أسطورة الصعايدة

أكثر الناس الذين تعرضوا للظلم على مدي عصور.. وأكثر المدن إهمالاً على مدى عدة عقود وعلى مدى فترات حكم مختلفة.. فلماذا كل هذا الإهمال والكره لأهل الصعيد؟ على مدي سنين وأهل الصعيد يعانون من الإهمال والفقر، ولا ينالهم من حظ المدن في شمال مصر إلا الفتات.. فنرى أن أغلب المغتربين خارج مصر من الصعيد، يسافر ليجني مالاً يؤمن به مستقبله ومستقبل أولاده في بلد لا ليس لهم فيها مستقبل، ليس لهم فيها إلا الإهمال والظلم. بينما لا يجد الأهالي من واقعهم ما يدخل علي قلبهم السرور والسعادة.. فإنهم يتجهوا إلى التلفاز لعلهم يجدوا ما يخفف عنهم مشقة الحياة.

 

المضحك المبكي في هذا أنهم يشاهدون مسلسلات في التلفاز تدور أحداثها في الصعيد فيستمتعون بالمشاهدة دون التدقيق في حقيقة هذا الأمر.. هل ما يدور في هذه المسلسلات حقيقي فعلاً؟ أم أن هذا من ألاعيب الأنظمة التي تحكم؟ وفي الحقيقة أكثر ما يدور في هذه المسلسلات إلى يومنا هذا ليس بالحقيقي، هم يسلطون الضوء على أسوأ الأشياء ولا يعرضون سوى ما يقول أن أهل الصعيد ليس لهم إلا في القتل وتجارة السلاح والمخدرات بدلاً من تسليط الضوء على مشاكلهم ومعاناتهم. ما يدور في وسائل الإعلام سواء في المسلسلات أو البرامج غرس في أغلب الناس هذا الانطباع عن أهل الصعيد.. فنجد أن أشخاص من المدن الأخرى في مصر غرس فيهم هذا الانطباع، وهذا الأمر قد شاهدته وعايشته شخصيا كفرد من الصعيد.

 

عندما تلتقي بأحد الأشخاص الذين ليسوا من الصعيد أو تسكن معه في مكان ما وأنت شخص من الصعيد تراه لا ينفك أن يقف لك على كل فعل تفعله ومناداتك "يا صعيدي".. لا أعرف هل هي صفة ليست حميدة أم أن هذا الشخص لديه خلل في عقله؟! تراه يسخر من لهجتك ومن تصرفاتك الطبيعية الغير متكلفة والتي قد يكون يفعلها هو الآخر لكن حلال له وحرام على الصعيدي، تصرفات شخص كهذا تجعلك تشعر كأنك تتعامل مع طفل صغير عقله ليس مكتمل النمو.. هو أخذ كل هذا الانطباع من المسلسلات..

 

لماذا هذه الإهانة البالغة لأهل الصعيد؟ لماذا هذا الإهمال في حقهم؟ هل هم فعلاً جاهلون ولا يستحقون العيش مثل بقية الخلق؟ إن كانوا كذلك إذن فمن أين خرج سيد قطب؟

فعلي سبيل المثال يستفزك لتتعصب أو يخالفك الرأي في أمر بسيط لا يحتاج إلى خلاف فيجعلك تصر على رأيك، كل هذا ليقول لك في النهاية "أصل أنت صعيدي". لم يقتصر الأمر على المصريين فقط فهناك بعض العرب لا يعرفون شيء عن مصر أو عن الصعيد إلا من خلال المسلسلات التي يشاهدونها. حدث معي موقف مع شخص سوري قابلته في تركيا، فسألني من أيّ مكان أنت في مصر؟ فقلت له من الصعيد، فرأيته تعجب كثيراً وقال لي: كيف؟ أنت لست مثل ما نراه في المسلسلات عن الصعيد، لماذا لا تلبث العمة والجلباب؟ لماذا لهجتك ليست مثل ما نراه في المسلسلات؟ هل لو ضايقتك ستضربني أو تطلق عليّ النار؟.. يقول لي كل هذا وأنا لا أعرف هل أضحك أم أحزن على هذه السمعة السيئة التي السبب فيها هي هذه الأعمال الدرامية..

