الطريق إلى الإنسانية

blogs الاجئون السوريون

يسقط على مرتبته التي كانت جنة الراحة بالنسبة له، متعبا كمن عاد من معركة، والعرق يقطر من جبهته وفي كل قطرة منها قصة كفاح! تلقي عليه زوجته التي هد تنظيف البيت ظهرها نظرة بعينيها اللتين اغرورقتا بالدموع، نظرة الحزن والألم عنوانها، والحرقة والندم لبها، والعتاب والحسرة مفادها، وفي قلبها تضارب عنيف وحرب ضروس بين مشاعرها، وعقلها، لا يخفف آلامها بل يزيد النار تأججا بتساؤلات لم يحن الأوان لإسكاتها، أين ذلك الشاب الذي فتنني جماله ومظهره؟ أين اهتمامه ونظراته التي ذوبت قلبي؟ أين أمواله وبضائعه التي أغرقتني بالحلي والمجوهرات وكل ما تمنينه من ذهب وفضة؟ أم علي أن أقول أين والده الذي دللله؟ من يدري أين والده الآن؟ إن أفضل حال لوالده الآن هو أن يكون رأسه لا زال قريبا من جسده، أو أن يكون دفن في نفس الحفرة التي وضع فيها جسده.

 

تجلس سمية بجانب زوجها إبراهيم لتلطف جو الألم السائد في الغرفة، ببقايا شخصيتها المرحة وروحها الجميلة التي عرفت بها قبل بضعة أشهر، تخترق حسرات إبراهيم وذكرياته هدوء القبر الذي يجلسان فيه قائلا: آه يا سمية، أين خيرات الشام التي كنا نتمرغ بها؟ أين بضائعنا التي ملأت أسواق حلب ونادى الباعة على أبواب الجامع الأموي باسمها؟ (تقاطعه سمية) قائلة: خيرات الشام؟! عن أي خيرات تتحدث؟! لم تكن هناك أي خيرات في الشام سوى خيرات التجار فاحشي الثراء كوالدك، الذين لم يبق من أموالهم وأهلهم سوى الرماد! كل ما فيك تغير إلا طبيعتك الكسولة اللامبالية التي أعمتك من قبل عن رؤية حاجات الناس ومعاناتهم، والتي ستعميك مجددا، ولكن من يدري إلى أي مصير ستقودك في المرة التالية؟! لكني متأكدة من شيء واحد، وهو أني لن أغرق معك مجددا في أحد مستنقعات الذل واليأس…

 

تخرج من الشام مع زوجها سيرا على الأقدام وقد استطاع أن يحمل معه صندوقا فيه قطع من الحلي التي كانت الأمل الوحيد في البقاء في عالم الهلاك ذاك…

لحظات الصمت في نقاشهما غلب عليها صوت قطرات الماء الساقطة من السقف الرطب. يرد إبراهيم على توبيخ زوجته التي التهمتها حرقة قلبها بكل هدوء وبرودة أعصاب وفي داخله صوت مكبوت يصيح: يا ليتك تشعرين بما مررت به! قائلا: كيف يمكن لي أن أوقف حربا ستقع؟ ترد سمية: لا أطلب منك أن توقف الحرب بل أن تكمل دراستك الثانوية أو أن تبحث عن فرصة عمل بشكل جدي.

 

يقول إبراهيم مستنكرا: وما الذي كنت أفعله منذ بضع ساعات؟! تقول سمية: أتسمي ما كنت تفعله بحثا عن عمل؟ لقد كنت تتسكع! لم أر أحدا قط يبحث عن عمل بعد الظهيرة بقليل ثم يرجع قبل أن تتدلى النجوم بخيوط الليل فوق الخلائق، ألا ترى الطير تحلق باحثة عن رزقها قبل شروق الشمس ولا ترجع إلا بعد أن تنال مرادها وتؤمن قوتها وقوت صغارها؟ ولكن سمية أسمعت الأحياء إذ نادت ولكن، لا حياة لمن تنادي. ثم يطلب منها الطعام، فتأتي به سمية وما عساها أن تفعل سوى أن تذعن للأمر الواقع، وتوكل أمرها لله عسى أن يفتح لها بابا حسبته من شدة اليأس لم يخلق بمفتاح.

 

يستيقظ الصغير على أصواتهما باكيا ولكن يا ليت آلام الكبار كبكاء الصغار، تسكن بحضن الأم الدافئ أو ببضع تمتمات من قلب حنون… بعد أن هبط الليل تسكن الأصوات وتهدأ، وتتلألأ الأضواء، فتجلس سمية تستذكر آخر لحظاتها في الشام فتمر عليها لحظات خروجها منها، آه كم كانت سريعة، كانت تجلس في بيت أهلها بكل هدوء وسكينة حتى دمرت أصوات الحرب عليها ذاك الهدوء، لحظات وبدأت أخبار تتطاير كالشرار بتجمع قوات ومدفعية على أبواب مدينتهم تستعد لقصفها ودخولها، ولكن الحرب كانت أسرع من أخبارها، فيسمع صوت انفجار تلاه انهيار ولكن لا أصوات بكاء أو نحيب، إنها حرب إبادة ولن يبق من يبكي أو يبكى عليه، لقد كان منزل جيرانهم، يسرع كل من في الدار إلى الخروج منها دون أن يحملوا أي متاع، لم يكن الموت سيمهلهم حتى يحملوه!

 

نزلوا بسرعة على الأدراج والقذائف تتهاوى حولهم، تودع سمية والديها دون قبل أو أحضان، فتدفع في سيارة تحاول الهرب ونظرات الألم في عينها لفراق والديها الذين دفعا بها حفاظا على حياتها! وكالعادة في الحروب يحاول الناس أن يخرجوا النساء مع أطفالهم أولا حتى لا يلحقهم شيء من العار، تكتظ السيارة التي يقترض أن تسير بخمسة أشخاص كحد أقصى بعشرة يحاولون التشبث بخيط الحياة، تنعطف السيارة بسرعة لتفاجأ بطريق سدته أكوام الجثث والركام! يغير السائق مساره محاولا الوصول إلى الطريق السريع، ونظرات سمية تتحرك يمنة ويسرة محاولة استيعاب بعض من الصور في أثناء حالة اللااستقرار تلك، لتصعق بحقول الرماد والأشجار المحروقة وجداول الدم!

 

كيف للشاب الذي لم يعركه الدهر ولا زال يتعرف على قدرات الحياة وطاقاتها العجيبة في طحن الناس وتعذيبهم أن يصارعها؟ 
كيف للشاب الذي لم يعركه الدهر ولا زال يتعرف على قدرات الحياة وطاقاتها العجيبة في طحن الناس وتعذيبهم أن يصارعها؟ 
 

قد تكون سمية لا زالت تحمل أملا برؤية والديها لكن روحهما انتقلت قطعة واحدة لكن جسداهما لم يفعلا! تنقل سمية من سيارة إلى أخرى لتقابل زوجها في المكان الذي همس لها والداها عنه. لم تدر المسكينة ما حل وراءها أو ما سيحل بها! لكن في تلك اللحظة كل ما أمكنها رؤيته من بعيد كان الطائرات التي راحت تنهي الحياة التي بدأتها النجوم يوما ما… راحت تنقض على المنازل والأحياء والأطفال لتلقي مناجل الموت التي صارت تسلب الأرواح زمرا زمرا! تخرج من الشام مع زوجها سيرا على الأقدام وقد استطاع أن يحمل معه صندوقا فيه قطع من الحلي التي كانت الأمل الوحيد في البقاء في عالم الهلاك ذاك…

 

مع امتداد خيوط الشمس في اليوم التالي يخرج صاحبنا يجرجر نفسه باحثا عن عمل بعد أن أقنعته سمية بالخروج باكرا لعل الحياة تبتسم لهما وتعيد بعضا من رونقها ورحيقها لذاك البيت الذي تتداعى جدران المحبة فيه يوما بعد يوم، يستجدي إبراهيم أصحاب المحال التجارية لعل أحدهم يشفق عليه ويعطيه فرصة عمل ويفتح أمامه بابا من أبواب الرزق، لكن الحياة لم تعد وردية وظهرت في صورتها الحقيقية التي كانت مخفية عن إبراهيم، وها هي ذي ما لبثت أن كشرت عن أنيابها وأظهرت قواها الشيطانية عليه.

 

لكن كيف للشاب الذي لم يعركه الدهر ولا زال يتعرف على قدرات الحياة وطاقاتها العجيبة في طحن الناس وتعذيبهم أن يصارعها؟ وأقل ما يقال بأن إبراهيم الساعي للحرب دون سلاح العلم أو الحرفة سيتجرع كأس الذل حتى يسترد أبسط حقوقه الإنسانية التي سينساها في القريب العاجل محاولا إيجاد الطريق إلى الرزق…

 

لقد صارت الشمس في كبد السماء واشتد حر الظهيرة والتعب على صاحبنا، فيجلس على جانب الطريق عله يستعيد بعضا من طاقته التي ضاعت واستنفدت من البحث عن عمل، تمر عليه الذكريات على حالته تلك كأنه الحلم ولم يبق في يديه شيء منه، يستذكر أيام الرخاء والدلال، أيام الراحة وعزة نفسه، أيام الخير التي يحسد عليها، لكن كابوس الحرب سرعان ما دمر عليه حياته الرغيدة.

 

الأبطال الحقيقيون لا يرتدون الأزياء الملونة، لا يرتدون الأوسمة أو تحيطهم الشعارات الرنانة، بل هم حولنا، نعم حولنا! وأقرب مما نتصور، لكنهم يرتدون الملابس المتسخة البسيطة

(يقاطع رجل سمين ضخم طويل القامه عليه لحظات الهدوء تلك) قائلا: ما الذي تفعله عندك يا هذا؟ وما غايتك من الجلوس هنا؟ (يجيب إبراهيم بنبرة هادئة مرتعدة وقد انفض من مكانه) لا شيء يا سيدي كنت أبحث عن عمل لا أكثر (يرد عليه الرجل بذلك الصوت الخبيث الذي كان أشبه بنعيق الغربان) قائلا: عمل؟! أظن أنني أحتاج إلى عامل يعينني في دكاني (يقفز إبراهيم من مكانه وقد طار قلبه من الفرحة قبل جسده) أجل يا سيدي أنا جاهز لعمل أي شيء- لم تكن هذه فرصة عمل بالنسبة له بل كانت بصيص أمل في استرداد بعض من كرامته بعرق جبينه – يجيب صاحب محل الخضروات بصوته الخشن: ستعمل عندي مقابل مئة وخمسين دينارا شهرياً لا أكثر، وستعمل طول الأسبوع من ساعات الفجر حتى منتصف الليل، عدا يوم الجمعة فسيبدأ عملك بعد الظهيرة – أعانني الله عليك – والآن ماذا تقول هل قبلت؟

 

(لقد كان باديا على وجه إبراهيم تبدد جزء من سعادته التي كانت تشع من وجهه منذ بضع ثوان بعد ما سمع عرض التاجر المستغل، لقد أراد امتصاص دمه! لكن ما عساه أن يفعل فهو الشاب الذي لم يحمل العلم أو الحرفة ولا يمتلك خيارا أخر فيوافق على ذاك العرض الشيطاني وسرعان ما سيسقط معه شطر من كرامته، يبدأ العمل من فوره ومعه تبدأ رحلة عذاب تمتد آثارها طول حياته!

 

يرجع صاحبنا إلى بيته متعبا مرهقا وقد تلاشت معالم شخصيته الكسولة اللامبالية فقد تعرض منذ بضع ساعات لإحدى الصخور في الطريق إلى الإنسانية، يقدم لزوجته كيسا حوى بعض الفاكهة والخضار فتسر أيما سرور وتسعد أيما سعادة، فقد فهمت المرأة اللبيبة بأن زوجها حصل على وظيفة أو ما يسمى وظيفة، لأنه حصل على مقعد خاص في عالم العبودية ولكن زوجته لم تدري بذلك ولم تدر بأن جزءً من كرامته قد ذاب في ذلك الكيس، لكن كيف لها أن تهتم بشيء أخر بعد الفرحة التي جنتها للتو، فتسرع تتقافز كأنها الغزالة في أنحاء البيت لتحضر الطعام لزوجها الذي كبل لسانه من هول صدمة العبودية المقبل عليها.

 

الأبطال الحقيقيون لا يرتدون الأزياء الملونة، لا يرتدون الأوسمة أو تحيطهم الشعارات الرنانة، بل هم حولنا، نعم حولنا! وأقرب مما نتصور، لكنهم يرتدون الملابس المتسخة البسيطة، أوسمتهم السواد الذي يغطي أوجههم وأيديهم، وشعارهم: دس على كرامتك لتعيش! وجوائزهم شتائم في الصباح وشتائم وإهانات في المساء، هذا حال من اضطره الفقر للعمل مع الحرفيين الذين للأسف غالبيتهم العظمى من قذارة المجتمع أخلاقا ومعاملة. إبراهيم ليس إلا شخصا عاديا لكن الطريق الذي سلكه غالبية الناس لم يعجبه، ولم يقبل به لذا مهد طريقه الخاص للعيش الكريم وكان شعاره لما تبقى من أيام عمره، سأعيش إنسانا أو أموت وأنا أحاول!

 

بعد شهرين من العمل في العبودية ينهض فيه الأسد النائم، وتستيقظ روح الإنسانية الغائبة لتدرك أخيرا مكانتها في هرم الحياة وأن الله كرمها ورفع منزلتها فكيف لها أن ترضى بكل ذاك الذل الذي تجرعته؟! لقد آن الأوان وحانت اللحظة! كل ما تبقى هو الشراة، وما أسهلها في دركات الحرفية! بينما هو غارق في عمله، يحمل صناديق الخضراوات وينقلها إلى داخل الدكان يلقي عليه صاحب العمل إحدى توبيخاته المعتادة وتمر معها إحدى الشتائم، قد يبدو موقفا عاديا لتكرره لكنه في الواقع غير عادي وكان بالنسبة لإبراهيم بداية النهاية للعبودية التي ذاق فيها أشنع آلام حياته، تستوقفه كلمات الرجل وبكل هدوء يضع الصندوق الذي كان يحمله أرضا، ويلتف إلى الرجل قائلا: لو سمحت عاملني باحترام، فأنا رجل مثلي مثلك لم يحملني على هذا العمل سوى ما أمر به من ظروف. يرد الرجل بكل سخرية قائلا: أنظروا من تذكر أنه إنسان! متمما عبارته بضحكة قصيرة تافهة. يرد إبراهيم بكل ثقة قائلا: لم أنس يوما أني إنسان ولا زلت لكني لم ولن أهتم بمثلك من الأشخاص! يستشيط الرجل غضبا فيرفع حدة النقاش بإحدى السموم التي يطلقها فمه وقد بدأ الشعور بانهيار كيانه بالتسلل إلى داخله قائلا: هيا هيا أكمل عملك وكفى ثرثرة!

 

قد نكون أثقلنا عليكم بإقامتنا هذه ولكم من بعد الله فضل توفير المأوى والملجأ من الحرب لنا لكن المأوى لا يعني أن تذل أخاك الإنسان
قد نكون أثقلنا عليكم بإقامتنا هذه ولكم من بعد الله فضل توفير المأوى والملجأ من الحرب لنا لكن المأوى لا يعني أن تذل أخاك الإنسان
 

لا تبدو أي بوادر تجاوب على إبراهيم، ويتصنم مكانه فيعيد عليه الرجل قائلا: ألم تسمع ما قلت؟! أم أنك أصم! يكتفي إبراهيم بتحريك شفتيه بجملة بسيطة: لن أتحرك حتى تعيد النظر في حساباتك وتعاملني باحترام! يرد الرجل؟! أعاملك باحترام!! أنت وأمثالك من اللاجئين دمرتم وطننا وسلبتم رزقنا، أبعد ذلك كله تريدون أن نوظفكم ونعاملكم باحترام؟! فيرد عليه إبراهيم بألسنة من شردوا وعذبوا وهجروا وقتلوا وجوعوا، يرد عليه بلسان أمة قائلا: قد نكون أثقلنا عليكم بإقامتنا هذه ولكم من بعد الله فضل توفير المأوى والملجأ من الحرب لنا لكن المأوى لا يعني أن تذل أخاك الإنسان وتمتص دمه وتمن عليه بما تظنه فضلك ولتعلم أن الله سيسألكم عن ما عانيناه في دياركم وحتى ديارنا لأننا جسد واحد، ولتعلم أيضا أننا لم نأخذ رزقكم ولم نسلبكم إياه فالأرزاق بيد الله! وأظن أنني اكتفيت من هذا العمل هات ما تبقى من أجري ولتبحث عن شخص غيري ليتمه. سقطت كلمات إبراهيم على صاحب الدكان كالقنابل ورأى أنه لن يستطيع مجاراته في النقاش أو أن يستمر معه في العمل فشخصيته العزيزة أصبحت عبئا عليه، فيعطيه أجره وما زالت عيناه مصدومتين من الموقف.

 

يخرج إبراهيم تاركا وراءه مكانا آخر حصل فيه على مزيد من الذكريات الأليمة فيدور في نفسه نقاش فيه صوتان، أحدهما يعطيه الأمل والقوة للعودة إلى وطنه عله يحصل على خبر عن والده أو نظرة تنسيه بعضا من آلامه، والصوت الآخر يقنعه بالبقاء وتجرع الذل مع المحافظة على حياته، لكن حجة هذا الأخير كانت ضعيفة وروح الشباب في إبراهيم لا زالت متقدة وحماسة قلبه لا تزال تدفعه إلى العودة للوطن! فتخطر بباله فكرة ظن أنها الحل الأمثل: سأعود إلى وطني علني أحصل على خبر عن والدي ثم أنطلق في عرض البحر إلى مستقبل أفضل! على الأقل تلك كانت النظرية. لقد عزم لم يبق عنده شيء ليخسره، سوف يترك هذا المكان الذي شرب فيه كأسا من الذل، ينظر إلى جهة الشمال مقسما أن يعود، لقد رأى فيه بابا للأمل!

 

يعود إلى المنزل بعد أن ملأه إصراره وعزمه قوة، يخبر زوجته بما جرى معه ويوضح نواياه في السفر في عرض البحر إلى مستقبل أكثر توهجا فتوافقه الزوجة التي شربت من نفس الكأس حاملين معهما أملا بحياة أفضل لابنهما خلف الأفق…

 

ما هي إلا ساعات حتى جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، ظن أن له في البحر أملا، ظن أن البحر أهون عليه من وحوش الأرض، وكان فعلا كذلك فقد أخذ روح الطفل ووالديه بكل رحمة ورفق

ما هي إلا ساعات حتى جاوز الحدود ودخل الشام من جديد، يلتقي هناك بصديق له عزم السفر معه فيركبون السيارة متوجهين إلى الشاطئ فيستوقفه إبراهيم قائلا والحماسة تتقافز بين عينيه قائلا: صبحي! أتدري ما حل بوالدي؟ يجيب صبحي: ليس لدي أدنى فكرة ولكن أرجو أن يكون فارق هذه الدنيا عله يستريح منها! لم يلبث أن قال هذه الجملة حتى قاطعه إبراهيم بقوله: إذا لست متأكدا من حياته أو وفاته! قال صبحي: لا، ولكن فيم تفكر؟ قال إبراهيم أتركني هنا سأوفيك في الغد علني أرى والدي! قال صبحي: والدك!! أين ستبحث عنه!! قال إبراهيم: في أي مكان وبأي طريقة!!

 

بعد النقاش الذي جرى بينهما يتفقان على أن ينزل إبراهيم في مكان قريب من مدينته وقريب من الشاطئ، فيودعه صاحبه بجملة صغيرة: تسلل خلف الركام ولا تصدر صوتا! لم يفهم إبراهيم مغزى صاحبه من هذه العبارة لكن سرعان ما اقترب من عتبات مدينته حتى فهم معناها، همست زوجته في أذنه: ظننا أن ما تركناه كان دمارا.

 

استمر في البحث عن والده لمدة يومين وبعد رحلة البحث تلك استطاع أن يحصل على خبر مفاده: أبوك مات! يترك ذاك الخبر وراء ظهره ويتوجه إلى شاطئ البحر المتوسط ليلتقي بصديقه ولكن رصاصة مجهولة المصدر فجرت رأس صديقه وإبراهيم ليس قادرا على أن يحيى الموتى فيبدأ رحلة صعبة في مواجهة أمواج البحر العاتية في قارب أشبه بعارضة خشبية، يصمد قليلا أمام الأمواج لكن ما هي إلا ساعات حتى جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، ظن أن له في البحر أملا، ظن أن البحر أهون عليه من وحوش الأرض، وكان فعلا كذلك فقد أخذ روح الطفل ووالديه بكل رحمة ورفق…

 

في ساعات النهار الباكر تستلقي ثلاث جثث على شواطئ البحر المتوسط جنبا إلى جنب لتترك صورة ظلية ساحرة حوت فيها كل معاني الحب والتكاتف بين الأسرة الصغيرة تلك، لكن أكثر ما ميزها هي تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجه إبراهيم والتي زاد من جمالها شمس يوم جديد ومستقبل عله يكون أجمل من الحاضر الذي يغتصب النساء ويذل الرجال ويخطف أرواح الأطفال…

 

تختفي النخوة عندما نرى معاناة اللاجئ ونسكت، وتتلاشى الغيرة عندما نرى النساء يغتصبن والأطفال تسلب أرواحهم، وتجرد الإنسانية من كل معانيها عندما يصبح البحر الهائج والموت الهادر خير أمل ومهرب من وحوش البشر..