تؤشر ظاهرة المزج بين العربية والإنجليزية إلى احتمالين: إما لأن المتحدث يشعر بأن المفردات العربية لا توفي بمراده وبالتالي فهو بحاجة إلى استعارة مفردات أجنبية ليكمل المعنى، وإما تعبيراً عن مركب نقص بحيث يشعر أن إدراج المفردات الأجنبية ترفع من قدره. أما القول بعدم قدرة اللغة العربية على الإيفاء بالمعنى فهو افتراء محض، لأن اللغة العربية لا مقارنة بينها وبين الإنجليزية على الإطلاق.
| إذا كان للشعوب العربية والإسلامية أن تنهض ويكون لها شأن بين الأمم فلن يكون ذلك كذلك إلا بتعزيز الثقافة الإسلامية واللغة العربية واستلهام العبر والدروس من التاريخ |
من حيث البنية اللغوية ليس هناك ترابط بين مشتقات الجزر الواحد في اللغة الإنجليزية، بمعنى أن السعة الاشتقاقية ضيقة جداً. وحسب الدكتور طارق السويدان فإن متوسط الاشتقاق في اللغة الإنجليزية 13 كلمة بينما في اللغة العربية أكثر من 40 كلمة للجزر. ولئن قيل أن لكل قاعدة شواذ فإن الشواذ في اللغة الإنجليزية هو القاعدة مما يؤشر إلى ضعف النحو والصرف في اللغة الإنجليزية مقارنة باللغة العربية. أهم ميزة للغة العربية هي الميزان الصرفي الذي يضبط الاشتقاق ويجعل منه فناً ممتعاً يمكن متحدث العربية من تطويع المعاني حسب ما يريد. وتتميز اللغة العربية كذلك بما لا تتميز به لغات العالم عادة وهي تسمية أشياء ليست موجودة في البيئة العربية، مما يعطيها البعد العالمي.
إذن، التفسير السليم لظاهرة استخدام المفردات الإنجليزية أثناء التحدث بالعربية هو شعور المتحدث بمركب نقص واستلاب ثقافي لا غير. الانبهار بالغرب ومنتجاته الثقافية يصل ببعض الناس في العالم العربي إلى التماهي مع الغرب، بما يؤدي إلى تحقير الذات وتعظيم "الآخر" المثال، والفرق كبير بين أن تهتم بتعليم اللغة الإنجليزية وإتقانها وبين أن تسعى لأن تصبح إنجليزياً، وهو أمر مستحيل بالطبع. هذه الظاهرة وراءها مؤسسات رسمية وإعلامية مرعية من دول عربية، مما يعني أن موجة الاستلاب الثقافي يلتهم دولاً بأكملها وليس مجرد أفراد متأثرين بسياقات معينة. السؤال الذي يبرز هنا هو: هل يمكن لأي أمة أن تنهض وهي تحتقر هويتها؟

إن أي أمة تبتغي النهوض بحاضرها يلزمها أن تستلهم من موروثها الثقافي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل. وبالنسبة للشعوب العربية خصوصاً والإسلامية عموماً يشكل اللغة العربية والدين الإسلامي أهم مكون للموروث الثقافي. وبالتالي فإن أي تنازل عنهما هو تنازل عن الحق في التطلع إلى المساهمة في الحضارة الإنسانية. ذلك لأن الحضارة في جوهرها إنساني وإن أخذت مسميات مختلفة كالحضارة الفرعونية أو الإسلامية أو الغربية أو غيرها. إذن، الحضارة امتداد للتطور الطبيعي في حياة البشر عبر الزمان. وكل أمة تتهيأ بامتلاك الأسباب التي تؤهلها لاستلام شعلة الحضارة لتنطلق بها إلى آفاق أخرى مستفيدة مما ورثته من أمة سالفة.
لذلك فإن الحضارة الغربية التي ننعم بفضلها اليوم قامت أصلاً على أنقاض الحضارة الإسلامية في الأندلس، حيث شكلت الكتب التي ألفها المسلمون في مختلف مجالات العلوم مرجعاً أساسياً لمنتجات الحضارة الغربية في العلوم والطب والهندسة والرياضيات وغيرها. فلو لا خوارزميات عالم الجبر الخوارزمي مثلاً لم يكن يتسنى للعالم أن ينعم بالحاسوب الذي غير وجه الحياة على ظهر الأرض.
فإذا كان العرب اليوم بهذا المستوى من الاستلاب الثقافي الذي جعلهم يتخلون عن لغتهم ودينهم، مما جعلهم مجرد مستهلكين لثقافة غيرهم ما الذي يمكنهم المساهمة به في الحضارة الإنسانية؟ الأمم التي تتخلى عن أهم مكونات هويتها تصبح عديمة الجزور، بل تصبح تابعة فقط إن لم تكن عالة على غيرها. وخير مثال على ذلك تركيا اليوم التي أصبحت الدولة رقم 16 في العالم وتسارع الخطى على الرغم من العراقيل لتصبح أعظم قوة في العالم، وهي نفس تركيا التي ظلت تابعة ومفتونة بالغرب على مدى سبعة عقود تقريباً، وعلى الرغم من كل الذي فعلته من طمس لهويتها والتنكر لماضيها بغية الالتحاق بالغرب لم يشفع لها ذلك فظلت مسخاً مشوهاً، ذليلة تقبع في المرتبة رقم 111 في العالم!
إذا كان للشعوب العربية والإسلامية أن تنهض ويكون لها شأن بين الأمم فلن يكون ذلك كذلك إلا بتعزيز الثقافة الإسلامية واللغة العربية واستلهام العبر والدروس من التاريخ، وما أحوج الحضارة الإنسانية اليوم إلى من يضفي لها البعد الإنساني والأخلاقي بعد أن طغت عليها المادية لتحيل الإنسان إلى مجرد آلة! ولا يمكن للشعوب العربية والمسلمة أن تحقق نهضة حقيقية خارج سياقها الثقافي والديني. لذلك فإن ظاهرة التحدث باللغة العربية عن طريق اللغة الإنجليزية مع الاهتمام المتنامي باللغات العامية تعد من كوابح التقدم والنهوض.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

