أيها الإنسان.. العالم ليس بمزحة!

إني أُخاطب فيكم عقولكم لا عواطفكم، وإني أؤمن بأن لكل منا "مُفكر" يقبعُ في عقله، يستطيع تحريكهُ إلاّ إذا فهم الإنسان مركزه في هذا العالم الذي ليس بمزحة أو لوحة ساخرة في الحياة ولا مسرحية كوميدية ولا حتى مهرج في سيرك. فأنت أيها الإنسان هل وقفت يومًا أمام نفسك وخاطبت ملكة الروح العاقلة فيك وسألتها من أنت؟ هل تحدّثت مع ذاتك في لحظة غرقٍ مع الحياة وطرحت عليها هذه الأسئلة: هل أنت نكرة؟ وأنت تستيقظ كالعادة في الصباح هل راودك السؤال القائل لأي هدف تستيقظ كل يوم؟ وأنت تشرح لنفسك مرة من المرات دون عمدٍ هل وُجدت عبثًا؟ من أنت ولماذا خُلقت؟ ماذا تفعل هنا ومن هو هذا العالم؟ أين أنت تحديدا وفوق أي أرض تقف؟ لماذا هذا المكان بالذات؟ هل هو اختيار منك أم اختيار القدر؟ ما سبب وجودك باختصار؟ لماذا الحياة إذا كانت النهاية الموت؟ ما الذي سأقدمه لنفسي وما الذي سأقدمه للعالم وللبشرية جمعاء؟

 

حين أكشفُ عن جسدي ألا أسأل أهو ملك لي أم ملك للجميع؟ حين أمجد الحرية ألا أسأل ماهي حدودها؟ حين أرى الجوع والفقر، والتشرد والحرب والقتل وكل معاجم الظلم دون حراك ألا أسأل هل أنا إنسان؟ ما الإنسان؟ حين تمارس الرذيلة ألا تسأل عن الفضيلة ماهي؟ حين تتعطى الأفيون "المخدرات" في لحظة اللاوعي ألا ينتابك سؤال من ماذا أهرب؟ هل هروبك من نفسك إلى لا شيء أم هروب من الواقع الذي لا تعرف من أنت فيه؟ وإلى متى ستبقى في اللاوعي؟ عند إقدامك على الانتحار ألا تسأل نفسك وأنت تضع الحبل على عنقك إلى أين ذاهب؟ وهل سأجد حياة أجمل بعد الموت؟ وإن وجدت حياة أتعس وهذا المنطق أستطلب الله أن يعيدك إلى العالم الذي هربت منه؟ أيهم أخطر؟ ألم تسأل أهذه روحي أنا ملك لي أم هي ملك لله فقط؟

 

سبق أن وصف نجيب محفوظ مجتمعنا اليوم قائلا: "انظر من النافذة فلا أرى غير بقر ترعى" كما وصفه "ديكارت" في كتابه "التأملات" قائلا: "انظر فلا أرى غير قبعات زرقاء"

حسنا! لا شك أن مسألة حقيقية ارتبطت بوجود الإنسان ووجود هذه الأسئلة، الشيء الذي دفعنا أن نُمعن النّظر في عالمنا قبل وُجودنا فيه. فطبيعة هذه الحقيقة أراد الإنسان اليوم تجاوزها عمدًا وبسبق إصرار لكي يعيش عيشة هامشية كوميدية ولو أنها غير ذلك تماما فالنهاية مفزعة تنتحر في لوحة واقعية رسمها رسام فهم الواقع. لا يدرك إنسان اليوم من هو؟ لكي لا يصطدم بالواقع أو لكي لا يتقابل مع " نفسه" لكي لا يتعرى له واقعه المرير الهامشي جدا.

 

من الإنسان؟ هذا السؤال الجوهري جدا الذي نغص على ذاته أن يمعن النظر أكثر في ماهيته التي تزداد توحشا مع فهمه لنفسه الأم. فهل أن خضم هذا التأجج الكوني الذي سببه الإنساني لا غير كان سببه الأول والأخير تخاذلنا الغير مبرر؟ أو لأن لغة الشيطان فينا تمرّدت إلى أن جعلت من أنفسنا شيطان متكاسل بامتياز؟ إن العالم ليس مزحة أولهم أنت، وجودك أيها الإنسان ليس صدفة وليس عبث أو لمجرد الخيال. إننا وجدنا لأننا خلفاء فوق هذه الأرض. فقيمتك كبشري في هذا العالم محور لكل سؤال تطرحه على نفسك وتجد له إجابة. أنت الذي تستطيع أن تبتكر خطابك الخاص حين تعلم أن وجودك شيء مصيري وفاعل في المجتمع وفي العالم. تؤسس بدورك تقنيات شخصية يمارس من خلالها معرفتك الخاصة بكل شيء يدور حولك. إن خمولك هاوية وعجز لا غير ذلك، صمتك يقتل جمال روحك، وحياتك التي تلهو فيها ليست ملكا لك بل تصبح السخافة بعينها وستحتقرك روحك. إن تعاملك مع العالم كمزحة دائمة هو مشروع فخ يترصد ذاتك لتدميرها وتزيفها على الأقل في عين نفسك.

 

لقد استهلكت أيها الإنسان نفسك بنفسك تصورا منك أنه إذا قابلت العالم بالسخرية تجد العالم عبدك المتساهل معك وتتعامل معه أيضا كلعبة مبرمجة تخال أنك تقودها وفي الحقيقة هي التي تقودك. فتصلبت معرفتك بذاتك وبالأخر وبالعالم الذي بات يتعامل معك كأنك صنم لا أساس لك ولا لوجودك. فهل يمكن حقا التأمل ببلوغ تلك اللحظة التاريخية التي فيها يمكن بناء نفسك خارج كل نماذجك السابقة؟ سؤال أخر جوهري لك، فإن حالة الهلع الراهن والركود الفكري كان وراء نماذج رأسمالية برمجت الإنسان حسب قمع المعرفة واستبدال العقول البشرية الواعية بعقول مبرمجة لا تسأل وتعيش في اللاوعي. فإن اضمحلال التشكيلات الفردية القديمة وعدم قدرة أحداثها، وهي تلك التي عاصرت هجمة التحليل النفسي التي جعلت من النفس يدور مركزها في دائرة من اللذة إلى الرّغبة إلى الشهوة. فجعلت منك كائن بشري حيوان غريزي لا مفكر، بل يفكر عن طريق الشهوة.

  

 

إن مجتمعنا اليوم الذي سبق "لنجيب محفوظ" أن وصفه قائلا: "انظر من النافذة فلا أرى غير بقر ترعى" أو كما وصفه "ديكارت" في كتابه "التأملات" قائلا: "انظر فلا أرى غير قبعات زرقاء". إن هذا المجتمع الذي ارتبط بالوجود البشري الذي يسكن مجرى الخيال ويرفض الواقع والعودة إلى جذوره باحثا عن الراحة التي تحمل الكسل والانبطاح ويتعامل مع العالم كأنه نكتة ولا يقف مع نفسه بجديّة أو كأن العالم مدرسة المشاغبين وهو في الحقيقة "شاهد ماشفش حاجة". إنسان يحبذ الصمت على الحقيقة، النوم على العمل والإبداع، يتجاوز الحرية ولا يقف عند حدودها ويعيش كالقطيع. إن الإنسان اليوم كالصورة التي تضع الواقع نصا مفتوحا أمامنا يسهل فهمه خارجيا لا باطنيا ويمكن لنفس الصورة أن تنسج جسورا وهمية جديدة للتواصل مع اللاشيء في عالم يعج بالشيء.

 

اعلم أيها الإنسان أن العالم ليس مزحة أولهم أنت، فنحن نعيش ألم جماعي سببه العجز والخمول وغض النظر عن الأهم، فبتنا نتساءل هل أن الأمر يجرنا أن نتخلى عن أنفسنا إذا ما علمنا أن أساس الاستيقاظ من هذا السبات يتطلب منك أيها الإنسان الإجابة عن نفسك؟ لقد ظل الإنسان اليوم متأرجح بين الوجود والمنشود بين البقاء والرحيل. إذ أن هذا الوجود العلائقي هو وجود يقودنا إلى الحيرة، إنها حيرة المصير. لندرك في النهاية ان عالمنا شريان مفتوح يلزم الإنسان على البقاء بين الجدية وقليل من امزح وبين المزح وهذا ما جعل من عالمنا العربي في القاع لا يرى النور لأن بشاعة الإنسان رُسمت فوق وجهه.

فما الذي يمنع الإنسان من المراهنة عن إنتاج إنسان مشرف يستطيع أن يفهم أن العالم ليس مزحة أولهم أنت؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قتل 32 مدنيا بينهم 15 طفلا وأصيب العشرات في قصف لقوات النظام السوري وروسيا على الغوطة الشرقية، بينما دعا مفوض حقوق الإنسان زيد بن رعد لإنشاء محاكم لمحاسبة المنتهكين بسوريا.

قال مسؤول أميركي كبير إن الرئيس دونالد ترمب سيحث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أثناء مباحثاتهما المرتقبة في واشنطن الثلاثاء على أن تقوم الرياض بدور قيادي لحل الأزمة الخليجية.

الأكثر قراءة