 

كان من الواجب عليّ أن أوضح له الشيء الذي أحاول أن أوضحه يومياً للمصريين الذي يسكنون معي لكنهم لا يستوعبون.. قلت له أن ليس كل ما تراه في التلفاز صحيح، هذه المسلسلات لا تسعى إلا لتدمير الصعيد وتشويه سمعته وقد نجحت في ذلك بالفعل.. بالنسبة لنا نحن مثلنا مثل المصريين الآخرين لكن الاختلاف يكون في اللهجة أو في بعض العادات والتقاليد.. وأيضاً تلك اللهجة التي ترونها في المسلسلات لا يتكلمها إلا أباءنا وأجدادنا وليست موجودة بشكل كبير الآن. وأيضاً نجد في أغلب المسلسلات الأخرى أن من يقوم بدور "بواب العمارة" هو شخص من الصعيد ودائما ما يكون غبياً وجاهلاً ودائما ما يهان من السكان. في الحقيقة أن أكثر الأبراج السكنية التي في القاهرة أو في المدن المشهورة هي لأفراد من الصعيد، ليس كما يأتي في المسلسلات.

 

إذن لماذا هذه الإهانة البالغة لأهل الصعيد؟ لماذا هذا الإهمال في حقهم؟ هل هم فعلاً جاهلون ولا يستحقون العيش مثل بقية الخلق؟ إن كانوا كذلك إذن فمن أين خرج سيد قطب؟ ومن أين خرج طه حسين وعمر مكرم وغيرهم الكثير؟ الفترة الوحيدة التي بدأ فيها الاهتمام بالصعيد كانت فترة ما بعد الثورة حتى الانقلاب العسكري. كانت ميادين محافظات الصعيد ممتلئة بالناس مثل ميادين القاهرة.

 
ثم في أول تجربة ديمقراطية حقيقية عرفتها مصر كان لمحافظات الصعيد النصيب الأكبر في الأصوات التي دعمت الرئيس محمد مرسي. لم نشعر بأننا لنا كرامة وحرية إلا في هذه الفترة.. توسعت مداركنا وعرفنا ما يدور حولنا من أحداث ومن متغيرات، ثم أتى الانقلاب العسكري فقضى على هذا الحلم الذي لم يدم طويلاً.. فبدأ الانتقام من محافظات الصعيد بالمحاكم العسكرية وبالقبضة الأمنية على محافظات الصعيد. علي سبيل المثال لا الحصر: المحافظة التي أنا منها وهي محافظة المنيا تضم تسعة مراكز، جميع تلك المراكز لهم قضايا في المحكمة العسكرية، أي أن هناك مئات الأشخاص قد أحيلوا إلى المحكمة العسكرية.

 

كل هذا يحدث لأهل الصعيد وهم لا يقابلوه إلا بالصبر والتحمل لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أقرت الحكومة المصرية مشروع موازنة السنة المالية الجديدة التي تبدأ مطلع يوليو/تموز المقبل، إذ يقدر عجزها بـ24.6 مليار دولار ويمثل 8.5% من إجمالي الناتج المحلي.

تناولت صحف بريطانية قضية استغلال التاريخ أداة لتحقيق مآرب سياسية قصيرة الأجل، وقالت إن هذا الإجراء "الساذج والهمجي" يكشف الطريقة التي يشوه بها الحكام المستبدون التاريخ كما في مصر.

استحواذ سامسونغ على "كنجن" المصرية يعتبر تتويجا لرحلة عربية ناجحة تحمل إشارة أن العرب لن يكونوا مستوردين فقط لتطبيقات الذكاء الاصطنـاعي، وإنما قادرين على المشاركة في إنتـاجه خلال السنوات المقبلة.

الأكثر قراءة