شعار قسم مدونات

ضَمائِرُ الإنْسِ المُنْفَصِلَة

مدونات - الغوطة

ملاحظة: ترتدي مقالتي هذه ثوبَ الحِدَاد الأسود، لا مبالغةً في التشاؤمِ والسلبية، بَل تَصوِيراً حَقيقياً لِلواقع الذي نَعيش.. وفي طَرفِ المقالة سَكبتُ – مُتَعمِّداً – بُقعَةً مِن بَياض، عَسى أَن تَتَفَشَّى على سَطْحِها.. آمِلاً بتغييرٍ قريبٍ يَغشى صَفحةَ المَشهَد..

 

لُغةُ ضمائرِ الإنسِ المُنفصِلة.. لُغَةٌ فَريدَة.. لكنَّها شائِعة، تُشبِه العَربِيَّةَ في هَيكَلِها الخَارجي، لكنَّها تَحمِلُ في مَضمونِها عُنفاً ووَحشِيَّة، وَإِجراماً وَعِدَائِيَّة، تَبَرَّأت مِنها اللغةُ العربيةُ الحَق، لُغةُ الرَّحمَةِ وَالحِكمَةِ وَالمَوعِظةِ الحَسَنَة، لُغَةُ العَدلِ وَالإِحسانِ وَإِيتاءِ ذِي القُربى، لُغةُ النَّهيِ عَن الفَحشاءِ وَالمُنكر وَالبَغي.. لُغةُ الجَسَدِ الوَاحِد الذي إِذا اشتكى مِنهُ عُضوٌ تَداعى لَه سَائِر الجَسَد بِالسَّهَر والحُمَّى.

  

ضَمائرُ الإنسِ المُنفصلة تَختَلِفُ عَن ضَمائِرِ العَرَبِيَّةِ التي نَعرِف، فَالغائِبُ فِيها مُهَمَّشٌ لا يَعُود، وَالمُخاطَبُ مُتَّهَم، (أنا) في ضَمائِرِ الإنسِ مُتَعَجرِفَةٌ مَغرورَة، وما بينَ ضمائِرِ (نحنُ) و (أنتم) ضمائر تَشَرَّبَت الطَّبَقِيَّةَ والتَّفريقَ والتَّمييزَ حَتى العَظمِ والنُّخَاع. في لغةِ ضمائرِ الإنسِ المنفصلة تُنْصَبُ خِيامُ اللجوء، وَعلامةُ نَصْبِها.. القهرُ والبؤسُ الظاهرُ على المَلامِح، تُنْصَبُ المَكائدُ والكَمائِنُ والفِخَاخ التي لا تَسْتَهدف – بِمَحضِ الصُّدفَةِ البَحتَة – سِوى الأبرِياء! تُرفَعُ التَّوابِيت.. وَعلامَةُ رَفْعِها تَبدو على قَسَماتِ الوُجُوهِ، الدموعُ تَسيلُ مِن المُقَل.. تُلقَى قَصائدُ الرِّثاءِ المَنظومَةُ على بَحرِ الأمَلِ الخَفيفِ وَقافِيَةِ النَّحِيب.. يَسودُ بَعدَ الشّدةِ الصَّمْتُ المَبنيُّ على السُّكُون.. سُكون لا يَدومُ طَويلاً.. الضَّمُّ يَأخُذُ مكانَهُ في لُغةِ ضَمائِرِ الإنْسِ في مَشْهَدِ تلك الأمِّ تَضُمُّ وَتَحْتَضِنُ جُثَثَ أَطفالِها كَدُمَى صُلْبَةٍ بِلا حَراك، دُمى دَامِيةِ الوجوهِ مُشَوَّهَةِ المَلامِحِ مُغْبَرَّةِ الأبدانِ وَالثيابِ.. بِلا رُوْح.. 

 

المآسي في لُغةِ ضَمائِر الإنسِ المُنفَصِلة تُشْبِهُ كَثيرَاً (كَانَ وَأَخواتُهَا)، أَفعَالٌ مَاضِيَةٌ ناقِصَة، تُثِيرُ عَواطِفَ نَاطِقِيهَا وَتَسْتَفِزُّ غَضَبَهُم فَتْرَةً مِن الزَّمَن

في لُغةِ ضَمائِرِ الإنسِ يُجَرُّ قائِلُ الحَقِّ وَالصَّوابِ إلى الهَلاك، إلى سُجونِ الظُّلمِ والتَّعذيب، إلى المَقاصِل.. يُتَّهَمُ بِإثارَةِ الفِتَن.. يُلاحَق.. يَختَفِي عَن الوُجودِ فَجأَة.. يُقتَل.. وَأُسلوبُ المَدْحِ يَكونُ مِن نَصِيبِ المُنافِقِين المُدَاهِنين وَأصحابِ البُطولاتِ المُزَيَّفَة، وَالكَسْرُ وَالهَدْمُ وَالأنْقَاضُ صَارَت عَلامةً اتسَمَت بِها مُعظَمُ مَعالِم الدُّوَلِ والأمْصَار، في شَتّى ظُروفِ الزَّمانِ وَالمكان.. والبَشَرِيَّة.. تَقِفُ على تِلكَ الأطلال، في مَشهدِ مَجازٍ مُرسَلٍ عَلاقَتُهُ اعتبارُ ما كان.. وَالخوفُ مِن اعتبارِ ما سَيَكون.

  
في لغةِ ضَمائِرِ الإنس تُرفَعُ الشِّعَارات.. الحُرِّيَّةُ.. المُسَاواةُ.. وَغَيرُها.. وَعلامَةُ رَفعِها النِّفَاقُ والزَّيْف، تُرْفَعُ مُبَطَّنَةً بِأسلُوبِ التَّورِيَة.. مَعنى قَريبٌ غَيرُ مَقْصُود.. وَمعانٍ بَعِيدَةٌ خَبِيثَةٌ مَقصُودَة. في لُغَةِ ضَمائِر الإنسِ تُرْفَعُ الأكُفُّ إلى الخَالِق المَعبُود، فَالحالُ مَنْصُوبٌ على فَتْحِ الجِراحِ وَنَزْفِهَا.. تَسْمَعُ كثيرا أُسلوبَ النِّداءِ يُرافِقُه صُراخٌ مُوجِع " يا الله لُطفَكَ وَرحمَتَك! يا الله نَصْرَكَ وَعِزَّتَك! " تَسمَعُ أُسْلوبَ النُّدْبَةِ في شَوارِعِ المُدُن " واأُمَّتاه.. أفيقي مِن غَيبوبَتِك وَسُبَاتِك".

 
الإنسانُ في لُغَةِ ضَمائِرِ الإنسِ المُنْفَصِلَة نَكِرة، لا يَقْبَلُ (ال) التَّعريف، وَلا يُعَرَّفُ بِالإضافَة.. أُسِرَ وَسُجِنَ عَشَرات.. قُتِلَ وَأُبِيدَ مِئات.. شُرِّدَ وَهُجِّرَ آلاف.. نَحنُ في لُغةِ ضَمائِرِ الإنسِ المُنفَصِلة مُجَرَّدُ أرقامٍ نَكِرَةٍ لا أكثَر!!

 

في لُغَةِ ضَمائِرِ الإنسِ المُنفَصِلة لا فَرْقَ بينَ المُذَكَّرِ وَالمُؤَنَّث، لا فَرقَ بينَ الطِّفلِ وَالشَّيخ، اختَفى التَّضَاد وَالطِّبَاق، وَأُعْلِنَ وَرُفِعَ شِعَارُ المُساواةِ والتَّرادُف، فَلا فَرقَ بينَ الكَبيرِ والصَّغير، ولا بَينَ الصَّحِيحِ وَالمُعْتَل، كُلُّهُم أَمامَ قَواعِدِ تِلكَ اللغَةِ سَواء، وَحينَ تَهبِطُ القَذائِفُ والصَّواريخُ على ظَرْفِ المَكان، تَخْتَلِطُ الأشلاءُ والدِّماء، بِلا تَمْيِيزٍ مَنْصُوبٍ على أساسِ الجِنْسِ أو السِّن أو غيرِ ذلك.. لا استثناءَ ولا شواذَّ في حَضْرَةِ تلكَ القَواعِد!

  undefined

 

بَعضُ الشُّعوبِ في لُغةِ ضَمائرِ الإنسِ المُنفَصِلة مَفْعُولٌ بِها، بَعضُها مَفْعُولٌ فِيهَا، البَعْضُ الآخَرُ تَسُودُ أَدْمِغَةَ أَفرادِهَا عَلامَاتُ الاسْتِفهامِ والتَّعَجُّب، بَعضُ الشُّعُوبِ مَرْفُوعَةٌ على حِسابِ أُخرى مَكسُورَة مَجْرُورَة، بَعضُ الشُّعوبِ مُضَافَةٌ إلى شُعُوبٍ تَفُوقُهَا قُوَّةً وَسُلْطَة، بَعضُها مَبْنِيَّةٌ لِلمَجْهُول، وَبَعضُ الشُّعوبِ لا مَحَلَّ لَها مِن الإعْرَاب.

 

أَثِقُ كُلَّ الثِّقَةِ أَنَّنَا سَنَتَجَاوَزُ كُلَّ تِلكَ الفَواصِلِ إلى نُقْطَةِ النِّهَايَة، سَنَبْدَأُ فَقَرَةً جَدِيدَةً مِنْ شُمُوخٍ وَعِزَّة، فَضَمائِرُ الإنسِ المُتَّصِلَة لَنْ تَصْمِتَ طَويلاً، سَتَصْحو مِن سُباتِها

