فحجاب للروح وحجاب للجسد..

blogs حجاب

بدأ الله سبحانه وتعالى سورة النور -حيث تجد النور شائعاً في كل أطيافها- بقوله الكريم "سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)" أي أنزلناها وفرضنا كل ما جاء فيها، وأريدُ أن أسترق تأملكم تجاه كلمة "وفرضناها".

 

وبعد أن تأخذ خواطركم في رحلة منتهاها تساؤل يتردد في نفوسكم: تُرى! ما الذي فرضه الله علينا في هذه السورة؟، وكلنا يعلم أن ما فرض الله علينا شيء إلا ليرحمنا ويحفظ علينا قلوبنا، أن يضعنا على طريقٍ مستقيمٍ مستنير فيه صلاح دنيانا وآخرتنا. وبعد أن تتوالى الآيات فنجد قول الله إلينا: "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ..".

 

وأتساءل بينما أقرأ وأعيد القراءة والتدبر كيف هي الفتاة المُلتزمة بهذه الآية؟ يا الله! كيف تبدو روحها ونقاء همتها وطهرها! أصبحنا نحن معشر الشباب في افتقاد لتلك العفيفات بل وليس الأمر مُقتصر على الشباب فقط وإنما على جميع الأسوياء على صعيد فطرتهم وأرواحهم. هل يحفظن الفتيات أنفسهن من أنفسهن ومن الدنيا ومغرياتها ومن الشيطان! هل يغضضن أبصارهن أم يؤمنّ أن غض البصر للشباب فقط؟، "طيب" كيف حالهن مع الله وحجابهن؟

 

ما مِن شيء يدعو المرأة إلى ترك سترها إلا وكان خبيثاً ويدعو لتحويلها من جوهرة مصونة إلى سلعة يتهافت عليها ذباب السوق، ليُنشِئوا جيلاً غير سوي أخلاقياً

في الحقيقة كنت أودّ أن أكتب عن الحجاب الشرعي فرأيتُ نفسي كمَن يعالج نزلة برد ويترك سرطاناً يأكل في الجسد، فكثير من الناس لا يعرف معنى الحجاب من الأساس بل ربما أقصى معلوماته عن الحجاب أنه قطعة القماش تلك التي تُوضع على الرأس. أتذكر حديثي مع زميلة دراسية حول الحجاب والملابس الفضفاضة محاولاً إقناعها بتغيير هيئة ملابسها، تقبلت الفكرة جداً وأحبتّها وأخبرتني أنها تتمنى.

 
حتى عادت بعد فترة تصارحني بالعوائق التي قابلتها فقالت لي: أنا لا أرى نفسي إلا في تلك الملابس حديثة الموضة وكلما فكرت في الأمر وجدته صعباً:
فقلت لها: وما الذي يمنع ارتداء ملابس فضفاضة تبدو مرتبة عليك وتأخذ أيضاً قِسطاً من إضافات الموضة الجميلة التي تقوم بدورها في إظهارك فتاة مسلمة وعصرية في نفس الوقت.
قالت: لا أعلم حقاً ماذا يمنعني كلما هممت تراجعت وأخرت الأمر.
فقلت: ضعي في ميزان قلبك رضى الله في كفة وتلك الملابس الضيقة في كفة وانظري في حال قلبك أي الكفتين فيهما ترجح، وإن وجدتِ من قلبك مرضاً اسأليه كيف سيكون حالك إن أماتك الله وأنت على هذا الحال.

 

كان أصدقائي يهرعون إلي ّقائلين: "فلانة خلعت الحجاب"، فيتفاجؤون من ردي الهادئ: "هي لم تُرِدْ أن يُديم الله عليها نعمة سترها في الدنيا، ظنّت أنها ستهنئ بخلع الحجاب، بل خسرت ورب الكعبة" يريدن أن يظهرن أكثر جمالاً، لا بأس لكن بالطريقة التي تُرضي الله سبحانه. تريد الفتيات أن يصبحن أكثر تحرراً مثلما تفعل صديقاتهن اللواتي على غير ديانتهن، حتى أن صديقاتهن يخالفن تعاليم دينهن أيضاً، ففي النصرانية واليهودية تجد الراهبات يلبسن حجاباً كاملاً وستراً للجسد كما يجب، وعندهم في النصرانية واليهودية الراهبات أقرب الناس إلى الله.

 

إذاً ما مِن شيء يدعو المرأة إلى ترك سترها إلا وكان خبيثاً ويدعو لتحويلها من جوهرة مصونة إلى سلعة يتهافت عليها ذباب السوق، ليُنشِئوا جيلاً غير سوي أخلاقياً، لا يعلم عن ثوابت دينيه شيئا فيتخلى عنها دون ذرة آلم تجتاح ضميره أو غصة تخترق قلبه فلا تتركه يهنئ حتى يعود. ثم تجد الفتيات بعد ذلك يشتكين من زوج لا يعاملها كإنسانة ولا يهتم بما تميل إليه روحها من احترام للذات ومعاملة طيبة حسنة، كيف يحدث ذلك وهو الذي جاء إليكِ من البداية من أجل ذلك الجسد الذي كنت تبدعين في إظهار محسانه للعامة بل وكنت حريصة على ذلك من أجل أن يأتي العريس، ها قد جاء.

  undefined

 

ويهدينا الرحمة المهداةﷺ إلى الطيب من الخُلق فيخبرنا قائلاً: "صنفان من أهل النار لم أرهما بعد؛ -منهما- ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها". يا الله!، لا يدخلن الجنة يا رسول الله! نعم، ولا يجدن ريحها. فإذا تفكرنا كيف للكاسية أن تبدو عارية، كيف وهي أساساً كاسية! فسنجد أنفسنا لا محالة أمام ذلك اللباس الذي لا يقوم بدوره في الستر.

