من الغوطة.. سوريا بعيون الأسد

في الثامن عشر من مارس الماضي الذي يوافق الذكرى السابعة للثورة السورية، كان "بشار الأسد" يحتفل كذلك؛ ولكن ليس بالثورة بل كان يحتفل بسحقها وإماتتها تمامًا. نشرت قناة الرئاسة السورية ثمانية مقاطع فيديو بعنوان "الطريق إلى الغوطة" تصور بشار الأسد وهو يقود سيارته الهوندا سيدان متجهًا إلى بلدة "النشابية" أول بلدة استردّتها قوّات الأسد من ثوّار الغوطة الشرقية في المعركة المستمرة منذ 19 فبراير الماضي.

 

 يتكلّم الأسد في هذه المقاطع الثمانية كما لو كان يحاور أحدًا عن يمينه. وفي حين يجلس رجل الكاميرا في الكرسي الأمامي بجانبه ليصوّره. لا تظهر الكاميرا أيّة مظاهر تأمينية لبشار الأسد وهو يقود سيارته في إيماءة تبدو مقصودة. إذ يبدو متحدثًا للكاميرا في استرخاء وثقة في استعراض للقوة والسيطرة على جغرافية لا تزال المعارك تدور فيها.

 

خريطة تظهر بلدة النشابية التي استعادها الأسد والتي بدأ منها رحلته (مواقع التواصل)


يقول في الفيديو الأول
مبينًا هدف رحلته: "بدنا نطلع على الغوطة نشوف الوضع…القوات المسلحة ليش هي عم تقاتل والمناطق يلّي اتحررت…ندخل الغوطة من الشرق من عند النشابية وصولاً لجسرين."

 

ثمّ يواصل متحدثًا عن بعض تفاصيل المعركة والمفاوضات، يقول: "جسرين كان بها قتال شرس…من أقسى المعارك خلال الأسابيع الماضية لكن اليوم بسقبا وكفر بطنا ربما يكون فيه تسليم فيه مفاوضات. دخل الجيش لجزء من هالمناطق، ممكن نحرره بدون قتال، وهذا هو الشيء الصح، لأنه فيه مدنيين نحافظ على حياتهن لأن المسلحين عم يستخدموهم دروع بشرية."

 

يستخدم الأسد استراتيجية الإنكار وقلب الحقائق. فالقصف الدموي والوحشي على الغوطة ببراميل الموت وبالمدفعية وبالطيران الحربي لم يتوقّف طيلة سنوات. هذا القصف الذي قتل سكّان الغوطة الشرقية وهم في بيوتهم لم يغادروها، وأصاب بعضهم بإصابات تعجيزية. وبخلاف القصف، كان ولا يزال حصار الغوطة وتطويقها الذي قطع شريان الحياة عن النّاس سببًا مباشرًا في تدهور الأوضاع الإنسانية. يوميًا، تبثّ الخوذ البيضاء مقاطع فيديو تظهر الدمار والخراب والأشلاء والقتلى والجرحى والآلام.

 

يعلم الأسد تمامًا ما اقترفت يداه، ولكنّه يكذب ويتحرّى الكذب في محاولة بلهاء لتسويغ جرائمه. "المسلحين عم يستخدموهم دروع بشرية" هكذا قال بشّار ببلاهة وهو متجه إلى الغوطة في سيارته الهوندا.

 

وصل بشّار إلى الغوطة والتقى بجنود الفرقة الرابعة، وتحدث إليهم مستمرًا في نسج الأكاذيب ومدعيًا لهم أنّهم يخوضون "معركة العالم"
 

ثمّ يعيد الأسد الخطاب المكرور حول "الدولة" وكيف أنّها المسوّغ الوحيد للشرعية. يقول وهو في سيارته الهوندا: "الناس بدها الدولة، عدا إنه الدولة هي الأب والإم لكل الناس وهي الجانب الشرعي في أي عمل سياسي أو عسكري أو غيره…" يحاول الأسد تصوير الثوار بالخارجين على الدولة أو الهادفين لتفكيكها، متجاهلاً في بلاهة كيف أنّه جعل نفسه هو الدولة.

 

سار الأسد بسيارته في المناطق التي استعادتها قوّاته وقوّاته الرديفة، كما تسمّى، وهي الميليشيات التي تتمتع بشيء من الاستقلالية وتقاتل إلى جانبه، مثل ميليشيا النمر وميليشيا أسود جبل محسن، وغيرهما. الطريق يظهر الخراب والدمار والفناء الذي لحق بالبلدات الغوطانية في إيماءة دالّة على السرور والاغتباط بفناء هؤلاء الناس الذين كانوا يهزون عرشه ويقضّون مضجعه.

 

وصل بشّار إلى الغوطة والتقى بجنود الفرقة الرابعة، وتحدث إليهم مستمرًا في نسج الأكاذيب ومدعيًا لهم أنّهم يخوضون "معركة العالم" كما يصوّر لنا فيديو آخر لقناة الرئاسة السورية.

 

تذكرنا هذه الزيارة بزيارة أخرى لبشار الأسد إلى داريا في 12 سبتمبر لعام 2016 في أول أيام عيد الأضحى بعد أن غادرها الثوّار، تظهره مغتبطًا مع حاشيته ومع مفتيه متجولين في داريا بعد أن قتلوا من استطاعوا ثمّ هجّروا الباقين. كان يهنئ "الشعب السوري" بعيد الأضحى في حين تتجول الكاميرا مظهرة الدمار والخراب والفناء.

 

بين الزيارتين لا فرق.. ما يظهر أمامنا في هذه المقاطع هو مستقبل مجهول لسكّان مجهولين لا نعلمهم سيستوطنون هذه الأرض على أشلاء أهلها بعد "إعادة تعميرها."



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

وجهت فصائل وفعاليات مدنية في الغوطة الشرقية رسالة إلى المجتمع الدولي قالت فيها، إن ما يحدث في المدينة المحاصرة هو هولوكوست آخر يرتكبه الرئيس السوري بشار الأسد والروس والإيرانيون.

ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن المستثمر السعودي الأمير الوليد بن طلال باع حصته في فندق "فور سيزنز" بالعاصمة دمشق لرجل أعمال له علاقات مع الرئيس السوري بشار الأسد.

قالت صحيفة غارديان البريطانية إن الرئيس السوري بشار الأسد فقد دولته، وإن المعارضة السورية لم تعد قادرة على كسب الحرب، وإن المدنيين السوريين فقدوا الأمل في كلا الجانبين.

الأكثر قراءة