من عاقب المسلمين أكثر؟

blogs عاقب مسلما

تضج وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بالأوراق التي وزعت في بعض مناطق بريطانيا، والتي تحرض على نشر الكراهية والعداوة ضد المسلمين في الثالث من نيسان/أبريل القادم، بأفعالٍ عنصريةٍ تبدأ بشتم مسلم وتنتهي بحرق المساجد تحت عنوان: "عاقب مسلماً". البعض اتخذ التهديدات على محمل الجد، خاصة بعد تضاعف الكراهية الدينية للمسلمين في بريطانيا خلال السنوات الأربع الأخيرة، والبعض اعتبرها كغثاء السيل، فلا يمكن لأكثر من أربعة مليون مسلم في بريطانيا أن تُشل حركتهم في يومٍ كامل بفعل تهديداتٍ مجهولة المصدر.

والمثير للاهتمام أن التهديدات وصلت إلى شخصياتٍ مسلمة معروفة في المجتمع البريطاني، كدليل على محاولة استهدافهم بشكل شخصي، كتلك الرسائل التي وصلت إلى "ساجد جاويد" وزير الإسكان والمجتمعات والحكومات المحلية وعضو مجلس النواب البريطاني، كما وصلت إلى غيره من أعضاء البرلمان المسلمين. بريطانيا التي تعمل دائماً على نشر التآخي بين أبناء مجتمعها الخليط، لا يمكنها الإنكار أنها أمام موجةٍ من فوبيا الإسلام تحاول السيطرة عليها، والتأكيد على أن الأقليات جزءاً أساسياً من مكونات إمبراطورتيها، إضافة إلى سعيها الدائم في دمج مختلف الأعراق والخلفيات الدينية والعرقية في الحياة السياسية والاجتماعية.

أوروبا قارة الحريات لم يأتِ تطرف بعض أبنائها على الأقليات الأخرى عن عبث، فمن يتابع ساحة الأحداث السياسية مؤخراً، يلاحظ ارتفاع الأعمال الإرهابية ضد المدنيين من قبل جماعاتٍ إسلامية متشددة، بأسماء وتنظيمات عديدة، مما يولد لدى غير المسلمين تساؤلات شتى عن الارتباط الوثيق بين تعاليم الإسلام وبين ممارسيه، وليس من السهل أن تقنع الأوروبيين أن الإسلام بريءٍ من سفك الدماء وإراقة الأرواح إذا كان لديهم المشهد عكس ذلك!

أما انتقلنا إلى جانب آخر، نرى ازدياد أعمال القتل والعنف الفردية من قبل بعض المهاجرين واللاجئين المسلمين إلى أوروبا، وتخطيهم حدود الإنسانية في بث إجرامهم على الملأ الالكتروني، إذا ما اصطدموا بواقع أوروبا المنفتح أمام انغلاق عقولهم، فمهاجر يقتل زوجته متفاخراً على أعين الملايين، وآخرون يعاملون أبنائهم بمنطق العنف والضرب، في أوروبا التي تحكمها الدساتير والأنظمة، ولا فضل فيها لمواطنٍ عن آخر إلا بالقانون. بالطبع، لا يمكننا إغفال أعمال التطرف والقتل في أوروبا وأمريكا من غير متبعي الديانة الإسلامية، ولا نستطيع الجزم أن الخلل المجتمعي أصبح صبغة من شهدوا بوحدانية الخالق، فأمريكا العم سام لديها ماضٍ أسود مع أعمال القتل بالأسلحة البيضاء والنارية التي تصب على المدنيين العزل من أفرادٍ مرضى، كالهجمات التي تطال المدارس والجوامع وتلحق الموت بعشرات الأبرياء.

undefined

وحتى القارة العجوز، تشهد على مدار الساعة أحداث عنف وجرائم لا تُحصى، من قتل بطرق وحشية، واغتصاب النساء والأطفال من المعتوهين، وجنايات تتخطى قدرة العقل على استيعاب استذئاب منفذيها. لكن! أنّ لعاقل أن يقنع الغرب أننا كائنات مسالمة إذا كان الإعلام مسلطاً كالسيف على جرائمنا وحروبنا، وأعمى بالمطلق عما يحصل من فظائع في خفايا الشوارع العالمية، ومَن بيده عصا سحرية تؤكد سماحة الإسلام مع المسلمين وغيرهم، إذا كانت أعمال القتل تبدأ من لسان مجرمٍ ينادي: "الله أكبر"، ومتطرف أطلق لحيته وعباءته، وربط على عقله وسعة صدره بقفلٍ جاهلي؟

لو أننا تعاملنا مع روح الإسلام وتعاليمه بمنتهى الوسطية والاعتدال، وسوّفنا لصورتنا بشكل حضاري، وتركنا محاسبة أتباع المذاهب الأخرى إلى خالقها، واكتفينا بالتطبيق الفعلي للعدالة والحقوق التي أمرنا الدين بها، ألم نكن وفرنا على أنفسنا مغبة كراهية الشعوب ووضعهم أكثر من مليار مسلم في بوتقةٍ واحدة؟ ألم نعاقب أنفسنا أكثر من معاقبة الآخرين لنا؟

بالنسبة إلي، لا يوجد أمرٌ ضروري يستلزم خروجي من المنزل في التاريخ المتوقع، أما إن كنت مرتبطة بعمل أو موعد فسأخرج لا محال، ولن يوقفني تهديد شخص أو مجموعة متعصبة عن ممارسة حياتي في مجتمعٍ يحترم بغالبيته المظهر الذي اخترته، ولربما فاجأ الطقس الجميع وقلب الطاولة على المسلمين وغيرهم، وألزموهم المنازل بصقيع لا يُحتمل أو ثلج دون ميعاد.