المآسي في لُغةِ ضَمائِر الإنسِ المُنفَصِلة تُشْبِهُ كَثيرَاً (كَانَ وَأَخواتُهَا)، أَفعَالٌ مَاضِيَةٌ ناقِصَة، تُثِيرُ عَواطِفَ نَاطِقِيهَا وَتَسْتَفِزُّ غَضَبَهُم فَتْرَةً مِن الزَّمَن، تَكْثُرُ الاسْتِنكَاراتُ المَسْجُوعَة، وَالخُطَبُ المَنْظُومَة، وَتَصرِيحاتٌ تَزخَرُ بِالتَّورِيَةِ المُنافِقَة، وَصِيَغِ المُبَالغَةِ الكاذِبَة، لِتَسيرَ الحَياةُ بَعدَها في الفِعلِ المُضارِعِ دُونَ أيِّ خَطْوَة يَتَّخِذُونَها للِأمام، تَتَكرَّرُ المآسي.. يَتَكَرَّرُ الشَّجْب.. وَهَكذا.. في دَورَةٍ اصْطُلِحَ على تَسْمِيَتِها بِدَورَةِ المآسي في الشُّعوب.. رَحِمَ اللهُ زَماناً كانت فِيه مآسي الماضي سَبَباً لِنَصْرِ وَعِزَّةِ الحاضِر، وَكانَ فيهِ جَوابَ صَفعةِ ماضٍ جَيشُ حاضِرٍ يَستَرِدُّ حَقَّا وَيَفْتَحُ أَرْضَاً وَيَكْسِرُ وَيَهْزِمُ عَدُوَّاً.

 
مِن قَواعِدِ لُغةِ ضَمائِرِ الإنْسِ المُنْفَصِلة أَنَّ أَساليبَ العِدَائِيَّةِ تَتَصَدَّرُ أَحادِيثَ نَاطِقِيها.. أُسلوبُ الذَّم، أُسلوبُ التَّحذير، الشَّتْمُ بِالنُّعُوتِ وَالصِّفَاتِ السَّيئَة، وَفي فَقَراتِهَا تَكْثُرُ عَلامَاتُ الحَذف، النِّقاطُ الثَّلاثَة، لأسبابٍ مُخْتَلِفَة، بَعضُها بِمَكرٍ بُغْيَةَ إِخفاءِ تَفاصِيلَ مُعَيَّنَة، وَكَثيرٌ مِنها لأسبابٍ لا أَخلاقِيَّة، تَنتَشِرُ خَاصَّةً بَينَ أَوساطِ الشَّباب !! في الآوِنَةِ الأخيرة تَمَّ الاستغناءُ عَن استِخدامِهَا حَقِيقَة، وَأصْبَحَت تِلكَ الألفاظُ تُصَرَّحُ عَلانِيَةً بِضَميرٍ وَخُلُقٍ مُسْتَتِرٍ تَقْدِيرُهُ الوَقاحَة!

 
وَلِلنِّسْبَةِ في لُغَةِ ضَمائِرِ الإنس المُنفَصِلَة نَكْهَتُهَا الخاصَّة، حَيثُ إِنَّها اتُّخِذَت بِجَهْلٍ وَمَكْرٍ وَسِيلَةً لِلتَّفْرِيقِ وَالتَّعَصُّبِ الجاهِلِيِّ المُنْتِن.. فَسادَت بَينَ الشُّعوبِ وَالدُّوَلِ ثَقافَةُ ( الأوسِيّ ) و (الخَزْرَجِيّ ).. الجَمْعُ في تِلكَ اللغةِ جَمْعُ تَكسِير، جَمْعٌ في ظَاهِرِه، وَفُرْقَةٌ في بَاطِنِه.

 

رغمَ ذلك.. أَثِقُ كُلَّ الثِّقَةِ أَنَّنَا سَنَتَجَاوَزُ كُلَّ تِلكَ الفَواصِلِ إلى نُقْطَةِ النِّهَايَة، سَنَبْدَأُ فَقَرَةً جَدِيدَةً مِنْ شُمُوخٍ وَعِزَّة، فَضَمائِرُ الإنسِ المُتَّصِلَة لَنْ تَصْمِتَ طَويلاً، سَتَصْحو مِن سُباتِها، سَتُعْلِنُ ثَورَتَها على ضَمائِرِ الإنس المُنفَصِلَة، وَبِكُلِّ أَدَواتِ الجَزْمِ تُؤَكِّدُ وَتُقْسِم.. سَتَتصِلُ الضَّمائِر، سَتُفْتَحُ أَبوابُ الفَرَج، سَتُرْفَعُ رَاياتُ النَّصر، وَتُضَمّ البلادُ إلى بَعْضِها فَيَجْتَمِع المُفرَدُ لِيُصبِحَ وَحْدَةً واحِدَة، قُوَّةً وَاحِدة، سَتتلاشَى مِنَّا حُروفُ العِلَّة، سَيسُودُ العَدل، وَسَتُصْبِحُ الأمَمُ وَالشُّعوبُ مَفْعُولا مَعَهُ وَلأجْلِه، بِفِعلِ فاعِلٍ يُقيمُ شَرِيعَةَ اللهِ العادلةَ فيها.. سَنَعودُ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت للناس، سَنرجِعُ في مَنزِلَةِ المُبتَدَأ المُقَدَّم، بِخَبَرٍ إلهي مَذكُورٍ في كِتابِه "أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ".. "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ".. "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.