لا تعيني الرجل على المعاكسات الإلكترونية

تتذمر بعض النساء المحافظات من "حركشات رجّالية" تتعرض لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي (الفايسبوك – الواتسآب…)، وتسمع من بعضهنّ خلاصة أن قلة من الرجال مَن يؤمَن جانبهم في هذا العالم الافتراضي. وبمعزل عن هذا الحكم الشمولي الخاطئ بحق الرجال، ومع استنكار تلك الممارسات التي يرتكبها بعضهم في هذا السياق، لكني – وبصوت الرجال – أودّ أن ألفت انتباه أخواتي النساء إلى أفعال عن حسن نيّة (ثلاثة خطوط تحت كلمة حسن نيّة)، يمكن أن تزيد من احتمالية وقوع تلك المعاكسات، وتحرك شيئاً في نفس مَن في قلبه مرض.

قبل البدء بعرض العوامل المساعدة، من المفيد الإشارة إلى حقائق، على المرأة أن تدركها وهي تتعامل مع شريحة متنوعة من الرجال على شبكة الانترنت، معتذراً من إخواني الرجال لكشف المستور من طبائعنا:

– نحن نعيش في مجتمع شرقيّ، وإن من أبرز صفات الرجل الشرقي في مجتمعاتنا العربية النخوة والشهامة، وتزداد جرعة العطف إذا كان الطرف الآخر: امرأة. "حنونين سبحان اللّي خلقنا".

– مهما علَت صفة أحدنا، من موقع دينيّ أو اجتماعي… فجميعنا معرّض للفتنة ولا معصوم منها، ولذلك ليس من الطبيعي التعامل بثقة عمياء عند التواصل بين الرجل والمرأة. وكما يقول المثل الشعبي "ما حدا على راسه ريشة".

السمت الذي تختارينه لصفحتك على منصّات التواصل له أثر كبير في توجيه مسار نظرة الآخرين لك، وتالياً شكل تعاملهم معك

– عالم الإنترنت لا مصداقية له، فليس كل ما نراه على الشاشة من اسم أو صورة أو معلومات معلنة عن الشخص.. هو حقيقي. حسن النية ليس هنا مكانه.

– من طبيعة الرجل (صاحب النيّة المضمَرة) في علاقته مع المرأة، أنه كلما نجح في كسر حاجز في التواصل، سيسعى لكسر الذي يليه. هذا مسار طبيعي.

– المقولة التي تردّدها بعض النساء بأن "عالم الإنترنت فيه كل ما تطلب من إسفاف أخلاقيّ وإباحية ونساء فاسدات، وإذا أراد الرجل العبث، فإنه يتجه إلى تلك المساحات المنحرفة، ولن يلتفت لنا نحن الملتزمات". سيدتي، اسمحي لي، هذه فكرة خاطئة.

 

سأكشف لك سراً عن تفكير شريحة من الرجال الملتزمين، نعم هم ينصبون حاجزاً منيعاً بينهم وبين ذاك المجتمع الفاسد، وهذا جميل جداً إلى هنا، لكنهم يوجّهون "جهودهم المباركة" إلى البيئة الملتزمة، لاعتقادهم أن الحركة فيها أحفظ للنفس وأستر من الفضيحة، فضلاً عن المساحة المشتركة في الاهتمامات بين الطرفين.

والآن، نعود لك سيدتي لنخبرك عن عوامل مساعدة، نعم هي ليست السبب الأساسي، لكن يمكن تخفيف تدخّلات الرجل بالمرأة في حال تجنّب تلك المفاتيح. أقول ابتداءً، إن السمت الذي تختارينه لصفحتك على منصّات التواصل له أثر كبير في توجيه مسار نظرة الآخرين لك، وتالياً شكل تعاملهم معك. نتحدث هنا عن هويتك التي تصنعينها بالممارسة، وليس الصفة المعلنة لشخصك الكريم.

لنبدأ ببعض الأمثلة، وسأحصر حديثي بحالات المرأة الملتزمة، وبالمقابل فإن أغلب من يتابع صفحتها هم محافظون إن لم نقل هم ملتزمون دينياً مثلها:

1- حين تضع أختنا "المحجبة" صورة لها (profile) بزينتها الفاقعة، أو مع حركة مياعة، أو إذا كانت ممّن وهبها الله جمالاً استثنائياً، فركزت على إظهار مفاتنها.. فهي هنا دفعت المتابع إلى التركيز على الشكل الأنثوي في الشخصية أكثر منه على العقل والفكر أو الجانب الإنساني.

