إنما العلمُ ما نفع

blogs - books
قال الإمام الشافعيُّ رحمهُ الله: "لَيْسَ العِلْمُ مَا حُفِظَ، إِنَّما العِلْمُ مَا نَفَعَ".. وقال مالك بن دينار رحمه الله: "مَنْ لَمْ يُؤْتَ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَقْمَعُهُ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ لَا يَنْفَعُهُ".. وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

ما الفَخرُ إلّا لأهلِ العِلْمِ إنّهم على الهُدَى لمن اسْتَهدى أدِلَّاءُ
وَوَزْنُ كُلِّ امرئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُه والجَاهِلُون لأهلِ العِلْمِ أعداءُ
   
أحيانًا حاجة الإنسان إلى تعلُّم كيفية إعداد الطعام تكون أكثر من حاجته إليه، وهكذا يكون في حاجته لتعلُّم فنون ومهارات السباحة أكثر من حاجته لعبور اليابسة سالمًا دون مخاطرة، ليس ليخاطر بحياته ولكن لينجو في المرات القادمة!، وكما قالوا قديمًا "لا تعطني سمكة ولكن علّمني كيف أصطاد!".. لا تأخذ بيدي مرة واحدة ولكن خذ بيدي في كل مرة..
 
في الحديث الشريف عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم.
 
العلوم الشرعية هي واحدة من مئات العلوم التي يُمكن أن يُنتفع بها، فكل شخص يتقن عمله يمكن أن يحوله إلى علم ينتفع به، إلى أبحاث تخدم البشرية

كنّا قد تناولنا الجزء الأول من الحديث في المقال السابق (ازرع جميلًا في النفوس)، والآن إلى سُلم النجاة الثاني في الحديث أوعلمٌ يُنتفعُ به، يأتي العلم في المرتبة الثانية من مراتب النجاة في الرحلة إلى الآخرة، هو الإمداد الثاني من الثلاثة التي وردت، لأهميته وضرورته في بناء المجتمعات ورقيّها، فبالعلم ترتقى الأُمم، وبالعلم تنهض الشعوب، ويرتقي قبلهم الفرد على مستواه الشخصي، فيتطور وينتقل في كل مرتبة علم أعلى إلى مرحلة في العيش أفضل وأرقى.
  
انتقل العالم والبشر من مراحل بدائية إلى عدة مراحل، حتى وصلوا إلى هنا، إلى هذه النقطة التي نقف عندها الآن من تقدّم ومعرفة وتكنولوجيا غزت بقاع الأرض، سبب هذا التطور هو العمل الذي قدمه السابقون للأجيال التي تليهم، فأثمر هذا العلم إلى أن أنشأ حضارات ومجتمعات لم يكن لها وجود قبله، ولم تكن لتقوم لها قائمة بدونه.
 
اختلفت أوجه العلم وتعددت؛ فمنها المكتوب ومنها الملموس ومنها المسموع ومنها المتواتر، منها ما دام لنا مُذ خُطَّ، ومنها ما انقطع مع انقطاع صاحبه. هذا المكتوب الذي وصل إلينا من مئات السنين لنتعلم وننتفع به، صانه أصحابه، ورعوه حق رعايته فنفع الناس وانتفع به أصحابه، ولكن الكثيرون منّا لا يطأُ في أذهانهم أن العلم كي ينتفع به صاحبه لا بدّ أن يكون من الكتب في علوم الفقه والحديث وغيرهم من العلوم الشرعية.
  
إنّ العلوم الشرعية هي واحدة من مئات العلوم التي يُمكن أن يُنتفع بها، فكل شخص يتقن عمله يمكن أن يحوله إلى علم ينتفع به، إلى أبحاث تخدم البشرية، إلى تجارب قد تقدم شيئًا ملموسًا للبشر على أوجه اختلافاتهم وأعراقهم.
  
أن يتحول هذا العلم الذي تعلمته إلى علم نافع ينفع الأمة والمجتمع، أن يكون الهدف الأسمى من العلم أن ينتفع به، تكُن قد بلغت المرام منه، وقد ضمنت نبتةً زرعتها تُسقى كلما شرب الناس من هذا العلم الذي خلفته، تكن نبتةً حسنةً تنمو وتزدهر وتدوم إذا انقطعتَ أنت.
  

إن جعلنا المسجد منصة انطلاقنا إلى العالم، ستنشأ بيننا أجيالٌ واعية تعي أمور دنياها وتعلّمها، فتنفع الناس وتنتفع، إذا انقطعَتْ هي
إن جعلنا المسجد منصة انطلاقنا إلى العالم، ستنشأ بيننا أجيالٌ واعية تعي أمور دنياها وتعلّمها، فتنفع الناس وتنتفع، إذا انقطعَتْ هي
 

العلم النافع هو العلم الممتد الذي يخدم البشرية، يهيء للإنسان أسباب العيش ليكون خليفة الله في أرضه كما يجب أن يكون. وأمّا العامل، رُبما يفوق مرتبة العالِم. فهي موازين توضع لقياس مدى النفع الذي يعود من كلاهما، فرُبّ عامِل أتقن عمله بما يُرضي الله فيما ينفعُ النّاس، خيرٌ وألف خيرٍ من عالِم تعلّم ولم يبتغِ وجه الله، فتعلّم بما لا يرضي الله فيما لا ينفعُ النّاس. فالعمل بالعلم خيرٌ من العمل بالجهل، والعلم لا خيرَ فيه إن كان بلا عمل. وخيرُهما هو العمل بما عُلِّم.. وقبل هذا كله، لابد أن ينفعك علمك، فلا خيرَ في علمٍ لا ينفع صاحبه، حتى ولو نفع العالم أجمع!.
 
صنْعتك التي تُتقنها ليس عدلًا أن تمضي ولا تنتفع بها، علّمها بنية الانتفاع كي تعود عليك بنفع بعد انقطاعك عن هذه الدنيا، هوايتك التي تتقنها أيضًا يُمكن أن تكون نافعةً لك، لو صدقت في تعليمها وتوريثها للأجيال التي تليك.
  
كُل هذا العلم يحتاج إلى شيءٍ واحد كي يكون نافعًا حقًا؛ النيّة والإخلاص لله بأن يكون هذا العمل لوجهه نافعًا لخدمة دين الله وأهل الله في الأرض. إن الكثير من العلوم والاختراعات التي لا غنى عنها اليوم نفعت مليارات البشر، ولكن كانت لينقصها شيء واحدٌ؛ ألا إنه النية، وقبلها الإيمان بالله والتسليم له.
  
ولكن إن نظرنا نظرةً أخيرةً لهذا كله، نجد أن العلماء في المجتمع الإسلامي مع اختلاف أزمنتهم وعلومهم كانوا يخرجون من مكان واحد، إنه المسجد؛ المسجد الذي خرّج لنا أبا بكر الرازي وابن النفيس وابن الهيثم والخوارزمي وعباس بن فرناس، وغيرهم الكثير في مجالاتٍ شتّى. كانت المدارس بجميع مجالاتها جزءًا لا يتجزأُ من المسجد، جعلهُ السابقون منبرًا للعلوم باختلاف ألوانها، فأخرج لنا ثمرةً نبتت ونمت وأثمرت ثمرات لا نستطيع العيش بدونها في مجتمعاتنا.
  
إن عُدنا إلى ذلك، وجعلنا المسجد منصة انطلاقنا إلى العالم، ستنشأ بيننا أجيالٌ واعية تعي أمور دنياها وتعلّمها، فتنفع الناس وتنتفع، إذا انقطعَتْ هي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان