فيا أيتها الرياح اللعينة،
من الآن هبي من أي جهة تريدينها"
سبعون عاما من الصبر والانتظار، ومسلسلات من المعاناة والملاحقة، وفتن هائجة نجمت من السياسة الخرساء، وحكايات فخر وكرامة على مر العصور، تقف رابطة المسلمين لعموم الهند أبية صامدة، وتحمل في طياتها تواريخ حاسمة سجلتها الأيام بقلب مقشعر، وبإحساس دافق، تلك الفترة التي خاف مسلمو الهند انطماس هويتهم في مسقط رأسهم، حينما هبت الأطماع اللعينة في نوافذ السياسة وجاءت فاغرة أفواهها تجاه أمة رسمت تاريخا حافلا بالكرامة والعزة في جبهة وطنهم، وأشير البنان إليهم تهمة وافتراء حتى تعرضوا للإقصاء من ميادين الحرية والعدالة.
| رابطة المسلمين لعموم الهند كانت لها صدى واسع في شرقي الهند وغربيها قبل الاستقلال، لا سيما بعدما تولى القائد الأعظم محمد علي جناح قيادة الحزب والشاعر الإسلامي محمد إقبال |
لم تكن سياسته وليد لحظة أو انبثاق فرصة، بل كانت مستلهمة من المآسي التي تعرض لها المسلمون إثر استقلال الهند سنة 1947 م، وقد جرحته المجازر الإبادية التي حدثت في حدود الهند خلال الهجرات الجارفة بين الدولتين، وفي هذا المنعطف السياسي الخطر وقف المسلمون في ثلاث شعب قوية، وظلت الفترة حالة من الرعب والقلق بالنسبة لوعي الأمة ووقعت هويتها تحت الخط الأحمر، واحدها كانت خطاب السيد أبي الأعلى المودودي الذي دعى إلى نبذ الحكومة والانقلاب عليها، وخطط له طريقا إسلاميا في بوتقة العنف والشدة.
كانت عينه وقادة كشفت كل محاولة شنعية تمتد إلى الأمة، بل كان على وعي ناضج من سقوط الخلافة العثمانية وما والاها من نكبات وخسارات كبيرة في الدول الإسلامية، وأنتجت له هذه الآلام والجروح فكرة خارقة العادة، هي تأسيس حركة قوية تهتم بأمور المسلمين وتحمي هويتهم من غير عنف ولا نهج متشدد، فأما رابطة المسلمين لعموم الهند كانت لها صدى واسع في شرقي الهند وغربيها قبل الاستقلال، لا سيما بعدما تولى القائد الأعظم محمد علي جناح قيادة الحزب والشاعر الإسلامي محمد إقبال، لكن الأوضاح لم تسمح له بعد الاستقلال، لأن الولايات الأكثر إسلاما انضمت مع باكستان وهاجر إليها جل كبار قادتها حتى شذت بعض المناطق التي فيها للمسلمين قوة معتبرة، كولاية كيرالا، وتامل نادو وبنغال، وغيرها من علاقات أتربرديش مع أن عدد المسلمين فيها كبير، لكنهم بقوا صامدين بوطنهم ومسقط رأسهم، في الحقيقة هذه الفترة المظلة ولدت فيه فكرة التأسيس والتسييس، وكان شعاره "سياسة ذات الكرامة ووجود مع الإباء".

وفي سنة 1948 مارس 10 خيمت في بلاط الهند سحب قاتمة تحتوي آلاف القلق والأمل، بينما تنتظر فئة وأد هذه الحركة وتنتظر أخرى ولادة طفل جديد، واجتمعت الجلسة في قاعة راجاجي، وشهدت حضور عدد كبير من زعماءها، حتى غلب على الظن بأن رابطة المسلمين ستذهب جفاء لحد أن قام محمد إسماعيل صاحب وأوضح قراره بشكل عقلي أمام الجلسة حتى تخيبت آمال المتشائمين ودفنت مخططاتهم السامة في عقر دارهم، وكان هذا القرار صادما للغاية ومفاجئا، لأن حكومة الهند التي اعتلاها مؤتمر الهند الوطني لم تسمح لترك أي قاعة لعقد جلسة رابطة المسلمين، وكانت الحكومة ترمي كل تهمة عليها وتوقفها في منصة الجرائم، إلا أنها سمحت بقاعة راجاجاي الحكومية ظنا بأن الرابطة سيتم عليها القضاء ضمن ساعات قليلة، ولم يك ثم أثر فأل يحكي بعودة الرابطة إلى غمار سياسة الأمة وبهذه التقلبات التي جرت في القاعة.
ولاحت خلال تأسيسها فكرة قائد نبضت بوعي الأمة المخلص، لقد كان تاجرا صاحب ممتلكات هائلة ثرية، لكنه خلاها وعزلها وأنقفها في تحقيق أحلام الأمة سياسة واجتماعا وتربية، وتجول في الهند حاملا في عاتقة رسالة الرابطة وقد أثخنه فراق أقرانه وزعماءه من فناء الرابطة، لقد بلعهم الدهر وألقمتهم قناطير المال الفياضة من كهوف المستغلين المتربصين، لكنه لم يتخلص من ملاحقة الحكومة واصطيادها ومراقبتها، لقد كانت وراءه كل لحظة، كأنها خافت منه المزيد من المعجزات الخالدة، ومن هنا بدأت الحرب مفتوحة بين حزب صغير يهتم بقومه وحزب شديد يتمتع بالحكومة والأموال.
جيفة حمار أو بعثة أسد مزير "أيها الرجل الموقر، جوهر لال نهرو، اعلم بقلبك بأن رابطة المسلمين لم تك قط جيفة حمار نتنة بل هي ترتدي حلة أسد مزير، فإياك أن تغفل عنها".
| توفي القائد المرحوم محمد إسماعيل سنة 1972م، وسطعت حياته كمصباح راهب في ليلة ليلاء، إنه عبقري قلما نجده من بين أضلع الأمة |
الكلمة الصارخة الضاربة في وجه رجل قوي في سياسة الهند، تفجرت من فم مسلم "مابلاوي" في رأسه قلنسوة تعبر عن هوية الأمة ردا مفحما لخطاب جوهر لال نهرو الذي أقسم لقطع جذور رابطة المسلمين من الهند، ثم كانت هذه الكلمة شعار أمة مشردة تخلفت لأسباب سياسية منفردة، وظلت بعدها صامدة في دربها وممثلة وعي الأمة في كل المجال.
ومنذ انطلقت رابطة المسلمين بمبادراتها ورؤيتها الخالدة في ميدان السياسة التي تعبث بها ألاعيب نهرو والشيوعية اشرأبت إليها أعناق الحقدة والمكرة، وحيكت في مفاعلهم مسرحيات الخدعة والمؤامرة التي تستهدف بها إطاحة الرابطة من مسرح أحلامها وجعلها أثرا بعد عين، وكان السيد جوهر لال نهروا في مقدمة هؤلاء السادة، وقد هيجه تأسيس الرابطة بكل قوتها وإرادتها مع أن له يد بيضاء في المؤامرات التي توجهت للقضاء على هذا الحزب.
وتوفي القائد المرحوم سنة 1972م، وسطعت حياته كمصباح راهب في ليلة ليلاء، إنه عبقري قلما نجده من بين أضلع الأمة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

