأموي إلى العصر العباسي، ومُهتماً أيضاً بحال حكامها، مُنَزِّلاً حُكمه الفقهي على الواقع باجتهاده الذي قل له نظير!، مُتفتِّح الدهن يعشق الحرية، له همة تستعصي على التقليد والتبعية.

 
غير أننا نلاحظ أيضاً على الأمام أبي حنيفة -رحمه الله- أنه كان تلميذاً وفياً لمدرسة أهل الرأي بالعراق على وجه العموم، ووفيا لشيخه "حماد" وارث علم هذه المدرسة على وجه الخصوص، إلا أنه -رحمه الله- لم يغلق ذهنه وعقله على ما كان يتلقاه من هذه المدرسة فقط، أو ما يتلقاه عن شيخه وكفى، كلا.. بل أطلق لنفسه العنان للاستماع إلى كل من كان له شيء من العلم محدثاً أو مفتياً به، بل جلس (لمناظرة) أولئك الذين كانوا يزيغون عن مذهب أهل السنة والجماعة، مناظراً لهم بالحج والبراهين، عاملاً عقله في تبيان الحجة وإرساء دليلها، حتى قال عنه الإمام مالك -رحمه الله-: "رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته".

 

من عقلانيته.. أنه لا ينقاد لعاطفته أبداً، فرأيه لا يصدر إلا عن قناعة عقلية تامة، وبناء على منهج اجتهادي اختاره لنفسه، حتى أنه كان يُقدر كل رأي أو فكر سديد بغض النظر عن مصدره

ومع هذا كله كان لا يجادل من أجل الجدال فقط، وحاشه ذلك، ولكن يجادل من أجل إظهار الحق، ولا شيء غير الحق، ولهذا نراه ينهى ابنه حماد أن يناظر في الكلام، فتعجب ابنه من ذلك بقوله: "كنت تناظر فيه وتنهانا عنه!"، فرد عليه بإجابة وافية شافية: "كنا نناظر وكأن على رؤوسنا الطير مخافة أن يزل صاحبنا، وأنتم تناظرون وتريدون زلة صاحبكم، ومن أراد أن يزل صاحبه، فقد أراد أن يكفر، ومن أراد أن يكفر صاحبه فقد كفر قبل أن يكفر"، قواعد في المناظرة وضعها عليه -رحمة الله- لا تغلق باب المجادلة بقدر ما تفتحها بضوابط محدودة من أجل الحق، وإرساء قيمه على النفس المجادلة قبل غيرها.

 
ومن عقلانيته.. أنه لا ينقاد لعاطفته أبداً، فرأيه لا يصدر إلا عن قناعة عقلية تامة، وبناء على منهج اجتهادي اختاره لنفسه، حتى أنه كان يُقدر كل رأي أو فكر سديد بغض النظر عن مصدره، حتى عرف عنه أنه يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال، ومن ذلك:
• عدم ميوله للفكر الشيعي بالرغم من حبه الشديد لآل البيت، وكذلك تتلمذه على كثير من مشايخهم، ولكنه لم يتبنى آرائهم سواء أكانت العقائدية أو حتى الفكرية، مما يوضح رجحان عقله وقوة بصيرته .
 
• وكذلك اختلافه مع شيخه "حماد" في كثير من المسائل بالرغم من إجلاله وحبه الشديد له، ولكن الإجلال والمحبة لم تمنعه من الاختلاف معه، ولم تمنعه أيضاً من الأخذ عن غيره من العلماء والارتحال إليهم، وكذلك لم تمنعه من مناقشته مناقشة شديدة حتى أنه كان يقول له: " لقد انتفخ جنبي وضاق صدري"، لكثرة الأسئلة التي كان يوجهها إليه أبي حنيفة، حتى أردفه قائلا: "أنزفتني يا أبا حنيفة".
 
• وكان لا يمالي الحاكم ويكره النفاق وخاصة للسلطان، حيث تحدى الخليفة المنصور بفتاواه، وأبطل شهادة وزير الخليفة الأول، وقال إن الوزير يقول للخليفة أنا عبدك، فإن صحت مقولته فلا شهادة لعبد، وإن كذبت فلا شهادة لكاذب. حُكم لا يصدر إلا من عقل راجح، يجعل من أراد الحكم بغيره يصعب عليه إبطاله.. عقلانية فدّه لو عددنا مناقبها لاحتجنا إلى عشرات المقالات.
 
وبالجملة.. فإن عقلانية أبي حنيفة النعمان -رحمه الله- جعلته يتعدى حدود العصر الأموي والعباسي في كثير من مسائله الاجتهادية، لتجعله يعيش بيننا باجتهاده وفتواه التي قل لها نظير، لأنه أوتي عقلاً متفتحاً وبصيرة وقّادة، تجعلنا اليوم في أمس الحاجة للاقتداء بسيرته .