الأعداد والكمية باتت أهم من المضمون والمعنى، واسمك أصبح أهم من المادة التي تقوم بكتابتها، وفحوى النص الذي تكتبه أصبح يشترط أن تقحمهُ بالغريب والموحش والأعجمي من الكلام ليظهر للقارئ بشكل عصري يتماشى مع أسلوب حياتهُ وأحلامهُ المتسارعة وأفكاره المستوردة من أقصى بقاع العالم.
إن كتبت الواقع قالوا سوداوي، وإن أصبحت ناقد قالوا شيوعي، وإن عارضت أحد الأطراف وقلت الحق قالوا دفعوا لهُ وأغروه بالأموال والهدايا ليكتب عنهم بمِشرط طبيب التجميل ويجمل كل أعمالهم ومشاريعهم ويرسم صورة مشرقة أمام جمهور القرّاء عنهم، وإن لم تقل فأنت كاتباً لا تحمل سوى قلماً أخرس، إن أشَادَ قلمك بعمل شخصية سياسية وتناولت مشوارهُ بصورة إيجابية، أو رأيت زاوية مشرقة لواقع مأساوي سوف تمر كلماتك مرور الكرام أو هنالك من يبذل عناء قراءة السطور الأولى وآخر يمر عليها وكأنها لم تكن، بينما الفضائح والمواضيع ذات النقد والجلد للواقع والمجتمع والساسة تلقى كل التصفيق والصدى .كلما هولت وأكثرت من مِلح الدراما وسكر المثالية وصلت أسرع لجمهورك في أعلى الصفحات الإلكترونية، وفي مقدمة المقالات التي تزين الصُحف اليومية.
كل هذا ستواجههُ وأكثر بكثير عندما تقرر خوض مسرح الكلمة..! وفي أحياناً أخرى إن حصل وأصبح لقلمكَ صوتًا وصدى وحياة، وجمهورٌ لا بأس بهِ ينتظرك بذات الشغف الذي ينتظر فيهِ قصيدةْ شعرٍ أو رواية .هنا لن تسلم من سهام النقد البناء أو السلبي على حد سواء لكن هذهِ المرة من زملاء المهنة قبل القرّاء، وإن وقفت بحياد طوال الوقت متخذاً من كلماتك شعاع أمل وخير وسلام قالوا عنك ذلك المحايد الجبان لا يجرؤا على كتابة سطراً واحداً بضمير خوفاً من أن يتسبب في طردهُ من عملهُ وغياب أعمدتهُ..!
| نحن بحاجة لمن يعيد فتح صفحات الماضي بما تحملهُ من قصص وحِكم وعِبر ومغامرات وتجارب وأمثال وحملها إلى الجيل الحديث وربطها بما نعاصرهُ في أيامنا هذهِ |
في فضاء باتت المنافسة فيهِ لغير المختص قبل صاحب الاختصاص فالكلمة اليوم يكتبها المهندس والطبيب والرسام والفيلسوف ثم الصحفي. وعلى الرغم من ذلك سوف تبقى أنت من تُحاسب بينما الآخرين مجرد هُواة. افتراضات وفرضيات سوف تواجهك عندما تقرر خوض مجال العمل الصحفي بأشكالهُ وشَكلياتهُ والكم الكبير من المجاملات الزائفة التي تفرض عليك بين حينٍ وحين، ومدى قابليتك على المقاومة والتأقلم من دون أن تغير جلدك وفق عالمك الجديد الذي قد يجعلكَ كاذباً في حين، وصادقاً لحد الزيف في حيناً آخر ومراوغاً يحاول الوصول للهدف الحقيقي في أحياناً أخرى.
كل تلك المعاناة يواجهها الصحفي والكاتب الذي يوجه قلمهُ صوب قضايا الناس وحقائقهم من دون الإطار الروتيني الذي قد يكون محل فرض رأي من قبل حراس البوابة الذي بات وجودهم شبه معدوم في فضاء العالم الرقمي والإنترنت، والمدونات والمنصات التي تهتم بحرية التعبير والرأي وتسمح للكُتاب والصحفيين والهُواة في إطلاق العنان لأفكارهم الإبداعية في التعبير ورسم وتلوين وبناء مقالاتهم وكتاباتهم بأسلوب مبتكر أكثر جمالاً وحيوية وقُرب للقارئ من تلك الأساليب التقليدية التي جعلت القرّاء في مرحلة مضت يصابوا بالتخمة والملل من الصُحف والمجلات التي تأخذ اسلوب طابع القالب الواحد من تكرار ذات الرموز والرسائل والأفكار بتلك النمطية التي ما عادت تجذب جمهور كبير بغية التواصل معه ومناقشة قضاياه أو المساهمة في خلق و طرح معلومات جديدة تحاكي تطلعاتهُ وأفكارهُ ورؤيتهُ للواقع والمستقبل.
نحن بحاجة لمن يعيد فتح صفحات الماضي بما تحملهُ من قصص وحِكم وعِبر ومغامرات وتجارب وأمثال وحملها إلى الجيل الحديث وربطها بما نعاصرهُ في أيامنا هذهِ، فالصحفي قادر على أن يطرح كل يوم فكرة مختلفة وحكايا مختلفة.. كل ذلك لن يتحقق في الصحافة الكلاسيكية إلا بالتغير الخَلاق وبتوفير بيئة مُناسبة في سَبِيل طرح الموضوعات والأفكار المتنوعة بأساليب وطرق فنية مبتكرة وحديثة لتتماشى مع ما وصلت إليه الصحافة العالمية اليوم بكافة مجالاتها وتعدد موضوعاتها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