 

وإذا بحثنا في أمر تلك الفتيات اللواتي يقعن في هذا الذنب فسنجد أننا أمام صنفين: صنف يعلم أن ذلك حراماً ولكن غلبته الدنيا ونجحت في أن تُحِده عن طريق العفة وأثنته نفسه الأمّارة بالسوء عن غايته النقية التي كان عليها أيام الطفولة، وأنساه الشيطان ذكر ربه في أمره ونجح في أن يسقطه حتى اعتاد ذلك وغره طول الأمل -تاب الله عليهن-.

 
وصنف آخر تربى أن الحجاب هو غطاء للرأس وفقط، أما الباقي فلا ضوابط، لم تجد أباً يستدعها بكل ودّ: "تعالي إليّ يا ابنتي، هذا حرامٌ، جسدك غالٍ، بل أثمن ما يمكن أن يكون لديك يوماً، فاستريه جيداً عسى الله أن يرضى عنا برضاه عنك"، ارتدي هذا ولا ترتدي ذاك، هذا ضيق وهذا شفاف، وهذا يبدو عليك جميلاً، لم تجد الأم الحانية التي لا ترى لابنتها إلا طريق مستقيم منتهاه الجنة، فتُعَلِّم ابنتها أن الستر هو أعظم نعمة يمكن أن ينعمها الله على الفتاة، أن تقوّمها إذا أخطأت وأن تأخذ بيدها إذا سقطت، أن تحفظ عليها دينها ودنياها، وألا تتنازل إلا أن تبوّئها من الجنة منزلاً.

 

بينما كانت أمهن فاطمة بنت محمد -رضي الله عنها- تبكي وتشتكي لصديقتها أسماء بنت عميس وتقول: "يا أسماء إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء، إنه يُطرح على المرأة الثوب فيصفها" وأنها تستحي أن تخرج على الرجال وهي على خشبة حمل الموتى المُسطّحة ملتفة في كفنها الذي تراه يصف جسدها! يا الله! أتستحي وهي ميتة مكفنة في كفنها! فلا يقبل عقلها أن يطرح عليها ثوباً يصفها حتى وإن كانت جثة هامدة، لا يرتضي حياءها وعفتها أن يرى الرجال طرفاً مفصّلاً من جسدها، كم كنت راقية نقية يا أم المؤمنين!

 undefined

 

ويمر على ذهني تلك المرأة المؤمنة التي جاءت إلى رسول الله تشتكي إليه أمر مرضها بداء الصرع وتقول له: "ادعُ الله أن يعافيني"، فقال لها ﷺ:"إن شئت دعوت لكِ وإن شئت صبرتِ ولك الجنة"، فلم تلبث إلا أن قالت: "أصبر يا رسول الله"، وهنا كان لِزاماً على العقل إدارك تلك القاعدة الأصولية في النفس السوية، فلم تكن المرأة المسلمة مخيرة بين أمر من أمور دنياها أو الصبر على بلوى تصيبها وبين الجنة إلا واختارت الجنة. واصلت المرأة حديثها: "ولكني حينما أُصاب بالصرع أتكشّف، ادعُ الله لي ألا أتكشّف". ما هذا الذي تُعلِّمه تلك المرأة البسيطة لفتيات المسلمين المتعلمات المتنورات عبر كل زمان ومكان!، تُفكر في أمر سترها بينما هي تتألم في مرضها، فما بال تلك المعافات من المسلمات اللائي يتكشفن وهن معافات سليمات بكامل عقولهن!

 

وما كان لي أن أكتب عن حجاب الجسد وأترك حجاب الروح والقلب والعقل، فلا فائدة من حجاب الجسد والقلب خرب، وإنه لا صلاح للجسد دون صلاح القلب. ما أكثرهن تلك الفتيات اللواتي يلوثن آذاننا بابتذالهن في انتقاء الكلمات وتمتعهن بالكلام الصبياني، ولا تجد لعقلك مبرراً إلا أن ما انخفض مؤشر الحياء والعفة عند الفتاة إلا وأبعدها أكثر عن صورتها السوية في عيون الخلق وأخرجها عن الغاية السامية النقية التي خلقت من أجلها. وما أجمل الفتاة التي تراها العيون فينطق اللسان تلقائياً "ما شاء الله"، فيألفها القلب ويُرح منظرها الروح فيأبى القلب إلا أن يُرسل من أجلها دعوات تحملها الملائكة إلى السماء فتهنئ بطيبها ورقي غايتها وحملها.

 

فيا فتيات المؤمنين احفظن أنفسكن وارتقين، انأين بأنفسكن عن كل ما هو متدنٍ رخيص في هذا الكون، خذن ركناً بعيداً في أقصى الأرض عن تلك المحبطات الغافلات اللواتي يجذبنكن إلى طرق الظلام والفتن، وصاحبتكن مرآتكن ساحبتكن، فإن صَلحت صلحتن وإن فسدت فسدتن، فانتقين أطيبهن. اعتنوا بأرواحكن واحجبوها عن كل ما يعكر صفوها ونقاء همتها، فالظلمات حالكة ونور الله غالٍ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور، فاجعلن الله نوركن لا غيره، ولا تعثركن نظرة لأسفل ولا تثبط أرواحكن جذبة من هنا أو هناك، فالفاتنات كثيرات والطريق صعب فلا يخلو من العثرات.

 

ستتعبن! نعم.. لكن المهم ألا تستسلمن "مهما كان الثمن"!
فحجاب للروح وحجاب للجسد..