لست مضطرة أن تردّي على رسالة وصلتك في "الفايسبوك" إذا كان الوقت ليلاً. ردّك في الليل يكسر حاجز خصوصيتك
 

2- ندخل صفحة بعض النساء فنجد صورة الـ (Profile) وردة جورية حمراء، ومنشوراتها تركز على الوجدانيات العاطفية.. الذي يحصل هنا أنها تكون قد أرسلت إشارة من حيث لا تدري إلى المتلقي (المراهق) بأنها امرأة رومنسية. وهذا يفتح باباً لمدّ جسور التواصل ممن في قلبه مرض. لا تستغربي يا سيدتي.

3- لا تقبلي كل طلب إضافة، وإذا كنت لا تعرفين الشخص طالب الإضافة، فمن المفيد أن تنظري في صفحته قبلاً، لعلك تتلمّسين شيئاً من شخصيته أو أخلاقه، فتقرري هل تقبلين الإضافة أم لا. فكما أن فضاء الإنترنت فيه الكثير من الفاضلين، فيه أيضاً الكثير من اللاهين، كمجتمعنا الحقيقي تماماً، بل ربما الذئاب هنا أكثر، بسبب انعدام خاصية المواجهة وسهولة الخداع من وراء حجاب.

4- هل تذكرين ما قلنا عن الرجل الشرقيّ؟ شهم مع المرأة. فماذا تتوقعين منه وأنت تحكي لنا عن هموم تعيشينها أو ظلم تتعرضين له أو وجع في قلبك.. شهامته الشرقية – رعاه الله – ستتحرك لنصرتك والتخفيف عنك.. والتتمة تعرفينها إذا جاريتيه في مسعاه الحميد.

5- تقوم البعض من النساء بتوزيع كتاباتها (على تويتر أو فايسبوك) عبر خدمة "البرودكاست" في "الواتسآب" إلى شريحة واسعة ممن عندها، وفيهم طبعاً رجال ونساء.. فتصل التغريدة أو "البوست" على هاتف فلان، الذي قد يراوده الشيطان في فتح تواصل شخصي من باب التعليق على الفكرة، أو مناقشتها أو الاستفسارات التي لا تنتهي. والأمر نفسه لمن ترسل الأدعية والمواعظ وما شابه إلى شريحة مفتوحة من المستقبلين، وفيهم رجال.

لا أحد يملك سلب حريتك سيدتي، عيشي كما يحلو لك، لكن لا تبدي انزعاجك من هذا الواقع وتتذمري منه، فأداؤك جزء من أسباب المشكلة
 

6- لست ملزمة بالردّ كل رسالة تصلك على الخاص في "الفايسبوك". ولا مانع من أن تنتبهي لصيغة الرسالة. فإذا كانت مثلاً: "السلام عليكم. كيف الحال؟"، هذه الصيغة تفتح باباً للأخذ والرد. الشخص الجادّ سيدخل في الموضوع مباشرة. ولا نعمّم.

7- لست مضطرة أن تردّي على رسالة وصلتك على "الواتساب" أو الخاص في "الفايسبوك" إذا كان الوقت ليلاً. ردّك في الليل يكسر حاجز خصوصيتك التي يجب أن تحافظي عليها. ويفتح باباً لأحاديث خاصة تتناغم مع رومنسية هذا الوقت.

قد تقول إحداهنّ هنا: لقد أتعبتمونا بعقدكم النفسية أيها الرجال، دعونا نعيش حياتنا كما نحب. وسرعان ما يأتيها الجواب من الطرف الآخر: لا أحد يملك سلب حريتك سيدتي، عيشي كما يحلو لك، لكن لا تبدي انزعاجك من هذا الواقع وتتذمري منه، فأداؤك جزء من أسباب المشكلة.

سيدة أخرى تقول: المرأة لديها الوعي الكافي لتدرك المخاطر، وهي لا تحتاج هذه المواعظ. أقول: نعم لا أعمّم بالتأكيد، لكن من يستخدم وسائل التواصل هم بناتنا وأخواتنا ونساؤنا وأمهاتنا.. وليس عند الجميع الوعي الكافي للمحافظة على السلامة. مهلاً، ثمة صوت من بعيد.. يقول إن ثمة رجالاً يتعرضون أيضاً لمعاكسات و"حركات" من نساء على وسائل التواصل! إذا كان هذا صحيحاً، فليس هو موضوعنا الآن. قد تكون له محطة أخرى.

ختاماً، أود التأكيد على أنني لم أسعَ في كلامي لتأمين تبريرات لهذه الفئة المشاغبة من الرجال، سامحهم الله.. وفي الوقت نفسه لا أحمّل المسؤولية للمرأة، لكن علينا أن ندرك أن في هذه الدنيا قانوناً اسمه: فعل وردّ فعل. حفظنا الله وأبناءنا من الفتنة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة