logo

ابني مغن.. ابني فنان

يتابع بعض المشاهدين العرب بنوع من الاستهجان والملل أو بمتعة ربما، هذه الأيام برامج تلفزيونية مستنسخة للعربية، والتي سمح منتجوها الأصليون بنقلها إلى ما يناسب البيئة العربية إن جاز التعبير، دون الإخلال بمفهوم البرنامج الأصلي، أو هكذا يشاع، وأغلبها برامج تأتي على شكل مسابقات تنافسية إما في الغناء أو في غيره، ويأتي المتسابق من الصغار والكبار  بكامل أفراد عائلته، ويبدو أن هذا تقليد أو إلزام من جهة أصحاب البرنامج الأصلي أيضا، فنجد أفراد العائلة هذه تدعم ابنها أو ابنتها المتسابقة بكل حماس وجدية وتذرف الدموع بغزارة في حال الخسارة والطرد، ويقفز المنتصرون ويصرخون في حال الفوز والربح.
 
وأريد أن أشير هنا إلى الرسالة التي تحاول هذه البرامج أن توجهها إلى الأسر وخاصة الغربية منها، إذ إن أغلب الشباب لديها أصبح لا يهتم بالمفهوم التقليدي للأسرة الطبيعية، فتم خلط المرح بمفاهيم غابت عن الحاضر، لكن هناك اهتماما عاما بالرجوع إليها. وأكبر البرامج الناجحة والجذابة للشباب هي برامج الأغاني بمختلف مسمياتها، وهذه النظرية قد أكدها أحد مؤسسي هذه البرنامج: "ذا إكس فاكتور" وهو سايمون كاول البريطاني الجنسية وأحد محكمي برنامج "بوب أيدول" و"إكس فاكتور" الذي يبث حاليا في القنوات العربية، وتأكيدا لذلك أيضا فإن جائزة المسابقة لم تقدم أبدا لمتسابق قدم وحده أو لم يهتم لأحد من أفراد العائلة حتى ولو كان جيدا.
 

لا يجب أن تكون خلاصة الجينات الوراثية للأمة العربية، الغالبية السائدة فيها للشباب، إما من فئة المغنين ولاعبي كرة القدم أو من المتشددين أو الدواعش، وهؤلاء هم الأشهر على الساحة الإعلامية الآن

وهذا المفهوم العظيم لأهمية أهلنا في حياتنا هو الحقيقة التي توصل إليها الغرب، "أيقونتنا " وقدوتنا في هذا الزمان بعدما انحرف عن المسار الطبيعي في تجريب نوع مختلف من العلاقات الأسرية. وأعتذر عن استخدامي لهذه الأمثلة البسيطة لإيصال مفهوم عميق وقوي كالرابط بين الأهل والأبناء، ولكن مقتضى الحال والواقع الفعلي يجعلنا نتذكر الأشياء هكذا. 

 
تلك المفاهيم البسيطة في شرح ماهو سائد ومتقبل هذه الأيام تشير إلى ظاهرة الأبناء الدواعش، وهي فكرة مناهضة للفكرة الأولى عن الأبناء المغنين. ففئة الدواعش لا تهتم بما تقوم به الأولى، أو كانوا يهتمون ولكنهم سئموا كل ذلك واتجهوا اتجاها مغايرا وجدوا فيه الخلاص والنجاة كما يعتقدون، ولكنهم أيضا أبناؤنا ونحب أن نفتخر بهم وهم ينهون دروسهم ويتزوجون وينجبون أبناء صالحين يخرج منهم عمر آخر يعدل في هذه الأرض التي ساد فيها الظلم والعنت واضطهدت فيها نوق الحجاز وعثرت فيها شياه بغداد، ولا نحب أن نراهم أو نسمع عنهم في نشرات الأخبار والمواقع السياسية، أذرعهم في غير أماكنها وأمخاخهم تغطي الإسفلت عندما يقومون بتفجير أنفسهم أو يتم صيدهم وضبطهم من قوة أمنية في محاولة ردعهم عن دهس الأبرياء، وبالطبع لا أحد يطرب لذلك أو يتحمس لفوز الابن في هذا السباق، ولا يتم دعوة الأهل في الغالب.
 
أبناؤنا تحت أعيننا، نحن من ندرك أن هذا سوف يصبح فنانا عندما نسمعه يغني أو يعزف على آلة موسيقية، ونعرف أيضا ما سوف يؤول إليه ابننا المتطرف، الذي يذهب بالمنطق إلى مذهب آخر. نحن كأهل نعرف ونحس ونشم الابن الضال أو الذي سيصل إلى مرحلة اللاعودة، نستطيع أن نردهم بالحسنى إن استطعنا، وإذا عجزنا فهناك ألف طريقة لا تؤذي أيا من الأسرة أو الابن الذي يتطرف في سلوكه، أيا كان هذا الانحراف أو التطرف، ولا أدعو هنا إلى أن يتجاهل الأهل أهمية الوعي الديني السليم الذي سنه نبينا محمد صلى الله عليه و سلم في الاعتدال والوسطية في كل الأمور، فمغريات العصر وفتنه عظيمة والقابض على دينه كالقابض على الجمر.
 
ولا أريد أن أعظ فلست مخولة لذلك، ولكن لا يجب أن تكون خلاصة الجينات الوراثية للأمة العربية، الغالبية السائدة فيها من الشباب، إما من فئة المغنين ولاعبي كرة القدم، أو من المتشددين أو الدواعش، وهؤلاء هم الأشهر على الساحة الإعلامية الآن. وفي كلا الحالين، نحن ندري عن أبنائنا الكثير -وخاصة الأمهات منا- إلا إذا كنا مغيبين أو لا نكترث من الأساس، وللذين فعلا يهتمون بمصير فلذات أكبادهم، عليهم القيام بدور واضح وواحد، إن كنا جميعا فعلا نريد أبناء بارين بأواطنهم ومن قبله بارين بنا كأفراد، علينا متابعتهم وفتح أعيننا على أوسعها حفاظا على الأمانات التي في أعناقنا من البنين والبنات. 


حول هذه القصة

ما زال العديد حول العالم وفي عالمنا العربي بالأخص أسير الرؤية التقليدية الساحرة عن المدرسة بكونها مكان العطاء والعلم والحكمة وأحيانا التربية، إلا أن لعلماء علم الاجتماع التربوي رأي مخالف!

من المدارس التي لبت دعوة وزارة التربية والتعليم للغضب مدرسة بنات رام الله الثانوية حيث ألقت الطالبة شهد أبو عرب كلمة مؤثرة عن حال القدس وآلامها وتفرد الاحتلال بها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة