أبو حنيفة وآل البيت

blogs أبو حنيفة

عدَّد المؤرخون الأسباب التي جعلت أبا حنيفة يحتل كل هذه المرتبة في العلم والفقه فقالوا: ربما لنشأته في العراق؛ حيث الثقافات المتعددة، والحضارات البائدة القائمة على أرضها، أو لاشتغاله بالتجارة فترة من عمره جعلته ذا خبرة في المعاملات والبيوع وما إلى ذلك فأكسبه المران على النظر والحساب، أو لظروف نشأته السياسية من بداية ولاية الحجاج على العراق وسفكه للدماء بدون أيّ ذنب، ثم بعد الحجاج يأتي يزيد بن المهلب، ثم يأتي بعده خالد بن عبدالله القسري، وكلهم ولاة جبابرة يتعصبون للعرب ويحكمون الناس بدون وجه حق. يشاهد بعد ذلك أبو حنيفة سقوط الدولة الأموية برمتها ويأتي على أنقاضها الدولة العباسية، ثم يتخلص العباسيون من العلويين ويسفكون دماءهم لينفردوا بالحكم.

إن أمورًا كثيرة جعلت لأبي حنيفة كل هذه المرتبة في العلم والفقه، فهو بجانب كل هذه الأشياء التي ذكرناها لا يأبى أن يتلقى العلم من كبار أئمة الشيعة في عصره؛ فيأخذ عن زيد بن علي، ومحمد الباقر، وأبي محمد عبدالله بن الحسن وغيرهم. أبو حنيفة رجل لم ينكر علم الكلام؛ بل تعلمه وأتقن أصوله ولم يتورع في الأخذ به كما تورع غيره، وإنه وإن كان بعد إتقانه لعلم الكلام تركه واتجه بعلمه إلى الفقه يؤسس مذهبه فيه، إلا أن الكلام قد ظل ملازمًا لأبي حنيفة يستخدمه أحيانًا في مجادلة خصومه واستنباط أحكام فقهه. تَعَلَّم أبو حنيفة علم الكلام ومقاربته لبعض علماء المعتزلة وشيوخهم أكسبته قوة في المناظرة، وقدرة في المنطق، ومرانًا على الأسلوب العقلي في التفكير غير أسلوب أهل الحديث.

انقضت الدولة الأموية وأتت على أنقاضها الدولة العباسية، وهي دولة هاشمية فتفاءل بها أبو حنيفة، وبايعها (لم تكن له بيعة في عنقه للدولة الأموية) مستبشرًا بها لأنهم أولاد عم لآل علي

يقول الدكتور محمد رجب البيومي: (وأكبر الظن أن آراءه الفقهية لم تتمكن من حِقَب التاريخ على مر عصوره هذا التمكن الصخري بين الناس، إلا لأن صاحبها الماجد كان ذا شخصية راسخة متمكنة، تواجه الحِجاج في معترك الفقه ببسالةٍ صامدةٍ، كما تواجه الحِجاج في معترك السياسة بعزةٍ كريمةٍ! فقد كان -رضي الله تعالى عنه- من أقوى المتكلمين مناظرةً وحوارًا، ثم تحوَّل إلى الفقه فخلع عليه من جلال المنطق وقوة القياس ودقة الاستنباط، ما فتح به ميادين مغلقة، ومَهَّد به طرقًا مستعصية).

في السياسة كان أبو حنيفة محبًّا لآل البيت ومتشيعًا لهم، ويرى الحق معهم دائمًا، فأدى ذلك إلى إيذائه أكثر من مرة، وتعرَّض بحبه لهم لمِحَن كثيرة في العهدين الأموي والعباسي، لكنه كان متزنًا وعاقلًا وفقيهًا في تشيُّعه، فهو إن كان يحب الإمام عليًّا بن أبي طالب إلا أنه لا يرفعه في المنزلة عن أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، وإن كان يجعله في منزلة أعلى من منزلة عثمان إلا أنه أيضًا كان يترحم على عثمان أكثر ما يكون الترحم، ولم ينقصه يومًا.

في العهد الأموي خرج يزيد بن علي من آل البيت على هشام بن عبدالملك، فأبى أبو حنيفة إلا أن يمده بالمال، فلما قُتل يزيد بن علي لم يدع ابن هبيرة (عامل هشام على العراق) الأمر يمر على أبي حنيفة مرور الكرام، فأراد أن يختبره في ولائه للدولة الأموية، فعرض عليه القضاء، فأبى أبو حنيفة أن يتولاه، فحبسه ابن هبيرة وأمر بجلده، فجُلِد لمدة ثلاثة أيام كاد أبو حنيفة يهلك.

انقضت الدولة الأموية وأتت على أنقاضها الدولة العباسية، وهي دولة هاشمية فتفاءل بها أبو حنيفة، وبايعها (لم تكن له بيعة في عنقه للدولة الأموية) مستبشرًا بها لأنهم أولاد عم لآل علي، وظل معهم في وفاق إلى أن خرج محمد بن عبدالله (النفس الزكية) وأخوه إبراهيم فشجعهما، ويقال في بعض الروايات: إن أبا حنيفة ثبَّط الحسن بن قحطبة قائد جيوش الدولة العباسية عن قتال النفس الزكية. قضى أبو جعفر المنصور على ثورة النفس الزكية وقتله هو وأخاه، فغضب أبو حنيفة لذلك وداخلته الريبة والشك من النظام الجديد، وأيقن أنه لم يختلف عن سابقه.

كان أبو حنيفة لا يسكت عن ظلمٍ يراه سواء ذلك في آل البيت أو في أيّ جانب من جوانب المجتمع، فظل ذلك مقلقًا للنظم السياسية التي تعاقبت عليه
كان أبو حنيفة لا يسكت عن ظلمٍ يراه سواء ذلك في آل البيت أو في أيّ جانب من جوانب المجتمع، فظل ذلك مقلقًا للنظم السياسية التي تعاقبت عليه
 

قد يقول قائل ويسأل: هل كان أبو حنيفة لا يغضب من النظم القائمة إلا حين يلحق الأذى بآل البيت؟ فهو إذن لا يدافع إلا عن قيمه وأفكاره، ولا علاقة له بأفكار وقيم المجتمع! لقد كان أبو حنيفة حقًّا محبًّا لآل البيت، وبهم يُعرف الحق، لكن ذلك لم يمنعه عن الدفاع عن قيم المجتمع وحقوقه ضد النظم القائمة؛ فقد كان دائمًا ما ينتقد أحكام القضاء إن حصل بها الزيف، وحادت عن الحق، ويصل ذلك إلى أبي جعفر المنصور.

يُروى أن أهل الموصل نقضوا بيعة أبي جعفر المنصور، وكان المنصور قد شرط عليهم أنهم إذا نقضوا بيعته أُحلت دماؤهم، فجمع المنصور الفقهاء ليستشيرهم، فقال أبو جعفر: أليس المؤمنون عند شروطهم، وهم قد شرطوا ألا يخرجوا فلا أرى إلا أنه قد حلت دماؤهم، فقال رجل: يدك مبسوطة عليهم، وقولك مقبول فيهم، فإن عفوت فأنت أهل العفو، وإن عاقبت فبما يستحقون، فتكلم أبو حنيفة وقال: إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه، وشرطت عليهم ما ليس لك، لأن دم المسلم لا يحل إلا بأحد معان ثلاث، فإن أخذتهم أخذت بما لا يحل، وشرط الله أحق أن تفي به.

لقد كان أبو حنيفة لا يسكت عن ظلمٍ يراه سواء ذلك في آل البيت أو في أيّ جانب من جوانب المجتمع، فظل ذلك مقلقًا للنظم السياسية التي تعاقبت عليه، ولما ضاق به أبو جعفر المنصور عرض عليه تولية قضاء بغداد وألَحَّ في عرضه، وألح أبو حنيفة في الرفض، فما كان من أبي جعفر إلا أن سجنه وعذبه حتى مات متأثرًا بجروحه.

لقد مثلت حياة أبي حنيفة نزوة حيوية (إن استخدمنا تعبير الأكاديمي الكبير الدكتور علي سامي النشار) ظلت من أول يوم في حياته إلى وفاته، ولم يكن اعتراضه عملًا عابرًا في لحظة وينقضي؛ بل مَثَّلت أسلوبًا حياتيًّا ومنهجًا تفكيريًّا عاش به أبو حنيفة -رحمه الله- ما عاش.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان