أربع مقولات.. هوامش على رحيل ستيفن هوكينج!

blogs ستيفن هاوكينج

سال في هذا الأسبوع المنصرم مداد كثير حول وفاة العالم الفيزيائي ستيفن هوكينج، وليس ذلك بمستغرب نظرا لما تمثله هذه الشخصية المثيرة للجدل من رمزية، فالحديث عن رحيله، أشبه ما يكون بقمة الجليد لبحر من المواضيع المترابطة (الإلحاد، الدين، العلم والإيمان، الآخرة، الجنة والنار، النظرة للآخر/الكافر، المصير الغيبي.. إلخ) ولهذا فالحديث عنه وعن أمثاله لن يتوقف اليوم ولا غدا، لأسباب كثيرة ليس أقلها أن هذه الأسئلة شغلت البشرية منذ الأزل ولا زالت تشغلها إلى اليوم.

 

وقد زاد في تداولها ظاهرة السيولة الفكرية التي يعيشها الناس اليوم، حيث الصراع بين الطرح الديني في مقابل اللاديني، والمواقف الراديكالية في مقابل اللاموقف، ومساحة الاشتباك الثقافي التي وفرتها وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلفها الإنترنت. وهنا بودي أن أسجل مجموعة خواطر وأفكار أثارتها نقاشات سابقة وذكرني بها هذا النقاش.

 

1- المقولة الأولى: ليست بأيديكم مفاتيح الجنة!
المسلم الواعي الفاهم لدينه، لا يملك مفاتيح الجنة، ولا يدعي ذلك، ولكنه يملك تصورا واضحا لهذه الحياة ودوره فيها، ورحلته بدءا من وجوده وانتهاء بمصيره المحتوم

لا أحد يُقرّر من يدخل الجنّة ومن يدخل النار. هذه بدهية يعرفها أطفال المسلمين، ويعرفون أنّ الله عزّ وجلّ {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ}، وأنّه سبحانه {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، لا يتدخّل البشر بشيء من ذلك، هو الذي يفصل بين الناس يوم القيامة. لكن هذا لا يمنع المسلمين من التعبير عن اعتقادهم الواضح أن "الملحدين في النار"، وأن يتحدّثون عن الآخرة والجنة والنار في سياق وفاة ملحد مشهور؛ فهم يعبّرون عن "حُكم اعتقادي" لا يجوز لهم اعتقاد غيره، ولكنّهم لا يعبّرون عن "حُكم قضائي" يترتّب عليه حتمًا دخول الناس النار!

 

المسلم الواعي الفاهم لدينه، لا يملك مفاتيح الجنة، ولا يدعي ذلك، ولكنه يملك تصورا واضحا لهذه الحياة ودوره فيها، ورحلته بدءا من وجوده وانتهاء بمصيره المحتوم، وتصورا للجنة والنار وطريق كل واحدة منها، وما يؤدي إليهما، وهو في حياته يستحضر إلى جانب ذلك إنسانيته وضعفه البشري الفطري، فهو من الذنب يتوب ومن الخطأ يستغفر، وللحسنة يسأل الله القبول، يرجو رحمة ربه ويخشى عذابه، إن عذاب ربك بالكفار ملحق. ويؤمن بأن "مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ". لا يعلن هذا فرحا بهلاك الأخرين ولكن تحذيرا للأحياء وتنبيها ونصحا لهم.

 

2- المقولة الثانية: لماذا الحديث عن المصير في الآخرة!

إن النقاش الذي جرى جعل البعض يمارس نوعا من التنمر ويقول للناس: ما بالكم ينشغل العالَم بنعي هذا النابغة وتنشغلون أنتم بالكلام عن مصيره في الأخرة!؟ عزيزي ليس المهم الحديث عن مصيره هو بالضبط، ولكن هذه فرصة مناسبة للتذكير بأهمية الحديث عن المصير في الأخرة، فالمصير في الآخرة سؤال كبير.. ولأجله بعثت الرسل والأنبياء وأنزلت الكتب! فالمسلمون هنا يذكّرون أنفسهم والغافلين بحقيقة هذه الحياة، وأنّ الإنجاز الدنيوي المادي مهما كان ضخمًا فلا قيمة له، -تنفع صاحبه يوم القيامة- ما لم يصاحبه إيمان بالله.

 

لقد جاء الأنبياء ينذرون قومهم ليلا ونهارا صباحا ومساء يذكرونهم بمصير الإنسان المحتوم والخيارات المحدودة أمامه في الدار الأخرة إما جنة أو نار شقي أو سعيد… أنفق نوح عليه السلام في هذا الأمر ألف سنة من عمره، وأنفق فيه إبراهيم قرونا متتابعة وأنفق الأنبياء من بعدهم مثل ذلك قرونا كثيرة. كان مدار رسالاتهم والموضوع الذي شغلهم كيف يفلح الإنسان في هذه الدنيا وينجو من عذاب الله في الأخرة..!

 

الإنسان جاء لعمارة الدنيا وهو مستخلف بالأرض وأنعم الله عليه بالعقل وأمره بإعماله، وسخر له الأشياء ولكن كللذلك لهدف عبادة اللهالإنسان جاء لعمارة الدنيا وهو مستخلف بالأرض وأنعم الله عليه بالعقل وأمره بإعماله، وسخر له الأشياء ولكن كللذلك لهدف عبادة الله
 
3- العلم كديانة جديدة موازية للإسلام!

عظيم جدا هو الإعلاء من شأن العلم، والاحتفاء به وتعظيمه، وقد عبر كثيرون عن ذلك، ولكن مشكلتنا مع أولئك الذين يحاولون أن يجعلوا من العلم المادي دينا موازيا للوحي! يمنح أصحابه تأشيرة عابرة لحقائق الوحي والدين، وبديهيات الحياة. 

 

قد تجمع العلوم وتتقن الفنون وتبدع في ميادين الحياة، ونعم الأمر والله، ولكن ستظل جاهلا ما لم تعرف الله وستظل روحك خاوية ما لم يعمرها الإيمان وذابلة ما لم ينعشها القرآن، وقد يشاء الله للمرء أن يجمع ما شاء من العلوم، وأن يكتشف عشرات الاكتشافات المدهشة، لكنه مع ذلك يظل جاهلا بالحقيقة الكبرى وبالعلم الأهم، المتمثل في إفراد الله بوحدانيته والإيمان برسله والانقياد لأحكامه، وهو في ذلك ليس بدعا من قومه، فقد سبقه قوم آخرون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الأخرة هم غافلون.. "وظاهر الحياة الدنيا محدود صغير، مهما بدا للناس واسعا شاملا، تستغرق جهودهم بعضه، ولا يستقصونه في حياتهم المحدودة. والحياة كلها طرف صغير من هذا الوجود الهائل، تحكمه نواميس وسنن مستكنة في كيان هذا الوجود وتركيبه" كما يقول سيد قطب.

 

صحيح أن الإنسان جاء لعمارة الدنيا وهو مستخلف في الأرض وهو مخلوق أنعم الله عليه بالعقل وأمره بإعماله، وسخر له الأشياء ولكن كل ذلك لهدف: عبادة الله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وما قيمة تشييد الأبراج وناطحات السحاب، والسير بين الأفلاك والكواكب، وصرح الروح خاو متهاو.. تملؤه الحيرة واليأس والشك والخرافة؟ (وأي خرافة أكبر من الكفر بالله!).

 

4- كيف يدخل الجنة من لم ينفع البشرية بشيء، ويخلد في النار من أفاد البشرية بعظيم الاكتشافات؟!
منطق اللادين حين يزحف على قلاع الدين ليسقطها بحجة الدفاع عنها أو تحديثها يترك أجيال الأمة غارقة في رمضاء الشبه والظنون تلفحها شموس الإلحاد والتشكيك!

قد يرى البعض أن هذا ليس عادلا فكيف يدخل الجنة من لم يقدم للبشرية شيئا سوى أنه كان يشهد أن لا إله إلا الله… وربما كان يسرق ويزني ويكذب..  بينما قد يخلد في النار صاحب الاكتشافات العظيمة وذنبه أنه لم يكن مقتنعا بوجود الله! المعادلة يوم القيامة معقدة جدا، من الصعب وزنها بمقاييس اليوم ففي الأخرة قد ينقذك شق تمرة من النار، والعاهرة تنقذها شربة ماء سقتها لكلب ظمآن في هاجرة النهار، وقد توبقك كلمة تهوي بها في النار سبعين خريفا! (حديث البطاقة).

 

إن منشأ هذا الاستشكال أن أصحابه يجعلون عدم الإيمان بالله أمرا هينا ليس جريمة تستحق العقاب، وهو عند الله عظيم، يحسبون الإنسان الجيد هو الذي لا يظلم البشر ولو ظلم نفسه! (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) سورة لقمان. (عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أي الذنب أعظم عند الله تعالى؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك!) رواه مسلم.

 

"وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا" إن هذا لأمر يكاد أن يفسد نظام الكون وأن يعم بسببه الخراب الأرض والسماوات وهو ادعاء الولد لله! فما بالك بالكفر بالله ونفي وجوده!

 

مشكلة من يطرح هذا الطرح أنه يغفل معطى آخر مهما وهو أن السماوات والأرض والدنيا والأخرة والجنة والنار والمؤمنون والكافرون كل ذلك ملك لله خلقهم وهو أعلم بهم، فهو يضع هذا في الجنة برحمته ويضع هذا في النار. لقد أصبحنا في حاجة إلى تكرار بديهيات التوحيد ومسلمات العقيدة، لأن الناس اليوم تموج في بحور من الأفكار والعقائد والتوجهات السائلة التي لا يحكمها منطق ولا عقل ولا دين.

 

لا ترض بسحق ذاتك وهويتك وعقيدتك تحت سنابك من لا يرفع بدين الله رأسا ولا يقيم لكتابه وزنا ولا يرى في الأخرة سوى وهم لتخويف الناسلا ترض بسحق ذاتك وهويتك وعقيدتك تحت سنابك من لا يرفع بدين الله رأسا ولا يقيم لكتابه وزنا ولا يرى في الأخرة سوى وهم لتخويف الناس
 

إن منطق اللادين حين يزحف على قلاع الدين ليسقطها بحجة الدفاع عنها أو تحديثها يترك أجيال الأمة غارقة في رمضاء الشبه والظنون تلفحها شموس الإلحاد والتشكيك! فتعيش بعقيدة مائعة وإيمان مهزوز وتصور مغشوش! وينسى من يجامل هؤلاء، أو ينحو نحوهم.. أن المبلغ للوحي كساعي البريد.. لا ينبغي أن تتحول مهمته مع مرور الوقت إلى وسيط تجاري يزيد في البضاعة وينقص حسب نزوات الأهواء ورغبات الزبائن، "وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ".

 

ختاما عزيزي الشاب المتحرر المنفتح الحداثي المتطلع إلى طرح جديد، وإلى الظهور بمظهر المفكر الإنساني المحب للخير والسلام، "إن نصف شربة لن تروي ظمأك، ونصف وجبة لن تشبع جوعك، نصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة". فما بالك بنصف دين ونصف عقيدة، ونصف إيمان ونصف شك! النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز لأنك لست نصف إنسان، فلا ترض بسحق ذاتك وهويتك وعقيدتك تحت سنابك من لا يرفع بدين الله رأسا ولا يقيم لكتابه وزنا ولا يرى في الأخرة سوى وهم لتخويف الناس!