حليمة البسمة

blogs بلال رامز بكري صورة

وُلِدَتْ في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر للميلاد. عاصرت الحربين العالميتين، وطال بها العمر حتى شهدت بدايات الحرب الأهلية اللبنانية في السبعينيات. عاشت حياةً مديدةً وحافلةً بالأحداث على صعيد العائلة والقرية والوطن، وتوفِّيَت عن عمر ناهز المائة وتسع سنين. تعلَّمت القرآن في الكُتَّاب بعكّا في فلسطين، عندما كانت بلاد الشام برمّتها لا تزال تحت راية السلطنة العثمانية، وكانت من القلّة القليلة التي تجيد القراءة في قريتها كامد اللوز في ذلك الزمن. وهذا أمر لا يُسْتَهان به أبدًا. فمجرّد "فكّ الحرف" كان يُعَدُّ إنجازًا من أعظم الإنجازات في منطقة محرومة كالبقاع الغربي في القرن التاسع عشر. وفي حالتها، فإن إنجاز تعلّمها القراءة يُضاف إليه إنجاز آخر: كونها أنثى. فالأمية كانت القاعدة التي تسري على الذكور والإناث في ذلك العصر، والمتعلّمون كانوا نادرين جدًّا -وغالبيتهم من الذكور- ولربّما كانت حليمة المتعلّمة الوحيدة من بنات جنسها آنذاك.

 

كانت حليمة الفرد الأخير من عائلة "أبو سعيد" التي انقرضت بوفاتها. أمّا "البسمة" فهو اللقب الذي ورثته عن أمّها بسمة، التي كانت ذات شخصية ملفتة للانتباه أيضًا. لم تَرِثْ حليمة عن والدَيْها قوة الشخصية فقط، ولكنها ورثت أراضي جعلت منها واحدة من كبار المالكين في كامد اللوز. اجتمع لديها ما تيسّر من العلم مع ما تيسّر من المال، فصارت سيّدة لها حضورها في مجتمع ذكوري شديد المحافظة ومحروم من العلم والمال. فلم يكن أمام شباب ذلك الزمن من فُرَص إلا المحراث أو الهجرة. وقد هاجر الكثير من الشباب إلى القارّتين الأمريكيتين في بدايات القرن العشرين، وكثير منهم انقطعت أخبارهم.

 

كانت من مريدي الطريقة الشاذلية اليشرطية، وهي طريقة صوفية أسّسها الشيخ علي نور الدين اليشرطي في أواخر أيّام السلطنة العثمانية، وجعل من عكّا مقرًّا له ولأتباعه. وقد سمحت لها شخصيتها وقراءتها للقرآن الكريم بأن تفوز بالحظوة والمنزلة الرفيعة لدى "حضرة سيدنا"، وهو لقب شيخ الطريقة لدى مريديه، وأن تنعم بتقدير واحترام إخوانها المريدين. فالمريدون يتعاطون مع بعضهم البعض بلقب "أخ"، وهي أُخُوَّة ربّما كانت تتفوّق على أُخُوّة الدم.   وكما هو معهود لدى المتصوِّفة، فإنّ حليمة كانت من محبّي أهل البيت، علمًا بأن الطريقة الشاذلية اليشرطية تنتمي لأهل السنة والجماعة. وقد كان مفتي بيروت مصطفى نجا، رحمه الله، من أتباع الشيخ علي نور الدين اليشرطي. 

 undefined

كانت حليمة مؤمنة حريصة على أداء العبادات من صلاة وصوم وصَدَقات حتى آخر أيّامها. وكانت مُوَاظِبَة على تلاوة القرآن الكريم. بَلَغَتْ من الكِبَرِ عتيًّا، لكنّها تنعّمت بعقلها وحضور ذهنها حتى الرمق الأخير. وعندما حضرتها الوفاة، طلبت إلى أهل بيتها أن يديروها باتّجاه القبلة، كما تروي جدّتي أم محمد رحمها الله (والتي توفاها الله تعالى في منتصف العام ٢٠١٦).

 

في صورة بالغة الدلالة من السبعينيات، تظهر حليمة البسمة بعصبة الرأس السوداء، كما جَرَتِ العادة في ذلك الزمن، جالسة على كرسي وسط رهط من كبار القوم في مجتمعها حينذاك: الشيخ الهادي اليشرطي (وريث جده نور الدين في مشيخة الطريقة) وثلاثة من كبراء دولة جُزُر القُمُر بإفريقيا (من ضمنهم رئيس الدولة نفسه ورئيس الوزراء)، الذين كانوا أيضًا من أتباع الطريقة اليشرطية.

 

حليمة أبو سعيد هي جدّة جدّي، وقد عاشت لتشهد وفاة حفيدها _أي جدي_ الذي لبّى نداء ربه قبلها بثلاث أعوام (وهو الرجل الأطول في الصورة أدناه، منتصب القامة بالزي العسكري). فقَضَتْ أيامها الأخيرة وسط زوجة حفيدها وأبنائه (أي جدتي ووالدي وأعمامي وعمّاتي). والمعلومات التي ذكرتها هنا عن "ستي حليمة"، كما كان يناديها أحفادها، أخذت معظمها شفهيا عن والدي (ابن حفيدها) حفظه الله.

 

ويذكر التاريخ أن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني كان من أتباع الطريقة الشاذلية اليشرطية. وهناك وثيقة تاريخية هي عبارة عن رسالة بعثها السلطان عبد الحميد إلى شيخه، يعبّر فيها المريد -الذي كان يتبوّأ أعلى منصب في السلطة الزمنية في العالم الإسلامي آنذاك- عن إجلاله وتوقيره وخضوعه لمرشده الروحي بتعبير رمزي يستغني عن الشرح والتوضيح: تقبيل اليد. في نصّ هذه الرسالة تظهر جليًّا شكوى السلطان من أطماع الصهيونية في أرض فلسطين وعزيمته الصارمة في عدم التنازل عنها أو التفريط بها.

 

ولا تزال هذه الطريقة الصوفية موجودة حتى أيامنا هذه، وإن فقدت الكثير من عزّ الأيام الخالية ومن مجدها التليد. ومركزها الحالي هو في العاصمة الأردنية عمّان، وشيخها من سلالة علي نور الدين اليشرطي. فمشيخة الطريقة ظلّت في عقب مؤسّسها. ومريدوها منتشرون في أربع رياح الأرض.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان