هوكينغ واتحاد ملاك الجنة

Stephen Hawking arrives at the UK premiere of the film

نعي إلينا قبل أيام، وفاة عالم فذ قلما حظيت البشرية بمثله، وفجع العلم والعلماء فيه فجعا شديدا، وذلك أنهم مقدرون لحجم إنجازات هذا الرجل العظيم، وحجم مساهماته في إثراء الساحة العلمية بالبحوث الناجعة، والأسئلة المصيرية ودافعه الأساسي في ذلك انشغاله بمصير العنصر البشري، وفضوله حول نشأة الكون وطبيعة تفاعلاته.

 

غير أن هذا الحدث الأليم والحزين لم يتناول بنفس الطريقة من طرف الجميع، حيث أن هناك بعض شركائنا في هذا الكوكب من لم يسمع باسمه من قبل إطلاقا، وغاظهم كل هذا الترضي والحفاوة التي لقيها هذا الرجل، وبعد بحث سطحي لبعض المواقع العربية والإسلامية، اكتشفوا أن الرجل ملحد لا يؤمن بإله ولا دين، ومن الطبيعي أن يكون هذا الاكتشاف العظيم هو ما يعلق في أدمغتهم الصغيرة، التي لم ولن تسع أطروحاته العلمية ولا نظرياته حول العالم ومكوناته، وعكفوا على انتقاد والانتقاص من كل من ترحم أو نعى أو حتى نشر صورة للراحل ستيفن هوكينغ، زاعمين أنه كافر وسوف لن يدخل الجنة ومنهم من دهب لتأثيم من ترحم عليه بحجة أن ذلك يقوي شوكة الكفر والإلحاد، وهو مما لا يخدم الدين في شيء.

 

إن كان هناك من شيء ينبغي أن يثار حول هوكينغ فهو عبقريته، وطريقة تفكيره، وأن نعرج على نظرياته العلمية ونستشف أهميتها ونتصفح مقالات أهل الاختصاص فيها

طريقة تفكير واستنتاجات تنم عن قرون من التسطيح والجمود لنشاط خلايا الدماغ، إلا أن ذلك لم يتأتى من فراغ، بل كان اعتمادهم الكلي فيه على فتوى علماء دين، يستنبطون الأحكام على أهوائهم ومصالحهم الضيقة، ولعل عصرنا هذا أكثر العصور التي كشفت معادن علماء البلاط ومشرعي هوى السلطان، فالحق حق إلى أن يقول السلطان غير ذلك والعكس صحيح، ولمن أراد البينة على ادعائي أقول، دونكم العربية السعودية بلد الحرمين ومهد الرسالة انظروا إلى حالها ومآلها اليوم.

 

ولمن يقول أن كل من ينعي ستيفن هوكينغ، لا يعلم شيئا عن نظرياته ولا فائدتها أو تأثيرها في حياتنا اليومية أقول، أن أهمية هذا الرجل وقيمته لدى عامة الناس وخاصتهم نابعة من أنه مهموم بمصير الجميع على هذا الكوكب، ومعياره في ذلك وازعه الإنساني فقط، حيث أنه لا يحجب علمه واستنتاجاته عن المسلم أو المسيحي ولا يخص بها طائفتا دون غيرها، بل هو يعلم يقينا أن ما يمتلكه من معرفه، من الواجب عليه مشاركتها مع العالمين، وهذا منهج ديننا الحنيف وسنة رسولنا الكريم الذي قال عن الشيطان صدق وهو كذوب، ومنه نتعلم أن الحق أحق أن يتبع وأن يشكر صاحبه أيا كان، لا أن تأذنا ذواتنا وتأخذنا الحمية بالإثم، ونعود لأفعال وأقوال الجاهلية من جديد.

 

وإن كان هناك من شيء ينبغي أن يثار حول الرجل فهو عبقريته، وطريقة تفكيره، وأن نعرج على نظرياته العلمية ونستشف أهميتها ونتصفح مقالات أهل الاختصاص فيها، كي تألف عقولنا ومسامعنا مصطلحات من قبيل النظرية النسبية لأينشتاين، وإشعاع هوكينغ وهو ما يعد أحد أكبر إنجازاته، حيث برهن على أن الثقوب السوداء يمكن أن ترسل إشعاعا وبالتالي تعطينا معلومات دقيقة عن بداية الخليقة، الشيء الذي خالف فيه نظرية النسبية القائلة بأن الثقوب السوداء تبتلع المادة ولا تصدر شيئا وهو ما يجعلها لا تفنى، قبل أن يعود ويتراجع عنها بموضوعية وأمانة علمية منقطعة النظير، حين اكتشف أن هذه النظرية ستخالف قانونا فيزيائيا أصيلا، وهو مبدأ أن "الطاقة والمادة لا تفنى ولا تستحدث، بل يتم تحولها من صورة إلى أخرى "ليطرح السؤال الجوهري المتمثل في "مفارقة المعلومات " الذي لم يلقي له أحد بالا من قبل.

  

 ستيفن هوكينغ (رويترز)
 ستيفن هوكينغ (رويترز)

 

هذه المعلومات وغيرها، هو ما ينبغي تداوله ومناقشته، علنا به نحي عقولنا من جديد ونستشعر عظمة الخالق، ونزداد إيماننا به وبسننه في الكون، ولن يتأتى لنا ذلك إن لم نتخلص من غرور المتدين الذي أصبح يشكل عائقا بين العالمين ودينهم، وينبغي أن لا نمن على الله إسلامنا فهو يقول عز وجل في سورة النساء الآية 123 "لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا"، أي أنك إن كنت مسلما أو مسيحيا فهذا لن يزيد أو ينقص في ملك الرحمان من شيء، وليس به نضمن الجنة ومفاتيحها، وندخل فيها من نشاء ونخرج منها من نشاء.

 

و يقول عز من قائل في سورة البقرة الأية 62 "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" رب العباد في هذه الآية وضع معيارا جوهريا للفلاح والفوز برضاه، ألا وهو صالح الأعمال، لذلك ينبغي أن لا نستبعد دخول أينشتاين وهوكينغ أو غيرهم الجنة، فذلك بيد الله وحده، كلهم عباده وهو بهم أعلم، ويقول عز وجل كذلك في سورة الكهف الآية 103 و104 "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا" ومن هذه الآية نستشف أن ما نضنها أعمالا صالحة، تقربنا من الله ومن الجنة، قد تكون أعمالا ضالة ومضلة، لذلك وجب علينا التحلي بالتواضع الإيماني وأن ندع الخلق للخالق وإن سأل أحدنا الجنة فليقل اللهم أدخلنا الجنة برحمتك.